المسرح السياسي السوداني يشى بحركة حثيثة تتسم بحذر بالغ خلف الكواليس لكنها تنبيء عن تحفز عصبي لسباق محموم وشيك. تعدد المتحفزين يوحي كذلك بتقاطع التطلعات. من الواضح الجلي ان جواد الرهان الاساسي في العدو يتمثل في حركة قرنق ولذلك فهو محط انظار الجميع، من المشاركين في الاعداد الى الراكضين. مالم يجمع تجمع المعارضة قواه في غضون شهر واحد سيجد نفسه خارج المضمار حتماً. يبدو ان قيادات بعض الفصائل احست بالحركة خلف الكواليس فعمدت الى الاجتماع في غياب رئيس التجمع. هذه حالة نادرة لها دلالة عميقة. وهي احدى مؤشرات التحفز للسباق على المضمار السوداني. هناك مؤشر اكثر وضوحاً يتمثل في التحول المثير في العلاقات بين واشنطن والخرطوم. فبعد سنين عدداً من العداء الذي استحكم حتى بلغ مرحلة القصف العسكري بدأت ملامح الانسجام بين السودان وامريكا. ليس مستبعداً ان تتجه العلاقات عند بدء السباق لجهة التحالف. كذلك بدأت حالة الاحتراب بين النظام الحاكم في الخرطوم وحركة قرنق تغادر مستنقع الدم الى طاولات الحوار المثمرة. في السابق كانت المفاوضات بين الجانبين مواصلة للاقتتال بوسائل اخرى فلم تبلغ اتفاقاً. الطرفان استبدلا المنطق بالبنادق في جنيف فافرزا اتفاق جبال النوبة. هذا النجاح الثنائي لا يقدم فقط انموذجاً لامكانية بلوغ الحلول بالتفاوض وانما يؤشر الى كيفية تلاقي الطرفين على طريق حل القضية السودانية المزمنة. اتفاق جبال النوبة ليس غاية في حد ذاتها وفقاً لحسابات النظام والحركة وانما وسيلة مقاربة لمشكلة الجنوب. التدافع للمشاركة في قوة المراقبة المقترحة لضبط وقف النار يعكس هو الاخر التحفز متعدد الجنسيات للانخراط في السباق المحموم. الجنوب السوداني لم يعد غابة مهملة اذ فيه بحيرة نفط. صوت الكونفيدرالية اصبح يعلو فوق الحلول الاخرى غير ان مصدر الصوت هذه المرة ليس سودانياً. الحديث عن دولتين داخل دولة مصدره عواصم غير الخرطوم. الرئيس الكيني اراب موي اكثر الناطقين بالكونفيدرالية السودانية حماسة. الاطراف السودانية تلتزم حالياً الصمت. نداء الدولتين في دولة يتعمد هذه المرة كذلك غض الطرف عن حق تقرير المصير. القوى الاقليمية المعنية بالمسألة السودانية تغض هي الاخرى طرفها عن اهمال هذا المبدأ فلا تعلن الاستنكار أو التأييد. محاولة تمرد مبارك الفاضل المهدي على قيادة حزب الأمة لا تبدو مجرد طموح ذاتي فالقيادي البارز في حزب الأمة اعلن في حيثيات تمرده انه تمتع بعلاقات خارجية نافذة. ربما كان مبارك الفاضل يملك معلومات ـ اكثر من غيره في الحزب ـ عن حالة التحفز للسباق المحموم فحاول مجاراتها على طريقته. رغم مباهاة التجمع بأنه يمثل معظم أهل السودان باعتبار ان الجبهة الإسلامية القابضة على زمام السلطة تشكل شريحة ضيقة من السكان الا ان التجمع يبدو في هذا المنعطف بعيداً عن اجواء التحفز للسباق المحموم وغير قادر على مواكبة ايقاع الحركة خلف الكواليس. أزمة التجمع لا تكمن في ترهله فقط وانما في نوبات البيات السياسي التي تنتابه بين حدث واخر. التجمع فقد القدرة على المبادرة التي كانت تتسم بالجرأة والحدة إلى درجة التهور احياناً. مضى وقت غير قصير لم يفق التجمع من سباته السياسي. من المؤكد ان بعض القياديين في التجمع لديهم الحرص على البقاء داخل دائرة الفعل لكن استنهاض التجمع كقوة يحتاج في هذا المنطعف إلى ديناميكية خاصة. الجلبة خلف كواليس المسرح السوداني السياسي تنم عن ابعاد حادة وخطيرة. ربما يصعب تأطير نتائجها لكن يمكن القول ان الوحدة ليست اقرب ثمارها. هناك كولسة أخرى لطموحات البجا تجري حالياً. عمر العمر