بيان الاربعاء: لم يسبق أن واجهت اسرائيل مأزقاً منذ انشائها على أرض فلسطين كالتحدي الماثل في الانتفاضة الثانية. وما يميز هذه الانتفاضة عن سابقتها أواخر الثمانينيات، هو عنصر الكفاح المسلح الذي طالما أرعب الدولة العبرية حين كان يأتيها عبر الحدود من الخارج، لكنه بات حالياً بعد اتفاقات أوسلو وعودة السلطة الفلسطينية، في عقر دارها. هذا الرعب اجتاح المستوى الحكومي والشعبي في اسرائيل على حد سواء، حيث التداخل الجغرافي والديمغرافي يجعل من مهمة منع العمليات الاستشهادية مستحيلة وهو ما ترك الاسرائيليين فريسة الخوف من الموت حرقاً في أية لحظة. كذلك ينظر جيش الاحتلال بقلق غير مسبوق لانتقال أكثر من 40 ألف رجل أمن فلسطيني بكامل أسلحتهم الى عمق مجال حركته ما يفقده ميزة تفوقه الخاصة بالحرب الكلاسيكية التي تكون فيها الريادة لسلاح الجو واضطرار هذا الجيش لمواجهة حرب عصابات تستنزفه تماماً. إزاء هذا المأزق الذي تسبب فيه التعنت السياسي الاسرائيلي ورفض الاستجابة للحقوق الفلسطينية التي صاغتها الأمم المتحدة خلال مفاوضات كامب ديفيد ومن بعدها طابا تجهد دوائر صنع القرار في الدولة العبرية في وضع الخطط الهادفة لمواجهة هذا التحدي الذي يهدد وجود اسرائيل نفسها كما باتت مختلف هذه الدوائر على قناعة تامة. وما يزيد من حقيقة الفزع الصهيوني هذا تلك التقارير التي تحدثت عن هروب ما يصل الى مليون اسرائيلي من فلسطين، وهو ما دفع السلطات الاسرائيلية للجوء الى حجز جوازات السفر للحد من هذه الظاهرة. غير ان الموضوع الفلسطيني كان دوماً مرتبطاً بالعوامل الاقليمية والدولية لاسيما الحرب الأمريكية الجارية على الارهاب وهو ما يتطلب طبقاً لوجهة النظر الأمريكية تبريد ساحة الصراع في فلسطين لاحتواء أية انفجارات في الشارعين العربي والاسلامي. ولذلك تنشط الدبلوماسية الأمريكية في جهود وساطة تعتمد هدنة ولو مؤقتة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. لكن العقبة التي تواجه الادارة الأمريكية، هو وصول المتطرف ارييل شارون الى سدة الحكم والذي يحتفظ بأجندته الخاصة التي تخلو من أي مصطلح يشير الى السلام سوى صيغة حكم ذاتي مشوه للفلسطينيين وإلا شن الحرب الواسعة وتقويض السلطة وطرد رئيسها ياسر عرفات. على هذا المنوال تسير تفاصيل الصراع، وفي انتظار موقف عربي حازم يضع حداً للعدوان وتوجه أمريكي ضاغط يطيح بشارون، فإن النزاع المسلح سيبقى ماثلاً حتى وان حاولت السلطة الفلسطينية قمع المقاومة في خطوة أملت اسرائيل بتسببها في حرب أهلية سرعان ما تسببها خاب هذا الأمل حين انعكست في المزيد من وحدة الصف الفلسطيني. تعمل اسرائيل ومنذ عهد طويل على احداث شرخ في العلاقات الفلسطينية الفلسطينية، بعد أن نجحت بالتوافق مع الظروف العربية والدولية في ازاحة الواجهة العربية عن القضية الفلسطينية، وغني عن القول أن الكيان المحتل يسعى بذلك إلى تحقيق عدة مكاسب لا تخفى على أحد ومن ابرزها القتل والتدمير الذي سيلحق ببنية المجتمع الفلسطيني ـ لا سمح الله ـ مما يعني اولا تخفيف الضغط الامني عليها، وثانيا اعطاؤها شرعية دولية اوسع لتصفية حقيقية لكل القوى الفاعلة والمهددة للمشروع الصهيوني في فلسطين، وثالثا اظهار الفلسطينيين على انهم حفنة من الغوغاء يقتتلون ويفني بعضهم بعضا، وليس اخيرا مزيدا من تكبيل الشارع العربي وارغامه على الموافقة على السيناريو الصهيوني لفلسطين. ومما لا شك فيه أن الرأي العام العربي اذا كان الان يلوم انظمته وقواه السياسية لعدم التحرك لصالح وقف الابادة الجماعية التي تمارسها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، فإن من شأن الاقتتال الفلسطيني الداخلي أن يدفعه إلى رمي القضية الفلسطينية وراء ظهره اكثر مما يفعل هو الان، والاعتذار عن عدم تحركه بان يرفض التورط في حرب اهلية عربية بعد توجيه البنادق الفلسطينية نحو الجسد الوطني وليس نحو جسد الاحتلال. وكانت دولة العدو الصهيوني نجحت نسبيا في الثمانينيات من القرن الماضي بتحويل تناقض الفلسطينيين معها إلى تناقضهم مع انفسهم، إلا أن ما جرى تطويقه ورفضه في النهاية ادى إلى اعطاء الفلسطينيين دروسا ملخصها انه من غير المسموح أن يكون تناقضهم مع بعضهم البعض مهما كلف الامر، حتى وان تم تأجيل أو تبريد المقاومة لفترة من الزمن. هذا ما يفسر قرار حركة المقاومة الاسلامية «حماس» الاخير والمتعلق بتعليق عملياتها الاستشهادية أو اية نشاطات عسكرية إلى حين، فالوحدة الوطنية التي تمثلت حتى الان في الانتفاضة بأروع صورها ومعانيها وعطائها، لا يمكن أن يتم القفز عنها.. فالكل مستهدف حتى اشد الفلسطينيين اعتدالا، وميلا للقبول بالشروط الصهيونية. وفهم «معظم» الفلسطينيين لهذه الصورة دفع قيادة العدو إلى زيادة عدوانها على الشعب الفلسطيني والى التخطيط لعدد من المؤامرات الهادفة إلى دق اسفين الخلاف بين الفلسطينيين، وما اغتيال الشهيد العقيد تيسير حطاب مدير مكتب مدير المخابرات العامة أمين الهندي والايهام بأن أيدي فلسطينية خلف اغتياله إلا شاهد حي على مثل هذه المؤامرات. بين انتفاضتين في فترة سابقة من الانتفاضة الفلسطينية الحالية قال وزير الحربية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر إن الانتفاضة قد تستمر ست سنوات ما دفع عدد كبير من الفلسطينيين رغم ادراكهم لتكتيكية تصريح اليعازر إلى اجراء مقارنة حية بين الانتفاضة السابقة والانتفاضة الحالية. واجمع معظم هؤلاء أن الانتفاضة السابقة التي أكملت السبع سنوات تختلف اختلافا كليا عن الانتفاضة الحالية من حيث أن الاولى كانت في حقل فلسطيني مغلق، مما جعل المستوطنين بمأمن عنها، فلم يهرب اي مستوطن يهودي من مستوطنته، على أن الانتفاضة الحالية دفعت إلى فرار معظم ساكني المستوطنات منها حتى قيل أن حركة السير في المستوطنات تقلصت إلى حدود «خطيرة» . عدا عن اليهود الذين يعيشون في تل أبيب وما حولها، حيث لم تكن لهم هذه الانتفاضة خصوصا السنوات الاولى منها، إلا احاديث يرويها جنودهم العائدون من الاراضي الفلسطينية أو تلك التي يرونها على شاشات التلفزيون، اللهم بعض الاستثناءات. ولم يؤثر على السياحة أو الصناعة أو الزراعة وغيرها من مقومات اقتصاد الدولة واهم من ذلك لم تنجح السنوات السبع مجتمعة على وضع هوية الاسرائيلي نفسه تحت المحك كما فعلت انتفاضة الاقصى التي جعلت اليهودي يقوم بهجرة معاكسة إلى خارج فلسطين بعد أن كانت الهجرة قبل ذلك تدور عجلتها بصورة مستمرة. حتى اضطر مركز الهجرة اليهودية في نيويورك لاعلان أن مليون يهودي هاجروا من فلسطين ولم تكمل الانتفاضة عامها الثاني، فما كان من الحكومة الاسرائيلية إلا أن فتحت سبعة مراكز في أوروبا للملمة الاحتياطي الإسرائيلي وإرجاعه إلى فلسطين المحتلة عدا عن الأخبار التي تسربت بأن إسرائيل منعت مغادرة أي شخص يهودي إلا بتصريح من الداخلية الإسرائيلية. وهذا يفهم عندما نعلم أن قواعد الكيان الإسرائيلي في فلسطين مرتكز اصلا على حبلين الاول استراتيجية علاقتها بالغرب وامريكا تحديدا، والحبل الثاني السكان اليهود وفي احيان اخرى من غير اليهود من المسيحيين الغربيين الذين يتم استدراجهم في فلسطين تحت مسمى انهم يهود، وما يتبقى من تفاصيل استراتيجية من حيث ضرورة توفير سلاح قوي يشعر سكان الدولة بالامان والاقتصاد القوي الذي يضمن استمرارية هذا الكيان تعتبر من الامور التابعة للحبلين السابقين. ولكن هذا ليس كل شيء لضمان بقاء الدولة العبرية فقد عمل القادة الصهاينة منذ ولادة فكرة استيطانهم في فلسطين على ضمان عدد من الاحتياجات ابرزها الاستقرار الأمني الجمعي والفردي، بالاضافة إلى الاستقرار العسكري بمعنى أن لا يقضي اليهودي شبابه وهو في الاحتياط العسكري، والاستقرار الاقتصادي بمعنى أن يبقى اقتصاد الفرد اليهودي يتطور وينمو دون ان يتراجع أو أن يكون عرضة للنكسات الاقتصادية أو عرضة للتقلبات السياسية. وتكمن خطورة انتفاضة الاقصى الحالية انها هددت كل هذه الاستراتيجيات سواء استراتيجية علاقتها بالغرب من حيث انها كانت ـ أي الانتفاضة أحد الدوافع الاساسية لمنفذي ضربات سبتمبر، أو استراتيجية السكان كما جاء سابقا بالاضافة إلى تهديدها للاحتياجات الاستراتيجية للفرد الأمنية والاقتصادية والعسكرية. ولأن إسرائيل كانت في الانتفاضة السابقة تسيطر على الأرض فتدخل أي مكان تريد وتداهم أي بيت وتعتقل من فيه، وتصل إلى من تريد، وإذا حصلت على قوائم من خلال اختراقات أو اعترافات داهمت أحياء بأكملها واعتقلت الشباب بالمئات أو العشرات فالأرض غير محرمة عليها، وكل الأحياء عارية امامها، من اجل ذلك كان للعملاء في الانتفاضة السابقة دور بارز فيها حيث نجحت دولة الاحتلال في اختراق معظم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بتنظيماته العاملة، خصوصا وان المجتمع الفلسطيني كان مفتوحا امام الجيش الاسرائيلي بصورة خطيرة، الأمر الذي سهل لسلطات العدو اجراء عدد كبير من حملات الإعتقالات، بالاضافة إلى نجاحها في ارباك المقاومين واضعافهم وصب الزيت تحت اقدامهم، مما دفع إلى خلط الحابل بالنابل ووصول عامة الفلسطينيين في يوم من الأيام للصلاة من اجل وقف الانتفاضة. أما الانتفاضة الحالية، فالصورة تبدو نوعا ما معكوسة من حيث الوحدة والتماسك في المجتمع الفلسطيني من جهة ومن جهة اخرى لم تعد النافذة الفلسطينية مشرعة امام فوهة البندقية الاسرائيلية كما كانت عليه الاحوال في الانتفاضة الاولى. فالأرض ليست تحت سيطرة إسرائيل والجيش الإسرائيلي محرم عليه دخول المدن الفلسطينية وهو لا يستطيع الاعتقال أو المداهمة في الليل أو النهار متى شاء، وهذا الأمر يجعل التخطيط للانتفاضة والمقاومة في مأمن عن قوات العدو ومداهماته ويجعل التدريب أسهل، وفتح مصانع الهاون اكثر يسرا، بالاضافة إلى امتلاك الفلسطينيين الاسلحة وأكثره تم شراؤه من اليهود انفسهم. واذا كان قد ظهر في الفترة الأخيرة تناقض ما بين الفصائل الفلسطينية واجهزة امن السلطة، فانه ورغم خطورته البالغة امكن جبره باستمرار، علما باننا يجب التأكيد على أن هذه الاجهزة هي ذاتها من عملت على الحد من اقتراف التجاوزات الاجتماعية التي كانت تحدث في السابق بالاضافة إلى ملاحقتها للعملاء وإن كان الامر يبدو موسميا في كثير من الاحيان. واكثر من ذلك ان انتفاضة الاقصى دفعت الوحدة الوطنية إلى التمدد على مساحة الوطن فتقلصت الخلافات بين الفصائل إلى الحد الذي ظهرت فيه العمليات المشتركة بين بعضها البعض مما دل على تمتع المستوى التنظيمي الفلسطيني بوعي وادراك كبيرين. وفي مقابل الحالة الاقتصادية المزرية التي عاشها الفلسطينيون في الانتفاضة الاولى فان رواتب افراد وموظفي السلطة في الانتفاضة الثانية دفعت إلى احداث نوع من التوازن في العائلة الفلسطينية التي يعمل معيلها في اجهزة السلطة، وإن كان لا بد أن نشير بان هذا لا يعني أن الاوضاع الاقتصادية للفلسطينيين مريحة الان بل هي من الخطورة بحيث تهدد بكارثة انسانية إن لم يجر معالجتها وهذا ما تحدث عنه وزير العمل الفلسطيني رفيق النتشة عندما اكد أن نسبة البطالة بين الشباب في المجتمع الفلسطيني وصلت إلى 50 % وما يعنيه هذا الرقم من توفر مادة خصبة لكل أنواع الامراض الاجتماعية اللهم اذا ما وضعنا بالاعتبار أن نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب منخرطون اصلا في اعمال المقاومة وهذا فارق ايجابي مهم. ليست نزهة.. ولكن! ما سبق يدل على أن انتفاضة الاقصى ليست نزهة سواء للفلسطينيين أو للاسرائيليين، ولكن السؤال الذي تناطح السياسيون العرب ومنهم الفلسطينيون للاجابة عليه هو : من هو الذي يركب في المقعد الخلفي لمركبة الانتفاضة.. نحن ام هم ؟ من يشعر منا انه في ورطة.. وانه يجب الاسراع لتغيير الحال ؟ وهل تريد اسرائيل «الهدنة» ام الاستسلام وما هو طبيعة هذا الاستسلام هل هو استسلام امة مهزومة ام استسلام وجودي يهدد الدم العربي في الارض المقدسة بالغياب ؟ لا يمكن تناول كل هذه الاسئلة «بالشوكة والملعقة» أو حملها على محمل البراءة، باي حال من الاحوال، فالاجابة ستوصي في النهاية إما بوقف الانتفاضة أو باستمرارها. في يوم الاثنين الموافق 31/12/2001 أي بعد ما يقارب الاسبوعين من «هدنة» حركة المقاومة الاسلامية «حماس» صرح ناطق رسمي فلسطيني انه في الوقت الذي يسود فيه هدوء شامل في جميع المناطق وعلى خطوط التماس منذ اكثر من اسبوعين وبعد حديث كولن باول وزير الخارجية الامريكي عن اقتراب عودة الجنرال انتوني زيني وفريقه الامني اقدمت الحكومة الاسرائيلية على اشعال النار من جديد باغتيال ستة فلسطينيين. وتابع الناطق في بيانه ان قوات الاحتلال الاسرائيلي نصبت كميناً غادراً للمواطنين الفلسطينيين مساء الاحد 30/12 قرب مدينة بيت لاهيا حيث اطلق الكمين الاسرائيلي النار على المواطنين الفلسطينيين فقتل ثلاثة مواطنين مدعية انهم كانوا يحاولون التسلل الى مستوطنة ايلي سيناي. وانه ومنذ الثامنة من مساء الأحد تقوم الدبابات الاسرائيلية باطلاق قذائفها في كل اتجاه للتغطية على هذه الجريمة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية لتفجير الاوضاع الامنية المستقرة ولتعطيل عودة الجنرال زيني، مشيرا إلى انه في الساعة التاسعة والنصف من مساء الأحد نصبت القوات الاسرائيلية كمينا غادرا لثلاثة مواطنين اخرين شرق بلدة بيت حانون واعلن ديوان شارون وليس الناطق الاسرائيلي كما جرت العادة ان الشهداء الثلاثة لم يستجيبوا لاوامر التوقف من قبل الجنود الاسرائيليين. واضاف الناطق ان المنطقة المذكورة ليست منطقة عسكرية ولا يوجد فيها مواقع اسرائيلية بل هو كمين غادر اعدته الحكومة الاسرائيلية بهدف اشعال النار من جديد. وأكد الناطق ان هذا التصعيد الاسرائيلي الذي يقترن بهذا الحصار الخانق والمتواصل رغم حالة الهدوء السائدة يشير الى ان حكومة شارون لم تتراجع بعد عن خطتها العسكرية لمواصلة الحرب العدوانية ضد الشعب الفلسطيني المتصاعدة والمستمرة. في الوقت الذي دعت فيه القيادة الفلسطينية (كما جرت عليه العادة) المجتمع الدولي الى رفع الصوت عاليا ضد هذه الجرائم الاسرائيلية وضد هذا الحصار العسكري والامني ضد الشعب الفلسطيني في مدنه وقراه وتجمعاته قبل ان يفقد الشعب الفلسطيني صبره. وكان لعدد من المحللين السياسيين قد اكدوا أن معنى فقدان الشعب الفلسطيني صبره اشارة واضحة إلى تهديد السلطة لاسرائيل اولا ولامريكا ثانيا انها تخشى من عدم قدرتها على ضبط ايقاع الرأي العام الفلسطيني على نغمة المطالب الأمريكية إلى الابد. اذن ماذا الذي يريده شارون فعلا ؟ من الواضح للعيان انه يحرص كل الحرص على بقاء الانتفاضة (التوتر) لتحقيق مآربه أي بكلمات اخرى ما يريده شارون هو في حقيقة الامر أن يرضخ العرب للعبة الاسرائيلية بكل تفاصيلها الدموية والتسليم للترانسفير أو الابادة، ومن هذا المفترق تتقدم الفصائل الفلسطينية الاسلامية والوطنية واليسارية بخطاب يدعو السلطة الفلسطينية إلى القبض على دولاب العربة وقيادة الانتفاضة في الجهة التي يريدها الفلسطينيون وليس الاسرائيليين. بمعنى اخر ايضا حرق الاوراق الاسرائيلية، وتسييرها وعدم السماح بتحويل الانتفاضة إلى مجرد ردود فعل للممارسات الاسرائيلية. إلا أن للسلطة رأياً اخر فحسابات المكاسب السياسية التكتيكية دفعتها إلى الحائط حتى خسرت، أو كادت، جميع ما تملك من اوراق حتى تلك المعنية بعلاقاتها مع الشعب الفلسطيني. وهذا ما اكدته نتائج الاستطلاعات السرية التي اجرتها مراكز دراسات تابعة للسلطة الفلسطينية والتي اظهرت ان هناك تراجعاً حاداً في شعبية رئيس السلطة ياسر عرفات في اوساط الشعب الفلسطيني وبين اوساط المثقفين والمنتمين الى الفصائل الفلسطينية المختلفة. وحسب هذه الاستطلاعات التي افصحت عنها إحدى الصحف المحلية فان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لم يعد يحظى بتأييد اكثر من 25 في المئة من الفلسطينيين الذين تم استطلاع رأيهم في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد ان وصلت نسبة مؤيديه قبل اندلاع انتفاضة الاقصى التي كشفت حجم التعامل والتعاون الامني بين الاسرائيليين واجهزة السلطة الامنية التي تعمل تحت اشراف مباشر من ياسر عرفات الى اكثر من 75 في المئة في استطلاعات محايدة. ومن الواضح أن سر هذا الموقف الشعبي من قيادة السلطة موقفها من الانتفاضة الفلسطينية ودعواتها المتكررة الى وقف الهجمات العسكرية التي يشنها المقاومون ضد قوات الاحتلال والمستوطنين في فلسطين المحتلة. وكانت استطلاعات اجريت قبل اندلاع انتفاضة الاقصى أظهرت أن عرفات ما زال هو الرجل الاول المجمع عليه بين الفلسطينيين. وبهذا تكون السلطة وقعت بين فكي كماشة أي بين شرعيتها الشعبية المستمدة من مقاومة الاحتلال والتقدم نحو التحرير واعلان الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على اراضيها وعاصمتها القدس من جهة، ومن جهة اخرى تصاعد الضغوط الأمريكية الاسرائيلية عليها التي لا تهدف فقط ـ على حد قول الفصائل الفلسطينية التي ترى المقاومة العسكرية السبيل الاوحد للتحرير ـ إلى تصفية انتفاضة الاقصى بيد فلسطينية وانما ايضا إلى تدمير الوحدة الوطنية التي شكلت اهم ضمان لتواصل الانتفاضة وتطورها، وهذا ما تؤكده طبيعة المطالب الأمريكية من اعتقال نشطاء حركتي حماس والجهاد الاسلامي الذين ترى الحكومة الاسرائيلية انهم (متورطون) في عمليات ضد اسرائيل، وما طالب به زيني بان يتولى الاشراف شخصيا ليس فقط على عمليات الاعتقال، بل وضمان اجراء عمليات تحقيق ناجعة مع المعتقلين للحصول على معلومات استخبارية تفيد في تقليص قدرة الحركتين على شن عمليات استشهادية في المستقبل، وعودة التنسيق الامني الثلاثي الامريكي ـ الاسرائيلي ـ الفلسطيني الى سابق عهده، بالاضافة ايضا إلى اعتقال نشطاء حركة فتح الذين تتهمهم بالتورط في عمليات المقاومة. تدمير البنية التحتية للحركات الاسلامية المقاومة، وتجفيف مصادر هذه الحركات من خلال اغلاق المؤسسات الخيرية والاجتماعية والثقافية التي تديرها حركة حماس على وجه الخصوص في الضفة الغربية وقطاع غزة، على اعتبار أن هذه المؤسسات هي التي تضمن المد الجماهيري لهذه الحركة والذي بدوره يمد الحركة في المستقبل بالعناصر التي تكون مستعدة للانضمام للمقاومة. وسحب رخص المؤسسات النقدية والخيرية الخارجية العاملة في مناطق السلطة التي تزعم (اسرائيل) والولايات المتحدة انها على علاقة بحركات المقاومة، وقد قدمت الادارة الامريكية طلبا للسلطة بالحجز على اموال بنك الاقصى واقفال فروع مؤسسة «الارض المقدسة» بدعوى أنها تُعيل ابناء الشهداء الفلسطينيين وهذا يعني انهم يريدون من السلطة التخلص من أي رافد وان كان غير مباشر للمقاومة. وتشديد القبضة على المساجد، بالاضافة إلى المطلب الاسرائيلي الدائم بان تعمل السلطة على استبدال المناهج التعليمية الفلسطينية التي تتضمن أية مواد تتعرض لليهود بسوء. ومعلوم أن هذه الامور كفيلة بان تشعل نار الفتنة بين الفلسطينيين انفسهم على أن السلطة فيما يبدو ولعلمها بخطورة المطالب الأمريكية الاسرائيلية اختارت الطريق الثالث أي ارضاء الطرفين عبر تكتيك لا يقطع شعرة معاوية رغم أن هذا التكتيك دفع إلى فقدان المواطنين الفلسطينيين الثقة باجراءات السلطة. ولم تكن أمريكا بحاجة للانتظار حتى يوم 11 سبتمبر لتباشر ضغوطها على الطرف الفلسطيني الذي لم يسمع من تصريحات المسئولين الامريكيين بأنه «طرف» في معادلة القضية الفلسطينية إلا بعد ذاك اليوم. وكما جرت عليه العادة في السياسة الغربية لدى توجهها نحو القضاء على جهة ما، فقد بدأت تسمع اصوات غربية تتحدث عن أن حركة المقاومة الاسلامية حماس تحولت الى مارد كبير يهدد الكيان الصهيوني، متناسية كل ما تتعرض له من تضييق واعتقالات لعدد من قادتها وكوادرها، ومحاولة تصفية نشاطها وتجميد أصولها المالية في الخارج. وهذا ما دعت اليه «التايمز» البريطانية في تقرير لها صدر مؤخراً وتناول حركة المقاومة الإسلامية حماس حيث اشارت المجلة إلى إنه لم يسبق لحماس أن تمتعت من قبل بمثل هذه القوة التي تتمتع بها حالياً، على الرغم من احتجاز أعداد كبيرة من أعضائها، وتجميد أصولها في الخارج. وحسب تقرير المجلة فإن حماس نالت هذه القوة بسبب عملياتها الاستشهادية القاسية، مستشهدة بما قام به ثلاثة من أعضائها عندما فجروا انفسهم وقتلوا 25 إسرائيلياً في القدس وحيفا، انتقاما لقتل أحد قادتها. وتبرر المجلة عدم تصفية اسرائيل لرئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لعدم تأكدها من الشخص الذي سيشغل مكانه. أما عن قوة حماس العسكرية فيشير تقرير المجلة الى أنه في عام 1992 أبعدت اسرائيل أكثر من 400 ناشط فلسطيني من حماس والجهاد إلى سفح جبل في جنوب لبنان، ومع أن أوضاعهم كانت قاسية، إلا أنها كانت تجربة مفيدة للكثيرين منهم، فقد تم تدريبهم سراً هناك، وعندما عاد أولئك النشطاء المبعدون جلبوا معهم تلك الخبرة القتالية !. هذا التحريض من قبل هذه المجلة وغيرها يشي بحجم الضغوط التي توضع الان في وجه قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية من اجل القضاء على رأس المقاومة الفلسطينية «حركة حماس» اما السؤال الذي يرى المراقبون انهم لن يكونوا دقيقين اذا ما اجابوا عليه فهو : ماذا و«كيف» سيكون رد السلطة ليس الان فقط، بل وفي المستقبل المنظور ايضا. على أن الامر الاشد خطورة هو الخطاب الذي تتبناه عدد من الشخصيات الفلسطينية سواء من مسئولي السلطة أو منظريها والذي يتحدث عن ضرورة وقف الانتفاضة ووصفها بالمهزلة والصبيانية و«بالولدنة» على حد تعبير عدد من الشخصيات في الاجتماع الاخير للمجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الأردنية عمان، والذي حضرته اكثر من خمسين شخصية فلسطينية سخن بينها النقاش لدى وصف أربعة اعضاء للانتفاضة بذلك. وفي الحقيقة فإن العلامات الابتدائية لمطلب وقف الانتفاضة لدى بعض العاملين في بعض مؤسسات السلطة ومنها وكالة الانباء الفلسطينية «وفا» أو من قبل بعض المحللين السياسيين بدت واضحة تماما قبل 11 سبتمبر بزمن، ومرتكز هؤلاء كان سؤالا يدور حول : «أي شكل من الانتفاضة نريد؟» في اشارة إلى القول بضرورة تحويل الانتفاضة إلى عصيان مدني خال من الاسلحة أو أي نوع من انواع المقاومة. ثم بدأت الاصوات بعد الضغوطات الأمريكية المتزايدة على السلطة بعد وقت قصير من انطلاقة حملتها ضد ما تصفه بالارهاب في افغانستان بالحديث عن أن «على الفصائل الفلسطينية وفي طليعتها حركة «حماس» أن تدرك انه لا يمكن الموافقة على أن يكون برنامجها السياسي هو الموجه العام للانتفاضة أو لمستقبل القضية الفلسطينية وان الجهة الوحيدة المسئولة عن تحديد البرنامج هو صانع السلطة الوطنية الفلسطينية وليس أي جهة اخرى».