بيان الاربعاء: احتل مصطلح المجتمع المدني في السنة الماضية في الحياة السياسية والإعلامية السورية مكان الصدارة، وفرض نفسه بقوة على الاحاديث اليومية للمثقفين السوريين، الذين تباينت اراؤهم ومواقفهم حيال، هذا المصطلح الذي يرى الدكتور حسان عباس انه اتخذ ثلاثة اتجاهات اولها وضع المفهوم في مواجهة الدولة، وثانيها وضع الدولة في مواجهة المجتمع المدني، في حين ان الاتجاه الثالث ربط بين وجود المجتمع المدني والدولة القوية. وفي الندوة التي اقامها منتدى الحوار الثقافي بدمشق تحدث محمد جمال باروت احد الاسماء التي شاركت في الحوار حول طبيعة هذا المفهوم الطاريء والذي قفز إلى واجهة الاهتمام بسرعة مبتدئا من تعريف علم السياسة في معجم ليتريه الذي يرى فيه فن أو علم حكم الدول، وفي معجم بوبير اللاحق 1962 الذي يؤكد انه فن، أو علم حكم وإدارة المجتمعات الانسانية، حيث يكشف هذا التبدل عن التغير المنهجي والنظري والوظيفي لعلم السياسة، كما اقترحته اليونسكو بديلاً لمصطلح العلوم السياسية، اذ يميز علم السياسة بين الدولة والسلطة والقوة، فعلم السياسة يدرس آليات القوة في المنظمات الانسانية المدنية جميعها، والشكل المهيمن فيه هو المجتمع المدني الذي هو حقل اهتمام الكثير من الاختصاصات العلمية والدرسية فقد دخلت دراسة المجتمع المدني ميدان الدراسات الاستراتيجية. ويذهب باروت إلى ان تعريف المجتمع المدني يتعدد بتعدد من يستخرجه وقد وقفت الماركسية منه موقفاً حذراً اذ رأت فيه بديلاً لمفهوم الصراع الطبقي بصورة مواربة. ويذكر باروت ان هذا المفهوم مر بعدة مراحل نظراً لاختلاف الفلسفة التي تتعرض له من تاريخية، أو اقتصادية أو.. من دون تجاهل عملية التداخل القائمة بين هذه المرجعيات، فاذا كانت الدولة تتطابق مع المجتمع المدني عند روسو في مفهوم الدولة التعاقدية الليبرالية، فانها عند هيجل تمثل الدولة البيروقراطية التي تدعو إلى تجاوز انقسامات المجتمع المدني، وتناحراته. العودة العربية إلى استخدام وتداول هذا المصطلح ارتبط مع تراجع المفهوم التوتاليتاري وفي اطار الحديث عن موضوع الديمقراطية. وقد ابتدأته تونس، ثم انتقل إلى دمشق. ويميز باروت بين مفهومين للمجتمع المدني أولهما هو المفهوم المعتقدي، والثاني الاجرائي، والمعتقدي هو الذي يربط المجتمع المدني بوصفه مجتمعاً حديثاً كنقيض للمجتمع العصبوي، اذ تبدو البلاد العربية محكومة بروابط مللية وعشائرية اثنية اقوامية ما قبل القومية، وبالتالي تكون عملية التحديث تهدف إلى صهر هذه الفئات في بنية طبقية افقية قومية، أي استبدال عملية التفكك الاجتماعي بالاندماج الاجتماعي. ان المجتمع المدني هنا مرادف للمجتمع القومي الحديث العلماني، على الصعيد العلمي، الا ان ذلك يثير الجدل حول العلاقة بين المجتمع المدني والعلمانية، أي بين المجتمع المدني والدين، ويؤكد باروت ان العلاقة بين المجتمع المدني والدولة ليست علاقة بديل، بل هي علاقة مستقلة نسبياً، يدعم المجتمع المدني فيها الدولة عندما تكون دولة حق وقانون ومؤسسات. وينطلق باروت من ان المجتمع الإسلامي قد وقع فيه الفصل بين الشريعة والسياسة، مع ولادة الدولة السلطانية سلطتان دينية ومؤسساتية سياسية توسعت باسم السياسة الشرعية، الا ان هذا الانفصال الذي حدث في عهد الدولة العثمانية بين الشريعة والسياسة مهد بفضل ايديولوجيا الاصلاح الاسلامي الى الفصل بين الخلافة والسلطنة وهو ما دفع به كمال اتاتورك إلى فصل الدين عن الدولة بالمنطق العلماني. ان المجتمع المدني عند ماركس وهيجل هو المجتمع البرجوازي اي المجتمع الذي يعيد انتاج بنياته بمعزل عن آليات التحكم المركزية ورقابة الدولة، وهذا يحتمل ـ كما يذكر باروت ـ ان هناك مفهوماً اجرائياً للمجتمع المدني ليس له علاقة بهذه المعتقديات والذي هو المنظمات غير الحكومية التي يشكلها الافراد لتحقيق خيرهم الخاص في اطار الخير العام، وهذا التعريف بالقياس إلى التعريف المعتقدي السابق يقوم بحذف مسألة التخلف، فهو يعتبر كل منظمة غير حكومية تشكل مجتمعاً مدنياً، وهذا المفهوم هو ما حاولت مؤسسات العولمة الاجتماعية ومنظماتها ان تسوقه في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وفي هذا الصدد يذهب باروت إلى انه ـ وفق المؤشرات الكثيرة ـ فان المنظمات غير الحكومية قد انفلتت من هيمنة المؤسسات الدولية للعولمة. كما كان الحال في قمم البيئة والمرأة والسكان وقمة مكافحة العنصرية. ويلاحظ باروت ان المثقف السوري الذي جاء من خلفية ليست ليبرالية، انما قومية يسارية جديدة مشبعة بالعقلانية وقيم البحث عن دولة الحق والقانون قد طرح مفهوم المجتمع المدني من خلال الوعي بذلك، فمؤسسات الدولة في سوريا هي التي تتلقى معونات المنظمات الدولية وتحجبها عن المنظمات التي يجب ان تصلها. من جهة اخرى يطالب باروت بأن يكون الطرح المؤسسي للمجتمع المدني مستقلاً نسبياً عن منظمات العولمة الاجتماعية، وعن الدولة في اطار ما يمكن اعتباره الدفاع عن مقومات الدولة الوطنية. ويرى ان ذلك هو سمة عامة عند جميع المثقفين العرب. وفي توصيفه لأساليب تعطي الدول العربية مع مؤسسات المجتمع المدني يرى انها تعاملت معها بشكلين الأول هو الاضطرار إلى عملية ما يمكن تسميته الديمقراطية المقيدة «تونس ـ الأردن ـ مصر» وفي اطار وصفات العولمة الاجتماعية الليبرالية الجديدة ولكن بعد 11 سبتمبر أضحت مؤسسات العولمة الاجتماعية تتراجع في عملية ضخها لقيم العولمة الاجتماعية