الملف السياسي ـ مؤشرات تحول الانتفاضة إلى ثورة شاملة، نحو استراتيجية عربية تضع المصالح الأمريكية في كفة الميزان

يمر النضال الفلسطيني من أجل انهاء الاحتلال الاسرائيلي وإعلان دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة عاصمتها القدس ـ الحد الأدنى الذي لا تستطيع أية قيادة فلسطينية ان تتجاوزه في مسلسل التنازلات العربية خلال نصف القرن الماضي ـ يمر هذا النضال بمرحلة شديدة الحساسية وشديدة الخطر فيما يمكن ان تؤدي اليه من عواقب وتداعيات، وتتعقد الاطارات المحيطة بهذا النضال البطولي الخارق لكل التوقعات والحسابات الاسرائيلية والامريكية، والذي يبذل الفلسطينيون فيه دماء شبابهم دون تردد حتى يظل هذا النضال حياً، وتتصاعد الأعمال الارهابية التي تمارسها حكومة الاحتلال الاسرائيلي في وضح النهار وأمام أعين العالم دون حاجة الى تبرير أو اعتذار، وكأن شارون قد وجد الفرصة أمامه ليظل وفيا لتاريخه وليمارس أقصى درجات العنف ويهاجم شعبا أعزل بالدبابات والصواريخ وقاذفات القنابل، ويطلق العنان لآلته العسكرية الرهيبة، في محاولة يائسة ليحقق الحلم الذي وعد به، والذي حمله من ظلمات النسيان السياسي الى مقعد رئيس الوزراء، حلم الأمن للمواطن الاسرائيلي، وتقليم أظافر السلطة الفلسطينية لتصبح أداة مطيعة تقبل ما يعرض عليها وتشارك في حماية أمن اسرائيل وسلامتها. في الإطار الفلسطيني الاسرائيلي تتصاعد الأعمال الفدائية كما وكيفا، ثلاثة أعمال فدائية في اسبوع واحد في القدس وتل أبيب، كلها من نوع لم تحسب له اسرائيل حساب، عمليات استشهادية تسميها الآلة الإعلامية الغربية عمليات انتحارية، وبغض النظر عن التسمية لم تعد تلك العمليات من قبيل الاستثناء الذي يطل برأسه بين الحين والآخر، بل أصبحت الطابع الغالب لنشاط المقاومة، والرسالة التي تحملها تلك العمليات هي أن الظلم الذي عاناه ويعانيه الشعب الفلسطيني جعل الفلسطينيين يستهينون بالحياة ذاتها، ولا يبخلون بأي تضحية في سبيل مستقبل لم يعيشوه، لم يعد هناك ما يمكن ان يقمع الفلسطينيين أو يخيفهم، العقوبة القصوى، الموت نفسه، يرحبون به من أجل الخلاص. في الجانب الاسرائيلي يجد شارون نفسه وقد أسقط في يده، وبماذا تخيف شعبا يرحب بالموت ويقبل عليه في سبيل حريته، ولا أحسب ان أبطال تلك العمليات الاستشهادية يضعون في حساباتهم كم سيقتلون معهم من الاسرائيليين، وإن كانوا سيصيبون اسرائيليين أصلا أو لا، وفي الكثير من تلك العمليات لم يسقط ضحايا اسرائيليون على الاطلاق، كان همهم الأول ان يسمع العالم وان يرى ـ إن كان على استعداد للتخلص من انحياز أعمى والخروج من سيطرة الهيمنة الامريكية ومن ربقة آليات التشويه الإعلامي ـ أن يسمع وان يرى الى أي مدى أدى الظلم الاسرائيلي بشعب مغلوب على أمره. والعمليات المتوالية في الأيام القليلة الماضية إنذار مدو، ستضيف واشنطن الى أخطائها وتخبطاتها في الماضي خطأ كبيرا ـ وستفعل ذلك للأسف في الأغلب ـ إن لم تقرأ فيه بوادر تحول الانتفاضة إلى ثورة شاملة ودامية. الجانب الاسرائيلي في هذا الاطار ـ ومن مصادفات التاريخ التعسة أن يكون تحت إمرة شارون، المنتظر ان يستدعى للمثول أمام محكمة بلجيكية لمحاسبته على جرائم حرب في مذبحة صبرا وشاتيلا. الجانب الاسرائيلي يصعد من القمع وقد زال قناع أوسلو عن وجه النوايا الحقيقية لاسرائيل، بعد قرابة عشر سنوات من تلك المناورة التي سماها الاسرائيليون والامريكيون، وحذا العالم حذوهم بما في ذلك العرب أنفسهم بعملية السلام، ولم تزد عن مسيرة داخل متاهات ضاع دليل الخروج منها، ومن النتائج التي تستوقف النظر للانهيار التام لتلك العملية التي كانت موضع شكوك وريبة عربية منذ البداية، من تلك النتائج ما ينبه اليه بعض الاكاديميين الاسرائيليين، انهيار عملية أوسلو يعني انهيار أمل اسرائيل في ان يستتب لها السلام وأن تصبح جزءا مقبولا من المجتمع المحيط بها، والنتيجة التي تنتهي اليها دراسة مستفيضة ليوسي شين، الرئيس السابق لقسم العلوم السياسية في جامعة تل أبيب، وشاركه فيها باحث اسرائيلي آخر من الجامعة نفسها هو باري بريبستمان، ونشرتها مجلة الشئون الدولية التي يصدرها المعهد الملكي للعلاقات الدولية في لندن في يناير الحالي، وهي ان الانتفاضة الثانية والتي تسميها الدراسة «جولة جديدة من أعمال العنف» وضعت النهاية ـ في الوقت الحاضر على أقل تقدير ـ لآمال الاسرائيليين في السلام، وفي حدوث تحولات جوهرية في علاقاتهم مع العالم العربي والعالم الاسلامي، وهذه التطورات ـ الانتفاضة وانهيار أوسلو ـ قضت على آمال الاسرائيليين، وآمال اليهودية العالمية، في الخروج من الاحساس بالعزلة الدولية والانشغال الدائم بقضايا الأمن، وفي الحقيقة بقضية البقاء ذاته. كان الاسرائيليون وفقا لما تقوله هذه الدراسة، وكان معهم يهود العالم، يعتقدون ان السلام في الشرق الأوسط أصبح وشيكا (سلام بشروط اسرائيل بالطبع)، وان هذا السلام سيحدث تغييرا جوهريا في طبيعة اسرائيل كدولة يهودية وفي العلاقات بين الدولة اليهودية ويهود العالم الغربي، وسيمكن اسرائيل من التوصل الى مستوى من التطبيع سيخفف اعتماد اسرائيل على يهود العالم، ويرفع عن كاهل يهود العالم عبء مسئوليتهم عن أمن اسرائيل، عبء سيطر على حياتهم طوال أكثر من جيل كامل، في الولايات المتحدة سيخفف مما يسمى «قصة الحب بين يهود امريكا واسرائيل»، وفي أوروبا سيؤدي الى مزيد من التراجع في معاداة السامية، ومزيد من الاندماج اليهودي في المجتمعات الاوروبية التي تعيش فيها في الوقت الحاضر أقليات اسلامية كبيرة. كانت عملية أوسلو في تقدير الأكاديمي الاسرائيلي فترة التقاط أنفاس، سمح اليهود لأنفسهم فيها بتحويل انتباههم من قضايا الأمن الى التفكير في طبيعة اسرائيل ودورها بعد انتهائها من حربها مع العرب، وتركيز تفكيرهم في قضية إدماج الوجود اليهودي في الشرق الأوسط، والتخطيط لدور اسرائيل فيها سمي حينذاك «مرحلة ما بعد الصهيونية». عملية السلام إذا كانت مرحلة نحو تحول اسرائيل من دولة تدافع عن وجودها الى دولة انتهت من قضية الأمن وبدأت تفكر في دورها فيما بعد الأمن. والنتيجة التي يمكن ان نخرج بها من هذا التقييم الأكاديمي الاسرائيلي لعملية أوسلو وفشلها هي ان أوسلو كانت جسر العبور لانطلاق اسرائيل نحو ما بعد تأمين الوجود، ولكن اسرائيل لم تنجح في الخروج من دائرة هواجس الأمن لأنها أرادت سلاما اسرائيليا، رد عليه الفلسطينيون بالانتفاضة، وأفرزت الانتفاضة توجه الاسرائيليين الى شارون ليضرب بيد من حديد، الا ان اليد الحديدية أدت الى عمليات الاستشهاد ما تسميه الدراسة التي أشرت اليها «حرب استنزاف»، وأصبح الاسرائيليون أكثر بعداً عن الأمن الذي حلم به شارون، وأصبحت قضية الدفاع عن البقاء هي الهاجس الأول للمجتمع الاسرائيلي. وأصبح حلم شارون بتحقيق الأمن لاسرائيل كابوسا ثقيلا، واستبدله بحلم آخر قد يتحول بدوره الى كابوس أشد وطأة، حلم التخلص من ياسر عرفات وارغامه على ان يخرج من فلسطين الى منفى أبدي، تتحدث بعض التقارير الصحفية عن شارون قابعا بجوال تليفونه، آملا ان يأتيه الرجاء من دولة أوروبية للسماح للرئيس الفلسطيني بالخروج من اقامته الجبرية الى أوروبا للعلاج، عندئذ سيسمح شارون لعرفات بالخروج بشرط ان يكون سفره بلا عودة، ويعتقد شارون ـ حلم كاذب آخر ـ ان عشرات من الفلسطينيين على استعداد للقفز الى مقعد القيادة وعقد اتفاق بشروط اسرائيلية. والبديل الثاني في مخططات شارون هو العزل الكامل للأراضي الفلسطينية وراء أسوار ضخمة، اقامة جبرية لشعب بأكمله، المشكلة ان عشرات المستوطنات اليهودية تنتشر في طول الأراضي الفلسطينية وعرضها، سيقضي الأمر حينئذ اقامة أسوار حول تلك المستوطنات، والعسكرة الدائمة للمجتمع الاسرائيلي لحماية تلك الأسوار، ما بالبديل الثالث إذن في هذا الفكر الشاروني؟.. اعادة احتلال كل شبر من الأراضي الفلسطينية؟ يدرك شارون ان الناخبين الاسرائيليين لن يقبلوا انتشار المجندين في كل مدن الضفة وقطاع غزة، حيث لن ينتظرهم هناك سوى مزيد من عمليات استشهادية. لذلك يظل مخطط نفي عرفات، بشكل أو بآخر، هو الخيار المفضل.. في الاطار الامريكي العربي كانت الآمال العربية تتعلق بأن يكون من «ديكورات» الحملة الامريكية ضد الارهاب ممارسة الضغط على اسرائيل، أولا لتخفيف التوترات التي يمكن ان تخلق تربة صالحة لعمليات يائسة، وثانيا لتعزيز التأييد العربي والاسلامي للحملة الامريكية، وثالثا لاكتساب مظهر ـ حيث لا يهم الخبر ـ الدولة العظمى التي تحترم مسئوليتها. والذين كانوا يأملون في الضغط الأمريكي على اسرائيل كانوا يضعون في حساباتهم ان هذا الضغط قد يأتي ضعيفا فاترا، وقد يأتي كعملية علاقات عامة لاسترضاء العالم العربي والعالم الاسلامي، وخاب الظن، وجاءت الضغوط الامريكية قوية وعنيفة وصريحة، فقط أخطأت العنوان، صبت واشنطن غضبها على الفلسطينيين، كيف يحق لهم التفكير في الحصول على سلاح ـ بغض النظر عن حقيقة سفينة الأسلحة التي أقامت اسرائيل حولها ضجيجا مفتعلا ـ بينما تفتح أمريكا ترسانتها لاسرائيل لتحصل على ما تريد من آلات الدمار، ومارست واشنطن أقصى درجات الضغط على الجانب الفلسطيني كي يرضخ لطلبات اسرائيل، وتحولت البوادر والتلميحات الأولى بتعاطف ولو ظاهري مع الحقوق الفلسطينية إلى مساندة مخزية للعنف الاسرائيلي، وصلت الى حد تعبير الرئيس الامريكي عن «خيبة أمله» في ياسر عرفات لأنه لم يستطع ان يحكم قبضته على الشارع الفلسطيني، وان يمنع أي همسة تزعج النوم الآمن الهانيء لشارون وحكومته، الرئيس الامريكي مستاء وغاضب لأن ياسر عرفات ـ بين جدران الاقامة الجبرية محاطا بدبابات اسرائيل ـ لا يستطيع ان يكفل للاسرائيليين أمن يومهم وغدهم. ليخيب أمله كما يشاء، فقد سقط القناع عن الوجه الحقيقي للتحيز الأمريكي السافر، التعبد في محراب اللوبي اليهودي وطلب البركات للتقرب إلى أصوات الناخبين اليهود، والاستمرار في البيت الأبيض، وليكن الثمن دماء بضعة ألوف من شعب أعزل، ولتذهب العدالة الى الجحيم. ليهنأ الرئيس الامريكي ويسعد إذن بنيل رجائه في شارون ورجاله. الإطار الذي تشكل الدول العربية طرفا فيه، الإطار العربي الاسرائيلي لا يملك العرب فيه شيئا، ولا يتجاوز دورهم الاستنكارات ومشاعر الاستهجان والادانة، مشاعر صادقة دون جدال، ولكن حتى المال العربي على كثرته لا يأتي للفلسطينيين الا بمقدار، هذا إن أتى أصلا. ولكن حسابات اسرائيل عن كفة الميزان بينها وبين الدول العربية قد تكون قصيرة الأجل وقصيرة النظر. أما الاطار العربي الامريكي فلعل الأمل الوحيد يكمن في استراتيجية عربية يساندها الجميع ولا يخرج عنها أحد، تضع المصالح الامريكية في العالم العربي كله في كفة والموقف الأمريكي من الطغيان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الكفة الأخرى. بقلم: محمد خليل ـ كاتب مصري مقيم في لندن

طباعة Email
تعليقات

تعليقات