حين امسك ديوجين بمصباحه في عز الظهيرة باحثاً عن الحقيقة ظنه الجميع خرب العقل وظنهم اغبياء فقدوا بصيرتهم. وما احوجنا الآن إلى ملايين المصابيح الديوجينية لمحاولة تلمس ابسط المفاهيم التي غامت وتكدست فوقها طبقات الهلام والاستسلام لمعاني العصر الحداثية التي فصلت حتى للكرامة اكثر من عنوان. حرب بكامل مفاعيلها في فلسطين، ارييل شارون يفعل ما يحلو لانيابه ويحشر عرفات في زاوية خانقة وجورج بوش يصرخ في الرئيس المحاصر: لقد سئمت منك ومن ارهابك!! والموقف العربي لم يسأم بعد من الانحياز الامريكي للإرهاب الإسرائيلي. لكن الموقف العربي نفسه ليس كتلة واحدة بلا فواصل واشكال متمايزة، وهنا بيت الموضوعية في تناول الحال العربي الراهن. هنالك «دول طوق» لم تعد قادرة على تطويق الاطماع الصهيونية وعلى عاتقها تقع مسئولية المواجهة. وهناك دول رديفة لهذا الطوق المفترض هي العراق والسعودية ومسئوليتهما تتشابه مع الدول المتاخمة لفلسطين لكن في دور اسنادي مباشر كما حدث في الحروب السابقة مع الدولة العبرية. وتبقى دول مجلس التعاون الاخرى التي يتركز دورها في الدعم المتنوع المالي والإعلامي والسياسي على الساحة الدولية وهو الدور الذي لم يشهد أي تقصير على مدى سنوات الصراع. وحين نتحدث عن خلل عربي يتوجب تحديد موضع هذا الخلل بعيداً عن التعميم العقيم. دول الطوق بعضها مكبل بمعاهدات سلام «مقدسة» مع إسرائيل والبعض الاخر ينتظر خلف الشعار المؤمل بوحدة العرب ونيل الحقوق بعدها. وهنا مكمن الخلل. الطوق تفكك حتى سياسياً لجهة التنسيق وعمت قناعة غريبة مفادها ان لا راد للارادة الأمريكية ولا مناص من استجداء الحقوق من عتبات البيت الأبيض. هل نجحت قوة عبر التاريخ في محو امة أو حتى شعب؟! الاجابة لا. اذن لماذا تلغي مطابخ القرار الرسمي العربي البعد الجماهيري من الصراع أو على الأقل التلويح الذكي بهذا الخيار؟! لدينا الكثير لنفعله غير الاستجداء: موقف موحد يحرم استباحة أي قطر عربي، سوق عربية مشتركة. اطلاق حرية الرأي العام وحركة الجماهير في التعبير عن نفسها. رد الصراع برمته إلى الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.. وكل ذلك على أساس ان السلام مصلحة أمريكية إسرائيلية أولاً وربما أخيرا. خالد أبو كريم