بيان الاربعاء: خلال فترة الحرب الاهلية في لبنان وما قبلها اقدمت عائلات اجنبية، معظمها من اوروبا على وجه التحديد، على تبني اطفال لبنانيين وصل عددهم إلى أربعة الاف طفل، هم الان في سن الشباب. هؤلاء الشباب لا يعرفون اباءهم وامهاتهم الحقيقيين، لذا قرر بعضهم العودة والبحث عنهم على امل احياء العلاقة الحقيقية مع عائلاتهم الشرعية. «البيان» التقت احدهم وكانت هذه الحكاية: «الكسندرين كاستاينية» المواطنة الفرنسية من اصل لبناني وجهت عبر «البيان»، نداء إلى جميع اللبنانيات خاصة المقيمات في دول الخليج، لمساعدتها في معرفة اهلها الحقيقيين، وتقول: «عندما ولدت عام 1965 في بيروت وضعني اهلي في ملجأ، لان والداي انجباني من زواج خارج الزواج «اي غير شرعي». اعتقد ان امي لبنانية مسيحية من منطقة شمال لبنان، ووالدي سوري من اصل اردني. عام 1969 تبنتني عائلة فرنسية وكان عمري اربع سنوات، احسنت تربيتي وعاملتني بصورة رائعة، وعندما كبرت قالوا لي الحقيقة: انني ابنتهم بالتبني. يهمني كثيراً ان اتعرف على اهلي، ومن هم اهلي في الاساس؟ لا اعرف عنهم شيئاً اكثر مما ذكرت. آمل من كل لبناني، خاصة لبنانية، يعرف عن قصتي شيئاً ان يعلمني به. فقط اريد ان تتعرف الى أمي وتحضنني، انني بحاجة ماسة إلى عاطفتها، والى تحديد انتمائي في هذا الزمن المضطرب. إنني اقدر ان والدتي الاساسية اضطرت لتقوم بما قامت به من جهتي، لهذا فانني اعذرها سلفاً. وامل ان اعيش بقية عمري في حضنها. ارجو ان يتمكن احد من مساعدتي. يتضمن نداء الكسندرين ذاك ابرز معالم حياتها وقصتها. ورغم انه يتضمن معطيات، اشبه ما تكون بمعلومات، الا انه من الصعب التعامل مع مضامينها بوثوق كامل. فقد يطرأ ما ينفيها، او يعدل فيها. لكن القاعدة الاساسية للانطلاق، تبقى فيما جمعته صاحبة النداء عن نفسها، معتبرة انه صحيح حتى اثبات العكس. هذا ما حصل تقول الكسندرين ان اسمها الحقيقي عندما كانت رضيعة نيلي سهام كملا. لكنها لا تدخل في تفاصيل الترتيبات التي تتم في لبنان عند وضع احد الأطفال في ملجأ، اذ يعطى اي اسم مستعار، ولا يكون فيه أي ذكر لاسم الاب، سواء كان معروفاً في حينه ام غير معروف. هذا يعني ان اسمها المستعار هو نيلي سهام كملا، وليس الاسم الحقيقي في حين كانت تحمله فعلاً قبل تسلم إدارة الملجأ لها. وتقول انه طالما عرفت حقيقة وضعها باحساسها الداخلي: «لطالما كنت اعرف الحقيقة، أو أشعر بها على الاقل. فقد كنت على علم بها منذ ان تبنوني ووصلت إلى فرنسا، وكان عمري اربع سنوات. وقد كنت وصلتها في اكتوبر عام 1969، فيما تاريخ ولادتي هو 13 ديسمبر من العام 1965. لقد صارحني اهلي «بالتبني» في فرنسا. قالوا لي ان سبب فكرة التبني تعود إلى وفاة اهلي، ونتيجة لذلك ادركت ان لبنان هو وطني، واحببت ان اعود إليه. لكن سنوات الاقتتال والحرب فيه منعتني دون ذلك. لكن عندما زرته للمرة الاولى في فترة لاحقة علمت ان هناك مستندات مكتوبة بخط يد والدي، وقد سلمها إلى إدارة الملجأ». ـ نسألها: ما ابرز ما تتضمنه هذه المستندات؟ ـ كان يلمح فيها والدي إلى ان اجراءات التبني قد استغرقت وقتاً طويلاً. وكانت صعبة، وثمة نقاط شعرتني افكر بأمور كثيرة. فقد عرفت انني فتاة متبناة في العام 1970. فلماذا قيل لي ذلك بعد سنتين تقريباً من وصولي إلى فرنسا؟ ـ شعرت ان في الأمر اسباباً مخفية. لماذا اثار والدي اجراءات التبني؟ هل توفي والداي فعلاً؟ وهل وفاتهما هي التي جعلت اهلي بالتبني يخبرونني صراحة بحقيقة امري؟ ـ الم تتساءلين امامهم بما يراودك من حيرة وعلامات استفهام؟ ـ بلى سألتهم عن مدى صحة ذلك الكلام، أو بالاحرى التفكير، لكن لم احصل منهم على اي جواب بصورة قاطعة. قالوا لي «ليس هناك اي امر محدد». شعرت انهم يحاولون ابعادي عن حقيقة القصة. ولكن بعد ان كثرت اسئلتي لهم، قرروا اخباري بالحقيقة. فقالوا انهم قطعوا عهداً مع إدارة الملجأ على ألا يفشوا سري، واخبروني ان امي لبنانية مسيحية من منطقة الجبل، وانها وقعت في حب شخص اردني، وقد وضعاني خارج عقد أي زواج شرعي بينهما. لكن والدتي لم تشأ ان تتركني «كيف كان» فوضعتني في ملجأ إلى ان جاءت العائلة الفرنسية وتبنتني. ـ ما الذي عاد ودفعك للبحث عن الحقيقة بعد سنوات طويلة: ـ «بالفعل كانت سنوات طويلة قد مضت لانه عندما أصبحت في الثالثة والثلاثين من عمري قبل ما يزيد على ثلاث سنوات مضت، كنت ماز لت اعتقد ان والداي الحقيقيين قد توفيا في حادث سيارة، وان هذه الوفاة كانت السبب في التبني. لطالما اعتقد بذلك نتيجة تأكيد اهلي بالتبني لي الأمر، مضيفين ان سبب ولادتي هو حب حصل بين امي وابي. وهو الحب الذي دفع بادارة الملجأ ان تتبناني اولاً، لان العادة لم تكن كذلك، حيث لا يتم ان يقبل ولد غير شرعي فيه، اي من علاقة خارج الزواج. وعرفت، ولا استطيع ان اقول كيف أيضاً، ان لدي شقيقاً طبيعياً من والداي الحقيقيين. وان والدتي من شمالي لبنان قرب منطقة الارز، وانها انجبتني في مستشفى في بعبدا إلى الشرق من بيروت بحضور راهبات «مون باستور» اعتقد ان عند احدى هذه الراهبات، على الاقل، الحقيقة الكاملة عني، وعن اهلي الاصليين. لكن من الصعب جداً انتزاع اية معلومات بهذا الشأن من أي منهن، اولاً لان الحقيقة امانة سرية، وثانياً لانني لا اعرف الراهبة «أو اكثر» التي تملكها فعلاً، هذا اذا ما كانت على قيد الحياة حتى الآن فعلاً. من هنا فان مهمتي صعبة جداً. لكنني ارفض القول بأنها مستحيلة. لهذا فانني سأبقى متفائلة بانني سأحصل على الحقيقة في لحظة ما. ارجو من كل قلبي ذلك. اشعر بشوق كبير لامي من دون ان اعرفها. كل ما تقوله لي إدارة الملجأ الآن انني كنت طفلة محبوبة عندما كنت فيه. ونقطة على السطر: كلام، ولا معلومات، والذريعة الوحيدة: لا نعرف شيئاً. ربما الذين يعرفون انتقلوا إلى العالم الآخر. لكن من هم؟ أيضاً لا احد يعرفهم، ولا انا طبعاً». معطيات جديدة ـ هل يمكن القول اذن انه لا شيء تغير فيك بعد ان عرفت انك ابنة عائلة فرنسية بالتبني، عما كنت عليه قبل ان يصارحك أفرادها بهذه الحقيقة؟ ـ العكس هو الصحيح لقد تغيرت أمور عديدة، وحتى أكثر مما يمكن تصوره، فقد شعرت بالراحة لانني اجبت على كل اسئلتي الغامضة. معرفتي للحقيقة منحتني الراحة والاطمئنان. وأصبحت ادرك لماذا كان كل شيء سيئاً في داخلي؟ ولماذا كانت تعتريني كل تلك الارباكات النفسية والفكرية يوماً بعد آخر. بعد ان عرفت الحقيقة، جئت إلى لبنان، وكان ذلك عام 1999. شعرت آنذاك بخوف كبير، خاصة لجهة التساؤل الدائم الذي ساورني وما يزال: هل سأعرف أمي؟ هل سأتعرف اليها؟ هل سأجدها؟ هل ستعانقني واعانقها؟ هل سأعرف حقيقة ما حصل بينها وبين والدي؟ ومن يكون هو؟ واين هو الآن؟ هل مازالا على قيد الحياة؟ كيف تعرفا الى بعضهما البعض؟ لماذا وضعاني في الملجأ دون ان يصطحبني احد منهما في رحلة حياته؟ هل انفصلا عن بعضهما البعض؟ بدت الأمور في البداية معقدة للغاية . ولم يلح اي امل، أو احتمال بامكانية التوصل إلى نتيجة ما. لكن في العام الماضي بدأت الامور تتغير بالنسبة إلى، ولو بشكل باكثر من بسيط. فقد تعرفت الى المكان الذي وضعني فيه أهلي وانا طفلة. وقلت في نفسي، انه متى اصبحت اعرفه، بات بامكاني معرفة المزيد، لقد تأثرت جداً عندما عرفت الحقيقة. وحزنت لاهلي الذين تبنوني في فرنسا، ومنحوني كل الحب والحنان، كانوا اكثر من اهل بالنسبة لي. لم يبخلوا علي بشيء. كل ما كنت اطلبه منهم يمنحوني اياه من قلوبهم. وحزني من اجلهم الان ينبع من انني ادركت مدى الشعور بالأسر الذي ظل ينتابهم وهم يتوقعون ان يأتي يوم اتركهم فيه بعدما اعرف الحقيقة. قصص مأساوية تشكل هذه القصة فضلاً من فصول مشابهة لقصة مأساوية يعاني منها أربعة الاف شاب لبناني على الاقل. ويسلط رئيس مجلس النواب نبيه بري اضواء على جوانب منها باحالته رسالة مؤخراً إلى اللجان النيابية لشئون الخارجية والمغتربين، المرأة والطفل، وحقوق الانسان، هي عبارة عن تقرير يتحدث عن تبني نحو أربعة الاف طفل لبناني موزعين على بعض العواصم الاوروبية وامريكا اللاتينية وآسيا، بينهم330 طفلاً في هولندا وحدها، ثم تبنيهم من قبل عائلات هولندية تفتقد الاطفال فيها، وذلك اعتباراً من العام 1976، اثناء أحداث الاقتتال الاهلي، وعبر اشخاص وجمعيات لبنانية خاصة في مناطق عديدة، ويعرض مشاكلهم وسعيهم للقاء اهلهم الحقيقيين من جهة، والحصول على جنسيتهم اللبنانية الام من جهة اخرى. ويتردد في هذا الاطار ان ثمة مافيات تجارية ومسلحة اقتضت فرصة تغييب الدولة خلال الحرب، وتاجرت بالأطفال، حيث كانت تبيع الطفل اللبناني لعائلة اجنبية بالف دولار أمريكي كحد أدنى. وظل هذا «السعر» مرهوناً بالظروف المالية للراغبين بالتبني. كما ان ثمة عائلات لبنانية قد باعت بنفسها اطفالاً منها، وكان اخرها بيع عائلة في الشمال لاحد ابنائها من الأطفال بالف دولار امريكي. لكن هذه المعطيات التجارية غير مؤكدة، وان كانت درجة صحتها عالية جداً، لكن الاكيد، والغريب في الوقت نفسه، هو ان الدولة لا تعطي الاهتمام المطلوب لملاحقة تلك المافيات، أو على الاقل كشف النقاب رسمياً عما اذا كانت موجودة. أم لا. وهناك جهات تتهم الدولة بأنها راضية على بيع الأطفال، وتغض الطرف القانوني عنه لأن دور الرعاية والحضانة باتت متخمة باعداد اللقطاء من اناث وذكور على حد سواء. لذلك بادر رئيس مجلس النواب إلى التحرك بهدف ايجاد التشريعات والاطر القانونية اللازمة لمواجهة نتائج تلك الظاهرة المتفاقمة. وتستند رسالته المحالة إلى اللجان على هذا الصعيد، إلى تقرير يتضمن شهادات حية تبرز ان هؤلاء الأطفال الذين جرى تبنيهم، بطريقة او بأخرى قد اصبحوا شباباً، وهم يتمسكون بالأمل في لقاء اهلهم الطبيعيين في لبنان وان بعض الذين لديهم حساسية مفرطة بينهم، باتوا يعانون من مشاكل نفسية. وحسب ما ورد في التقرير، فان ملفات تتضمن معلومات عن ولادة، واسماء اهل عدد من الأطفال قد اتلفت. ولم تحقق الدولة حتى الآن من اسباب هذا الاتلاف، وما اذا كان الأمر متعمداً لاخفاء معلومات معينة، لكن هناك معلومات عن بعض هؤلاء، خصوصاً لدى المستشفيات التي ولدوا فيها وتاريخ ولادتهم وبعض المعلومات الأخرى، وقد زار بعهضم لبنان بمبادرات فردية من اجل التقصي، ومعرفة ابائهم وامهاتهم الحقيقيين. كذلك بادر عدد منهم مؤخراً إلى تشكيل جمعية، تحمل اسم «لبنانيون متبنون» تسعى لمساعدته في ايجاد أهلهن، وفي موازة ذلك بدأ القطاع الأهلي يسعى إلى اقناع الحكومة منح هؤلاء الجنسية اللبنانية. هكذا يؤكد رئيس احدى ابرز الجمعيات الناشطة في ذلك القطاع الدكتور كامل مهنا الذي يقول موضحاً بعض ما كان يحصل على ذلك الصعيد. «الواقع انه خلال سنوات الحرب تمت زيجات غير قانونية، مما جعل الام مضطرة لان تتخلى عن طفلها خوفاً من الفضيحة في مجتمعنا الشرقي الذي يرفض فكرة «الام العزباء»، وبنتيجة هذه الظروف برزت شبكات تجارية يديرها اطباء، وخصوصاً طبيبات وقابلات قانونيات. وكانوا يتعاملون مع جهات خارجية في عملية بيع الأطفال. ولذلك لا يتمكن المتبنون في الخارج من التعرف على اهلهم الحقيقيين. اضافة إلى انه كانت هنالك جمعيات تنتحل صفة جمعية للأطفال، انما مضمونها كان مختلفاً تماماً. ويأمل د. مهنا ان تتمكن اللجان النيابية المختصة «حقوق الانسان، المرأة، والطفل» من متابعة المشكلة وايجاد المخارج والحلول اللازمة والسريعة لها: «ستجري اللجان اجتماعات مع الوزراء المعنيين، واتصالات مع الخارج، فالدولة اللبنانية قادرة على التواصل مع تلك الدول من خلال الاتفاقية العالمية لـ «حماية الأطفال والتعاون في اطار التبني العالمي» «ومركزها في لاهاي».