عادت القضية الفلسطينية الى واجهة الاحداث مع تصاعد العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني ومؤسسات السلطة ومحاصرة الرئيس عرفات في رام الله في محاولة يائسة لتصفية القضية وبث روح الاستسلام في اوساط الفلسطينيين وتغيير المعادلات على ارض الواقع، بيد ان خطط الارهابي شارون الفاشية بدأت ترتد الى الداخل الاسرائيلي في عمليات استشهادية قوضت الامن الاسرائيلي وخلقت حالة من الهلع والذعر في الاوساط الرسمية والشعبية ونسفت نظرية شارون ووعوده بتحقيق الأمن للاسرائيليين. واذا كانت السلطة الفلسطينية لا تزال رسميا ملتزمة بقرار وقف اطلاق النار رغم كل الممارسات الهمجية لاسرائيل ضد الفلسطينيين على مرأى ومسمع من العالم، فان الشعب الفلسطيني وفصائله الوطنية قد ضاقت ذرعا بالوضع الجاري والظلم الحاصل ضد الفلسطينيين لذا عادت العمليات الاستشهادية من جديد تهز اسرائيل وتوقع الضحايا وتخترق الجهاز الامني والاستخباري للحكومة الصهيونية لتؤكد مجددا ان العنف لا يولد الا العنف وان الفلسطينيين شعب حي يناضل لتحرير ارضه المغتصبة ويدافع عن حقوقه ويقدم قوافل من الشهداء للدفاع عن القدس، ولن ترهبه الآلة العسكرية الاسرائيلية مهما بلغت امكانياتها وحجمها ومستواها. وفي الجانب الآخر تبدو الادارة الامريكية وقد انحازت تماما لاسرائيل وغادرت وظيفة ما كان يسمى «بالراعي الرئيسي للسلام» لتندفع اليوم مؤيدة ومباركة للارهاب الشاروني، وتقدم له المبررات، الامر الذي يفضح اطروحات واشنطن في محاربة الارهاب ويؤكد بصورة جلية سياسة المعايير المزدوجة في القاموس الامريكي. ان السياسة الخارجية الامريكية حيال الشرق الاوسط والصراع العربي الاسرائيلي تبدو متخبطة وغير مدركة لطبيعة الدور المناط بأمريكا كدولة عظمى تقود النظام العالمي الجديد، ويتطلع المجتمع الدولي الى دور قائد لها ومتعقل يسعى لدعم الامن والاستقرار الدولي وليس الى دعم وتبني ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل، وهو الامر الذي دفع بعض دول الاتحاد الاوروبي الى توجيه انتقادات صريحة للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط واتهامها بالحمقاء والخطيرة التي ستقود الى الانفجار الشامل للاوضاع في المنطقة. لقد اوضح الاتحاد الاوروبي ان السلطة الوطنية الفلسطينية شريك اساسي ورئيسي في عملية السلام وان عرفات هو الرئيس المنتخب للشعب الفلسطيني منتقدا العدوان الاسرائيلي على اراضي السلطة وتدمير مقارها ومؤسساتها، وحرص على تنبيه واشنطن بخطورة موقفها وانجرارها خلف سياسة تل أبيب. بيد ان التساؤل الذي يطرح نفسه بالحاح هو هل يمكن للاتحاد الاوروبي ان يلعب دورا فاعلا في المنطقة موازيا للدور الامريكي ام ان القضية لا تتجاوز قاعة المؤتمرات وحراك الدبلوماسية البطيء وغير المجدي على ارض الواقع. وفي المشهد العربي عبرت معظم الدول العربية عن استيائها من الانحياز الامريكي لاسرائيل ودعمها لنهج شارون الارهابي، في وقت ترفع فيه واشنطن شعار الحرب ضد الارهاب وتمارس فيه سياسة العصا من دون جزرة، لذا فان الانظمة العربية مدعوة الى مراجعة العلاقات مع الولايات المتحدة في ضوء المعطيات الراهنة والتطورات في الشرق الاوسط ومعادلات الصراع العربي الاسرائيلي، ولا شك ان العرب يملكون الكثير من الاوراق التي يمكن ان يفاوضوا بها واشنطن ويهددوا بها مصالحها في المنطقة العربية طالما بقي ولاؤها لتل أبيب. وسط المخاض الذي تعيشه الاراضي المحتلة يبدو ان مؤشرات التصعيد هي الواردة مما يصعب معه التكهن بمجريات الاحداث والتطورات السياسية المصاحبة لها، في ضوء الوقائع الدراماتيكية التي تعيشها المنطقة.