هناك مدرستان سياسيتان في اسرائيل وفي كل مدرسة يمين ويسار إلا أن اهداف المدرستين في النهاية تصب في الهدف الاساسي وهو اسرائيل الكبرى، رغم اختلاف القراءة في هاتين المدرستين فالاولى ترى في أن معنى اسرائيل الكبرى هو معنى جغرافي على الارض ويشير إلى هذا المضمون ما يوجد في العلم الاسرائيلي (أرضك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل)، حيث أن الخط الازرق الاول يمثل الفرات والثاني يمثل النيل اما نجمة اسرائيل فهي تدل على الارض التي ما بين الفرات والنيل والجملة ذاتها مكتوبة على الكنسيت الاسرائيلي وما زالت حتى بعد معاهدات السلام بين اسرائيل وكل من مصر والأردن. ويتضح ايضا هذا الشعار على إحدى العملات الاسرائيلية الصغيرة وهي العشر «اغورات» التي رسمت عليها خريطة العراق ومصر والجزيرة العربية وما بينهما، حيث كتب عليها أرض اسرائيل. اما المدرسة الثانية والتي يمثلها بعض المعتدلين في اسرائيل امثال بيلين وساريد، اللذان يقولان ان دولة اسرائيل الكبرى تعني العظمة ولا تعني الجغرافيا فإسرائيل الكبرى هي المسيطرة أمنيا واقتصاديا وعلميا والمقبولة من جيرانها والمستقرة سياسيا. إلا أن ما يميز اليمين واليسار والمعتدلين والمتطرفين هي الشدة فبالرخاء كل اليهود متطرفون وكلهم يسعون إلى تحقيق حلم المدرسة الاولى التي ترى ضرورة الاستيلاء على الارض ما بين الفرات والنيل اما في ساعة الشدة فحينها يتم فرز المدرستين حيث يصبح المعتدلين يبحثون عن الامن والامان والاستقرار، من منطلق أن عدم الاستقرار يحطم ذلك الكيان ويوقف الهجرة إليه، بل انه يدفع إلى الهجرة العكسية ويدمر الاقتصاد ويشيع الرعب، ويصبح هدف المعتدلين هو علاج الامراض حتى لا تدخل الدولة في مرض عضال يهدد حياتها. على أن المتشددين يرون وعلى الدوام أن معالجة الامراض التي تصيب الكيان حسب تعبيرهم من خلال استئصال المرض، بمعنى أن الارهاب الذي تعاني منه الدولة حسب زعمهم لا يعالج بحبات الاسبرين كما يقولون وانما بالاستئصال الكامل «للإرهاب والارهابيين ومن يقف معهم أو خلفهم». ومن هنا يصرون على استئصال الحركات الاسلامية والوطنية ومن يمدها بالدعم ايا كان شكله، وهم لا يدركون ابدا أن علاج المسببات للإرهاب كما يزعمون هو رفع اجواء القهر التي يخلقونها من خلال تلك المعالجة ورفع الظلم واشد انواع الظلم والارهاب هو الاحتلال فرفع الاحتلال هو العلاج الوحيد لما تسميه اسرائيل بالارهاب فلا يمكن لامة حية أو شعب حي أن يقبل الاحتلال أو لا يقاومه ويرد ظلمه وطغيانه. إلا أن سياسيي اسرائيل منذ تاريخ وجودها، كلهم بدون استثناء، لا يؤمنون بفكرة قيام كيان فلسطيني مستقل إلى جانب دولة اسرائيل، بل انهم يعتقدون أن هذا الكيان سيكون بداية لنهاية دولتهم. ومن هنا نعرف تماما أن دخول الساسة الاسرائيليين احيانا في معترك المفاوضات بينهم وبين العرب أو الفلسطينيين والتي يطرح فيها قيام ذلك الكيان فان اسرائيل تنطلق بالتعامل مع هذا الموضوع أن اضطرت من منطلق تكتيكي ومن منطلق مناورة سياسية حسب. وحينما تصبح الامور مندفعة باتجاه تحقيق ذلك الهدف فان القادة الاسرائيليين يضعون العصا في العجلات حتى لا تسير العربة. ولهذا يجب أن نعود إلى بداية اوسلو لنلخص ما حدث من ذلك اليوم ولنعرف هل بالفعل كان رابين يريد قيام كيان فلسطيني بجانب دولة اسرائيل أو هل أن بيريز كان يسعى إلى ذلك الهدف ام أن هناك حقائق اخرى كانت اسرائيل تخفيها غير ذلك الهدف المعلن وهو الدولة الفلسطينية. وما كانت اوسلو لتكون إلا تحت نظرية اسرائيلية واحدة وهي تفعيل الصراع السياسي من اجل استهلاكه ودفعه إلى التآكل. الهدف الاسرائيلي الحقيقي بعد مؤتمر مدريد والضغط الذي مارسته أمريكا وأوروبا على اسرائيل لدفعها للتوصل إلى اتفاق يرضي الفلسطينيين والعرب وذلك من اجل مصلحة استقرار وتنمية اسرائيل المستقبلية حيث لجأ رابين وبيريز إلى فكرة شيطانية تتضمن القول انهم ليس عليهم الخوف من منظمة التحرير الفلسطينية أو التعامل معها، فانها أن عادت إلى داخل فلسطين وسط اجواء غير طبيعية تنفيذا لمخطط لافشالها فانها سوف تحقق لنا ما عجز الاسرائيليون عن تحقيقه، وما تعنيه هذه الرؤيا قيام الحرب الاهلية بين الفلسطينيين بسبب التباين الفكري والسياسي ما بين منظمة التحرير ومعارضيها فلجأت اسرائيل إلى بيع السلاح إلى المعارضة بما فيها المتفجرات وبأسعار رخيصة وبطرق غير مباشرة أي بواسطة سماسرة لان هذا التصرف يهدف إلى توفير الاسلحة للحرب الاهلية بين الفلسطينيين القادمة لا محالة. إلا أن عقلانية المعارضة ونظافتها وعقلانية القيادة الفلسطينية واخلاص قائدها منعت هذه الحرب أن تقع رغم الطرفين الفلسطينيين كانا يضغطان على بعضهما البعض في مراحل متعددة إلا أن السلاح بقي موجها نحو اسرائيل اما المتفجرات فقد قام بتفجيرها استشهاديون فلسطينيون، في القدس وتل ابيب، ولم تنفجر في مراكز السلطة الفلسطينية، وهذا ما افزع الاسرائيليين ودفعهم إلى التسارع من اجل التآمر على اوسلو فبدأوا يقضمون الارض بسرعة مذهلة ويبنون المستعمرات في كل الاماكن المنوي الانسحاب منها حتى لا يبقى ارض للسلطة للتفاوض عليها، ثم اعاقوا انسحابهم من المدن إلا بعد أن تم الضغط الأمريكي والاوروبي للانسحاب من كل مدينة وبدأنا نسمع في اماكن المفاوضات من واشنطن إلى القاهرة إلى واي بلانتيشن إلى طابا إلى كامب ديفيد من اجل انسحاب متفق عليه مسبقا من كل المدن الفلسطينية، رغم أن كل تلك الاماكن كان منصوص على الانسحاب منها في يوم واحد دون مزيد من المفاوضات، لانه سبق وان تم التفاوض عليها وسميت في اتفاق اوسلو مناطق (أ) أي كل مدن الضفة، و(ب) القرى التي تتبع المدن (ج) الاراضي التي تصل القرى والمدن بعضها ببعض والتي يوجد على اكثرها مستعمرات. ومضت المرحلة النهائية ولم تنفذ اسرائيل سوى المرحلة (أ) علما انه وبحسب الاتفاقيات فان بعد مرور المرحلة النهائية أي بعد مرور خمس سنوات تكون السلطة قد تسلمت كامل الضفة الغربية وغزة، وحسب قرارات الامم المتحدة تتحول المفاوضات إلى الانسحاب حتى الرابع من يونيو وتطبيق النصوص الدولية بخصوص اللاجئين والقدس. وبدلا من ذلك فان الساسة الاسرائيليين بدأوا يتنكرون من كل الاتفاقيات ويضيقون الخناق على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ويحاصرونهم اقتصاديا وامنيا ويهينون السلطة عند شعبها صباح مساء ويطلبون منها الطلبات المهينة والمذلة، وحينما يذهب زعيم اسرائيلي يتفاءل الفلسطينيون بالزعيم الذي يأتي خلفه فحينما ذهب رابين تفاءلوا ببيريز وحينما ذهب نتانياهو تفاءلوا بباراك الذي كان يتساوى بالسوء مع نتانياهو ولكنهم حتما لم ولن يتفاءلوا بشارون اللهم إلا من باب واحد ان ظاهره وباطنه واحد عدا انه احمق في السياسة، لولا أن احداث 11 سبتمبر حولت حمقه إلى ذكاء مؤقت. 11 سبتمبر شارون اعتقد أن هذه الاحداث قد اعطته الضوء الاخضر الأمريكي بشكل مجرد ليفعل ما يريد وهذا صحيح اذا جردنا القضية الفلسطينية من عمقها العربي والاسلامي وبعدها التاريخي وان أمريكا لن تعطيه استقرارا ولن تخلق له سلاما ولن تثبت له مواطنيه لكي لا يهربوا من ذلك الجحيم الذي تشكل بسوء اعمال شارون وقادة اسرائيل الذين سبقوه فالتقارير الواردة من دولة اسرائيل تشير إلى أن اليهود يعيشون في رعب اسطوري لم يمر في التاريخ فالضوء الاخضر الأمريكي لن يعطي شارون ولا اليهود سلاما بل هذا الضوء يشجع شارون على الاغترار بنفسه فيتسبب بكارثة على دولة اسرائيل وتفجير المنطقة بأسرها. فما فائدة الكنز الذي يسرقه قراصنة بسفينة مخروقة إن كانوا سيواجهون الغرق حتما، وما فائدة الضوء الاخضر الأمريكي إن كان سيزيد الاحتقان والانفجار في المنطقة فالولايات المتحدة الأمريكية جنت على شارون وعلى دولة اسرائيل من خلال هذا الضوء الاخضر فما كان لعاقل أن يعطي أحمقا حرية التصرف لمصير دولة. ومما يزيد شارون استهتارا هو ضعف الموقف العربي الذي اصبح عاجزا ومشلولا بشكل يثير الاشمئزاز، حيث وصلت الامور أن ينصاع زعماء الدول العربية والاسلامية إلا قليلا منهم لاوامر أمريكا بعدم الاتصال بعرفات أو الرد على هواتفه وقد برز هذا الموقف المستهجن واضحا للعيان عندما رفض وزراء خارجية الدول العربية والاسلامية حضور لجنة القدس في الرباط ولاول مرة. ومن هنا فإني اعتقد أن الامريكان سيهيمنون على مؤتمر القمة العربية كما هيمنوا في السابق ولكن هذه المرة فإن أمريكا تقصد اذلال الدول العربية بحيث انها لن تسمح لها بالتمسح الاعلامي بقضية فلسطين كما كان الامر في القمم السابقة وارى أن هذا المؤتمر الذي من المرجح أن يغيب عنه عرفات لاول مرة منذ العام 1970 م وهو الذي حرص على حضور هذه المؤتمرات منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم سوف يكون هذا المؤتمر اضعف مؤتمر عقد منذ 30 عاما. وهكذا ادركت القيادة الفلسطينية أن قوتها تكمن بالتصاق الجماهير بها وبالتحام الفصائل معها في ظل غياب المعطيات الدولية والعربية والاقليمية لصالح القضية الفلسطينية لانها تعلم تماما ان امريكا واسرائيل تريدان منها أن تكون مثل ذكر النحل وظيفته التلقيح ثم الموت. فشارون والقيادة الاسرائيلية يريدون من القيادة الفلسطينية شطب القضية الفلسطينية وتفكيك الحركات الوطنية والاسلامية ثم يقدم شارون على قتل عرفات باسم واحدة من تلك الحركات كضحية للحرب الاهلية، ليتنصل من دمه. إلا أن أبو عمار فوت الفرصة على شارون واندفع باتجاه الالتحام مع شعبه بكافة اتجاهاته وفصائله وهذا الامر الذي سيخلق حتما معطيات اخرى على الارض غير التي تريدها أمريكا واسرائيل فلم يعد الانتظار طويلا لنسمع قادة اسرائيل يستجدون من عرفات أن يعود إلى طاولة المفاوضات دون وضع شروط مسبقة ودون الطلب الابدي بضرورة قمع الارهاب لان قمع المقاومة الفلسطينية الشرعية له شرط استباقي هو وقف ارهاب الدولة في اسرائيل ورفع الاحتلال عن الشعب الفلسطيني لان الاحتلال هو الارهاب بعينه. إن اسرائيل وأمريكا واهمتان إن كانتا تعتقدان أن سلب الحقوق من الشعوب، والاضطهاد والغطرسة يؤديان إلى الاستقرار والسلام في المنطقة والعالم فالعنف لا يجلب إلا العنف والدم لا يجلب إلا الدم والاحتلال لا يجلب إلا المقاومة ومعالجة الامور بالخديعة والتآمر والغش والمخططات التآمرية لا يؤدي إلا إلى الدمار والانفجار. واذا اعتقدت كل من اسرائيل وأمريكا انهما إن جلبوا إلى الشعب الفلسطيني قيادة عميلة لهم فان هذه القيادة ابعد ما تكون أن تجلب لاسرائيل وامريكا السلام والاستقرار. إلا يكفي اسرائيل تجربة انطوان لحد فهل كان بديلا عن لبنان وجيش وشعب لبنان ام كان مجرد تابعا للمؤسسات الأمنية والعسكرية الاسرائيلية. وبعد أن تخسر اسرائيل الكثير الكثير وبعد أن يخسر الشعب الفلسطيني الكثير أيضا فان العالم ومعه اسرائيل سيعودون إلى حقيقة أن المقاومة الفلسطينية المرفوضة اسرائيلية والتي يرون فيها ارهابا لا تزول إلا بزوال مسبباتها. بقلم: مأمون اسعد التميمي ـ مقرر لجنة تقصي الحقائق في المجلس الوطني الفلسطيني