إذا كان الأمريكيون في بداية التسعينيات قد استخدموا مفهوم العمليات العسكرية غير الحرب طشددح لتبرير تدخلاتهم في البلقان وأية تدخلات أخرى تأخذ غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان أو حماية المدنيين، ثم طوروا هذا المفهوم في أواخرالتسعينيات إلى الحرب اللامتناظرة مّيْجٌٍّء ذات المنطلقات النظرية والاستراتيجية التي تميل إلى مفهوم الحرب الكلاسيكية، فإنهم في بداية القرن الحادي والعشرين ابتكروا مصطلحا جديدا : هو الحرب العالمية ضد الإرهاب بعد ال11 من سبتمبر. هذا المفهوم الجديد للحرب يبدو أن إسرائيل تسعى لتكييف إستراتيجيتها العسكرية والأمنية معه بهدف واحد: أن تتحول المقاومة الشعبية الوطنية ضد الاحتلال إلى عمل إرهابي تقوم به جماعات متطرفة ينبغي أن تتم إدانتها ومحاربتها من قبل الجميع. وعندما تحقق إسرائيل هذا، وتحول الصراع باتجاه مكافحة الإرهاب وليس الاعتداء على شعب يقاوم الاحتلال من أجل الاستقلال يصبح مقبولا لديها ـ من وجهة نظر المفهوم الجديد للحرب أن تتنصل كليا من هدف السلام. مهمة جديدة لإسرائيل بعد 11 سبتمبر. بالفعل إن تبدل المفهوم الأمريكي للحرب في العشرية الأخيرة يثير الكثير من القلق، ويبدو أن المذهب العسكري الإسرائيلي معجب به، ويحرض على استعماله ويسعى إلى تعميمه وتطبيقه باعتباره يخدم أغراضه التوسعية ويتطابق مع رفضهالإستراتيجي لتحقيق السلام مع الفلسطينيين والعرب وبقية المسلمين في العالم. فعندما كان المفهوم الأول MOOTW سائدا كان بإمكان الولايات المتحدة أو إسرائيل شن عمليات عسكرية من أجل تحقيق غايات محددة دون اعتبار ذلك حربا بمفهوم القانون الدولي، تحت غطاء الوقاية «الهجوم على المصنع السوداني» والمساعدة الإنسانية «كوسوفا» أو حماية المدنيين «الأكراد شمال العراق»، ودون الحاجة إلى الحديث عن نهاية سلمية لها باعتبارها ليست حربا إنما عمليات عسكرية تشنها الدول للوقاية ضد أخطار محدقة بها أو لمنع حدوثها ، أو لمساعدة سكان تزعم أنهم في حالة خطر. أي أن هذا النوع من العمليات العسكرية لم يكن في حاجة إلى أن يتبع بسلام كما هو الشأن في كافة الحروب بين الدول. وأثناء سيادة المفهوم الثاني شنت القوات الإسرائيلية والأمريكية أكثر من هجوم عسكري على العراق أو جنوب لبنان، ، أو الفلسطينيين، وكان بالإمكان رفع تظلمات إلى مجلس الأمن سواء من قبل العراق أو لبنان أو السلطة الفلسطينية باعتبار أن هذا الشكل من الحرب يمكن في بعض الحالات أن يتطور إلى البحث عن السلام. إلا ان ذلك لم يحدث ولم يترتب على ذلك أية إدانة دولية صريحة على هذا الشكل من العدوان ناهيك عن الحديث عن ضرورة أن تتبعه مرحلة تفاوض وسلم بين الأطراف. ومع ذلك فإن إمكانية الحديث عن ذلك كانت باقية.. ذرائع للتنصل من مسار السلام أما الآن فإن كل المؤشرات تدل على أن الإسرائيليين وجدوا ضالتهم في طبيعة المرحلة الجديدة. لقد كان الجيش الإسرائيلي منذ انطلاق الانتفاضة الثانية بعد تدنيس الحرم القدسي من قبل أريل شارون، في 28 سبتمبر 2000 يواجه مقاومة الشعب الفلسطيني ليس على أساس أنها نوعا من الحرب لمقاومة وجوده إنما على أساس أنها أعمال إرهابية. ولم تكن الظروف الدولية لتسمح آنذاك بقبول اعتبارها كذلك منقبل الدول الصناعية والأوروبيين بشكل خاص، حتى ما إذا جاءت فرصة الـ 11 من سبتمبر، وجدت القيادة الإسرائيلية ضالتها فيما أعلنت عنه الولايات المتحدة من بدئها الحرب ضد الإرهاب وأصبح هدفها الأول هو تحويل المقاومة الشعبية الفلسطينية بجميع الوسائل إلى شكل من أشكال الإرهاب والسعي لإقناع الرأي العام الغربي بالخصوص بذلك حتى يكون بالنسبة لها ذريعة للتراجع كلية عن مسار السلام الذي انطلق في أوسلو باعتبار أن الحرب ضد الإرهاب لها غاية عسكرية محددة لها وهدف سياسي تسعى لبلوغه أي لا يمكن أن تكون نهايتها التفاوض فالسلام ، إنماالتصفية النهائية للخصم من الوجود وإبادته تماما دون الحاجة إلى محاكمته أوتطبيق القانون الساري المفعول عليه.، وهو حلم إسرائيل في أن تقضي على كل منبقيت لديه القدرة على المقاومة أو رفض الاحتلال. مخطط للقضاء على السلطة الفلسطينية لقد ذكر شبطاي شافيت Shabtaï Shavit. رئيس الموساد إلى غاية 1996 لصحيفة يديعوت احرونوت وهو نادرا ما يدلي بتصريحات: ينبغي أن ننتهي من المهمة، تصفية حساب المدرجين في القائمة من المشبوهين، قبل أن يقول لنا الأمريكيون توقفوا،ينبغي استغلال الفرصة المتوفرة لضرب عرفات في مناطق الحكم الذاتي، وإلا فإنه سيظهر من تحت الرماد من جديد، ينبغي تحطيم كل منشآته والانتهاء من السلطة الفلسطينية وإرسال عرفات إلى مركز للراحة. وهو بالفعل ما شرعت إسرائيل في تنفيذه متبعة أربعة محاور أساسية: 1 ـ تحطيم البنية القاعدية الناشئة للدولة الفلسطينية المستقبلية عن طريق ضرب أهداف رموز منتقاة، المطار، الإذاعة، مقر قيادة القوة 17... وفي ذات الوقت اغتيال رموز قيادية وسياسية «أبو علي مصطفى زعيم الجبهة الشعبية، اغتيال الابنبلال الغول بدل الأب، ضرب القوة 17»، فضلا عن اغتيال نشطاء الحركة الإسلامية والتحريض على اعتقالهم بدعوة أنهم من الارهابيين، و السعي لتشويه المؤسسة الأمنية للسلطة ـ باعتبارها العمود الفقري للدولة المقبلة ـ عن طريق انتحال شخصية الشرطة الفلسطينية والقيام باعتقالات وتصفيات في صفوف المواطنين الفلسطينيين. واتهام القيادات الأمنية الفلسطينية بالتغطية على المقاومين الفلسطينيين الذين تصفهم بالإرهابيين. 2 ـ استبدال السلاح الحي الذي كان موجها ضد أطفال الحجارة بالهيلوكبتر وقذائف الروكات والمدفعية والمدرعات والدبابات لمواجهة الجماهير الفلسطينية العزلاء من السلاح، فيما يشبه مواجهة الاحتلال الفرنسي للجماهير الجزائرية في سنة 1945عندما وجهت نفس الأسلحة الثقيلة ضد المواطنين العزل سقط على إثرها ف45 ألف شهيد في يوم واحد. والهدف من ذلك هو إدخال مزيد من الرعب في الأوساط الشعبية لمنعها من احتضان المقاومة ومدها بمزيد من الرجال والدعم بجميع أشكاله. 3 ـ تقسيم الضفة الغربية إلى 64 منطقة وغزة إلى 6 مناطق ومنع الاتصال بينها عن طريق قطع الطرق بحفر الخنادق بها و تكثيف نقاط المراقبة، للقضاء على الطابع الموحد للانتفاضة وتفكيك القاعدة الإقليمية والسكانية للسلطة الفلسطينية حتى يسهل إبعادها من الصراع وتنتفي صفة الشعب على الفلسطينيين بعد أن يعزلوا في غيتوات عن بعضهم البعض ويصبح بالإمكان ممارسة ما سماه الكاتب الفرنسي ماسبورو فرنسوا بـ «الأبارتيد الجديد» عليهم في مقال نشره بـ «لوموند» الفرنسية على إثر زيارة ميدانية قام بها في الأسابيع الماضي للأراضي المحتلة». أو في أحسن الأحوال إنشاء دولة غيتو للفلسطينيين على حد تعبير أندريه بريجو. 4 ـ وأخيرا عزل القائد الفلسطيني الشرعي والوحيد أبو عمار عن الجماهيرالفلسطينية ـ عن طريق فرض الإقامة عليه في بيت لحم ـ وعن العالم ـ عن طريق منعه من السفر تمهيدا لنزع صفة القيادة عنه وللقضاء من خلاله على الرمز الأول لوجود السلطة الفلسطينية. بعد السلطة: تدمير كلي للمقاومة وهي أساليب تؤكد جميعها أن الهدف الأول لإسرائيل الآن أصبح جليا ، تحطيم كل مايرمز إلى السلطة الفلسطينية الشرعية ومنظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين من أجل ألا يبقى أمامها على حد زعمها سوى الإرهابيين، وهي فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة وبالدرجة الأولى حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس وكتائب عزالدين القسام ومختلف التنظيمات الفلسطينية أو الأفراد الذي اختاروا العمل المسلح كوسيلة أخيرة لمقاومة الاحتلال. وإذا ما استطاعت إسرائيل تحقيق هذا الهدف أي تحطيم السلطة الفلسطينية أوتحييدها في عملية الصراع فإنها ستجعل من مهمة جيشها ليس استعادة الهدوء أو السلام إنما القضاء على ما تسميه بالجماعات الإرهابية الفلسطينية التي لا يمكن أن يكون معها تفاوض أو سلام إنما التدمير الكلي أو الاستسلام الكلي. وهذا المنطق تباركه واشنطن باعتباره منسجما مع فلسفتها الإستراتيجية الجديدة وعلى مفهومها الجديد للحرب وعلى التسلح في العالم. دور وسخ في المستقبل إن الاتفاق مع إسرائيل على 10 سنوات من التعاون العسكري بقيمة تزيد عن 30 مليار دولار، فضلا عن الدعم السنوي الاقتصادي والعسكري، و اختيارها إلى جانب اليابان وبريطانيا دون غيرها من الدول لصناعة بطاريات آرو Arrow المضادة للصواريخ البديلة لبطاريات باتريوت، وتوقع تمكينها من هنا إلى سنة 2007 من 50 طائرة أف22 F22، وإمضاء شركة بوينغ معها اتفاقا بـ 8.2 مليار دولار لتمكينها من أنظمة توجيه خاصة بصواريخ طائراتها الـ أف16، والاتفاق مع شركة لوكهيد لصناعة صاروخ بيتون 4 Python4... حتى لا نذكر إلا هذه، كلها تدل على أن إسرائيل لا تعد نفسها في المستقبل إلى لعب دور نظيف مع الفلسطينيين أو العرب أوغيرهم، باسم السلام، إنما تعد نفسها، وتساهم في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، للاستمرار في المهمة العسكرية التي أنشئت من أجلها في سنة 1948، وهذه المهمة العسكرية لا يمكن أن تنفذ على أحسن وجه إلا أثناء الحرب. ومنه جاءت الفلسفة العسكرية الأمريكية بشأن الحروب:فعندما بدأ العالم كله يتجه نحو السلام، ابتكر الأمريكيون مفهوم الحرب ضد الإرهاب، وعندما بدأ الفلسطينيون وكل الأمة العربية والإسلامية وكل العالم يتطلع بشغف إلى سلام موعود في أرض السلام: انتخب الإسرائيليون أحد أعداء الحرية والسلام لكسره. إن دولة مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة تستمد عظمتها فقط من القوة العسكرية لا يمكنها أن تقبل بسلام حقيقي ينفي عنها مبرر امتلاك هذه القوة، و شركات مثل لوكهيد الأمريكية أو رفائيل الإسرائيلية، يسعدها كثيرا أن تندلع حربا واسعة في المنطقة، أكثر مما يسعدها الإعلان عن اتفاقية سلام. لذلك،فإنه إذا كان علينا أن ننتظر شيئا من الإسرائيليين ، هو عملهم باستمرارلتوفير اندلاع حرب في المنطقة، ويسعدهم أن تكون حربا ضد الإرهاب،ويكونون أكثرسعادة عندما يتحول كل الفلسطينيين في نظرهم إلى إرهابيين،فيقومون بمهمتهم القذرة على أحسن وجه. بقلم: د. سليم قلالة ـ أستاذ الفكر السياسي والدراسات المستقبلية جامعة الجزائر salimkelala@hotmail.com