التطورات الدراماتيكية المتسارعة على الساحة الفلسطينية. عبرت بوضوح عن حقيقة النوايا الاسرائيلية، التي تسعى وبدعم امريكي لاستثمار الظروف الدولية التي نشأت بعد اعتداءات 11 سبتمبر لاجهاض الانتفاضة الباسلة، والمضي في تحقيق الانتصار النهائي للمشروع الصهيوني على حساب ارضنا وحقوق شعبنا ومقدساتنا. وشارون الذي يناور في مكانه، يتمترس بمواقعه لرفع سقف اجرامه والقفز فوق قرارات الشرعية الدولية، يأخذ من شهادة ميلاد الكيان الصهيوني برهاناً للادعاء بأن بلاده ولدت بالسيف، وبالسيف تستمر وتبقى، وبهذه العقلية الاجرامية يستعد خلال هذه المرحلة لتقويض السلطة الفلسطينية واسقاط اتفاقيات اوسلو، وانجاز عملية فصل الضفة الى شطرين في انتظار حرب تهييء له القيام بما فعله بن جوريون في العام 1948 وذلك لانتزاع ما لم ينتزعه اسلافه من الحقوق والاراضي العربية، مستخدما ورقته الوحيدة الرابحة التي اعتادت اسرائيل استخدامها طيلة سنوات الصراع، وهي قتل الشعب الفلسطيني ومحاصرته وتهجيره. في هذه المناخات الاسرائيلية الخطيرة التي يختلط فيها الاستخدام المفرط للقوة مع تعصب الحاخامات، يتحدث الاسرائيليون والامريكيون اليوم عن ضرورة وقف العنف، على الجبهة الفلسطينية من دون تقديم ضمانات لاستئناف المفاوضات، والتوصل الى تسوية عادلة، وذلك بالضغط على الفلسطينيين للتنازل عن تضحياتهم وحقوقهم المشروعة في اقامة دولتهم فوق ارضهم، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وابقاء المستوطنات واكبر نسبة من الكثافة السكانية للمستعمرين في اراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وبهذا المعنى تسعى اسرائيل وبدعم امريكي لافراغ الانتفاضة من مضمونها، والايحاء بأنها مجرد رد على زيارة شارون الاستفزازية الى الحرم القدسي الشريف، متجاهلين ان الانتفاضة الباسلة كانت التأكيد العملي على رفض التسوية الاسرائيلية والشروط الموضوعة لها اسرائيليا وامريكيا، ليس فقط كما برزت في قمة كامب ديفيد الاخيرة، وانما في اتفاقيات اوسلو ذاتها، التي وضعت الادعاء الاسرائيلي في الرغبة بالسلام تحت الاختيار، على امتداد سبع سنوات منذ العام 1993 وفشل حكومات اليمين واليسار الاسرائيلي في تأكيد مصداقيتهم. لا شيء يتغير في اسرائيل وحالة انعدام الوزن التي يمر بها شارون، لا تسمح بمغامرة سلمية قد يكون لها تكاليفها الباهظة عليه، واي خطوة باتجاه استئناف المفاوضات ستضع حكومته في مأزق صعب، ولاسيما انه وصل الى السلطة بشعارات معروفة ابرزها وقف الانتفاضة خلال 100 يوم، ومنع اقامة دولة فلسطينية وتحقيق الامن للمستوطنين داخل الخط الاخضر وخارجه، ورئيس حكومة الليكود انهمك منذ اللحظة الاولى لتوليه السلطة في تطبيق سياسته المعلنة من خلال تصعيد القتل والتدمير واجتياح المناطق الفلسطينية، واغتيال الناشطين وقادة الفصائل الفلسطينية بمختلف اتجاهاتهم، إلا ان شارون الذي فشل في تحقيق اهدافه ذهب بعيداً في سياسته الاجرامية، واعلن بوضوح عن موت اتفاقيات اوسلو والتهديد بتدمير السلطة الفلسطينية الذي دخل حيز التنفيذ الفعلي من مارس الماضي حيث يتعمد الجيش الاسرائيلي منذ ذلك التاريخ قصف المقار والمنشآت التابعة للحكم الذاتي لتدمير الهيكلية الادارية للسلطة، وترافق ذلك مع حملة واسعة لتسويق فكرة ابعاد عرفات واعتبار ان غيابه اكثر فائدة لاسرائيل من وجوده. التأزم الداخلي الاسرائيلي شارون المصمم على الغاء الوضع الشرعي للسلطة الفلسطينية، يعتبر ان عرفات استغل التغطية القانونية لسلطته من اجل نخر المجتمع الاسرائيلي، وقرر اتهامه بالارهاب مؤكدا لجميع الذين التقاهم من زعماء العالم ان رئيس السلطة الفلسطينية يتصرف كزعيم منظمة «ارهابية» وليس كزعيم دولة مثلما يحاول تسويق نفسه، وعندما خذلته الدول الاوروبية في تثبيت صورة الزعيم الارهابي واعتبر الرئيس الامريكي جورج بوش الاقدام على اغتيال عرفات بمثابة خط احمر حسب ما نقله دبلوماسي غربي، صعد شارون عملياته العسكرية التي طالت المقر الرئيسي لعرفات في غزة والمطار والمروحيات الرئاسية خلال وجود الرئيس الفلسطيني في رام الله وهو الامر الذي يؤكد ان هناك غض طرف امريكي عن ممارسات شارون لاضعاف السلطة دون تقويضها ومن البديهي ان واشنطن لا تشارك شارون الرأي ان السلطة الفلسطينية هي طالبان، وان ياسر عرفات هو الملا عمر، بل ان المعادلة الامريكية الحالية تستند الى النظرية التي كانت قد سادت قبل احداث 11 سبتمبر وهي «دعهم يقتتلون» حتى يكون التدخل الامريكي فاعلاً. وبهذا المعنى فإن قرار شارون بالتصعيد واجتياح بعض مناطق السلطة ومواصلة العمل بالطريقة التقليدية التي اعتاد عليها، اي الخطف والاغتيال ومحاصرة عرفات، لا يصل الى حد التقويض الكامل للسلطة الفلسطينية، ليس لأن شارون يرغب بذلك، بل لان واشنطن ترى ان الامور في حال تدمير السلطة قد تتطور باتجاه حرب اقليمية، وتؤدي لانهيار اتفاقات أوسلو، وتهديد اتفاقيات السلام الموقعة مع مصر والاردن، هذا فضلا عن ان المسرح السياسي الداخلي في اسرائيل يشكل عنصر ضبط لشارون فمع ان اليمين الديني والسياسي في الحكومة الاسرائيلية الذي يقوده افيجدور ليبرمان وعوزي لينداو، وايلي يشاي، ميال الى اعتبار السلطة الفلسطينية عدواً، ويطالب بتغليب الخيار العسكري على الخيار السياسي، فإن عنصر مستجدا قد طرأ هو ان وزراء حزب العمل رفضوا جميعا هذا الخيار، والملفت انه للمرة الاولى يحصل توافق كامل بين وزارة حزب العمل وتحديداً بين وزيري الخارجية شيمون بيريز والحرب بنيامين بن اليعازر. وبالرغم من ان المشهد السياسي والعسكري بشكل عام ينذر بمخاطر كبيرة تتهدد الفلسطينيين من كل اتجاه، إلا ان ما يجرى على الارض اليوم يشير بوضوح الى حجم الازمة الداخلية التي تحاصر رئيس الوزراء الاسرائيلي، وهي ازمة لا تعبر عن مأزق شارون وحكومته فحسب، بل تعبر عن مأزق الكيان الصهيوني في هذه المرحلة المفصلية والحرجة من تاريخه، حيث بدأت مظاهر التصدع داخل الثكنة التي عجزت عن التحول الى دولة، وهناك من يرى ان الظروف الراهنة التي تواجهها اسرائيل ربما هي اكثر سوءا من الظروف التي نشأت بعد وفاة الملك سليمان في العام 922 قبل الميلاد، وادت الى انشطار المملكة اليهودية الى مملكتين تتراشقان بالفؤوس كما في النصوص التي صيغت على الطريقة الوثنية، لتبريرها هذا الموقف او ذاك ويعتبر الباحث اليهودي جولد سميث ان النموذج الاسرائيلي قد انتهى فعلا، وان على الولايات المتحدة ان تتولى تصفية تلك الحالة التي اذا ما بقيت على تدهورها الراهن فثمة من هو مستعد للقيام بالحماقات الى حدودها القصوى، بما في ذلك الحماقات النووية، مادام الدخول في ذلك النوع من العدم هو جزء حيوي من الجدلية اللاهوتية التي لا تخضع لاي سياق منطقي، وفي هذا السياق ايضا ثمة من يذكر بدعوة هنري كيسنجر قبل عشرين عاما ونيف الى انقاذ اسرائيل من اسرائيل، وبدعوة «كينيث دام» الى انقاذ اسرائيل من غطرستها ولكن كيف لشارون المتمترس خلف بحور الدم والقتل والتدمير ان يسمع اذا كان الشيطان يجلس القرفصاء في عقله كما عبر يوما غسان كنفاني؟ اما الازمة الداخلية الاخرى التي يعيشها الكيان الصهيوني فتتجسد باسطورة التعبئة وحشد القوى الذريعة التي سمحت للكيان الصهيوني بتجنب التناقضات الداخلية، فالمتابع للشئون الاسرائيلية يستطيع ان يدرك بأن التطرف والارهاب سمة تتفشى في المجتمع الاسرائيلي عامة وتمارسها بشكل خاص اليوم حكومة الليكود، والقاء الضوء على الفسيفساء داخل المجتمع الصهيوني لمعرفة العوامل والقوى المحركة لسياسة تل أبيب، ليس من باب الفنتازيا السياسية، بل لان المسألة تشكل اهمية بالغة الدقة في هذه المرحلة بالذات، وذلك كي لا يصبح السلام الموعود عملية ناجحة لتصدير الأزمات الداخلية في اسرائيل تحت عناوين القوة العسكرية والردع النووي، فالآلة العسكرية الاسرائيلية بكل جبروتها لن تستطيع توطيد دعائم الدولة والعصا النووية لم تحقق الطمأنينة للمستوطنين الذين يعيشون تحت كابوس الهاجس الامني، والذي يطرح كورقة اولى في اي مفاوضات مع الاطراف العربية. أجندة شارون الارهابية واذا كان شارون قد هاجم رئيس السلطة الفلسطينية واطبق عليه الحصار فإنه لا يملك اي مشروع للمفاوضات لا مع عرفات ولا مع غيره وكل ما بوسعه ان يفعله هو المضي في خطته لاسقاط السلطة الفلسطينية بتدمير مراكزها وهياكلها الادارية وخلق معطيات تؤدي الى تقسيم الاراضي الفلسطينية واشعال فتنة تساعد اسرائيل على اسقاط الانتفاضة تلقائيا، وبذلك يستعيد صورته الاصلية كبطل لحروب اسرائيل العسكرية وجرائمها المتلاحقة، واعدا بكسب المزيد من الانتصارات بحربه الجديدة التي اوضح اهدافها المعلق العسكري للقناة الاولى الاسرائيلية «رون بن يشاي» بقوله: ان الحملة العسكرية الراهنة تستهدف جباية ثمن باهظ من الفلسطينيين وانهاكهم ودفعهم الى التخلي عن النضال واضاف: ان الحملة ترمي كذلك عبر الصدامات والاقتحامات والعمليات الخاصة الى تحقيق ما يسمى بالاحباط الموضعي، غير ان الهدف الاهم بنظره هو مواصلة تقويض السلطة الفلسطينية تمهيدا لتدميرها. ثمة شعور عربي بالاحباط ليس لان شارون استعاد الصورة الاجرامية للعدو الصهيوني، التي الفناها منذ ما ينوف عن نصف قرن، بل لاننا اعتقدنا ان اسرائيل تغيرت، وانتقلت بين ليلة وضحاها ـ من عدو حاقد صاحب مشروع استيطاني توسعي، الى دولة علمانية تبحث عن التعايش السلمي مع جيرانها العرب. ناسين او متناسين ان السلام الذي تريده هو سلام التسليم باغتصاب ارضنا وحقوقنا وتكريس اسرائيل دولة اقليمية محورية تمارس التفكير نيابة عنا، وتصنع السياسات التي تخدم مشروعها التوراتي الذي يكرسها دولة عظمى في المنطقة. وفي الوقت الذي ادركنا فيه بأن المجتمع الاسرائيلي لم يصبح مهيئا للسلام، وباختياره شارون للزعامة في هذه المرحلة، اختار الحرب لقناعته بأن السفاح القادم من صبرا وشاتيلا صاحب عقلية اجرامية يحل معضلات بلاده بتفكير جديد ومناورة تجانب المنطق والعقل، وتتجاهل القرارات الدولية التي تمسكنا بها كحصان طروادة، حوصرنا بالسؤال الصعب الذي لا مفر من الاجابة عليه، ترى هي دخلت شعوبنا مرحلة الاحتضار التاريخي الحضاري؟ الصمود والمواجهة السلام لا يأتي منحة من احد لانه يصبح عند ذلك استسلاماً، بل هو اسير ارادة شعوبنا المتطلعة الى تسوية عادلة تعيد الينا حقوقنا المغتصبة، ومعها كرامتنا الوطنية المستباحة، فاتفاقات الاذعان التي يمكن ان تفرض علينا لن تكون مخرجا مناسبا لمأزقنا الذي ادخلنا متاهات البحث عن وسيط عادل. وفاتنا ان الوسيط الامريكي المنشغل في حربه الخاصة ضد الارهاب، ليس لديه اي جدول اعمال فيما يتعلق بقضية الشرق الاوسط وتداعياتها الخطيرة. فلسطين تحمي نفسها بدم شهدائها وستبقى فلسطين الدولة والشعب والارض والمقدسات عربية بالرغم من الضغوط الامريكية والحياد العربي، وسيكون على شارون ومن يأتي بعده ان يتفاوض مع الشهداء مع الارض التي ارتوت بدمائهم ومع المقدسات التي يقول كل حجر فيها انها عربية وعصية على التهديد، مهما مارست اسرائيل من وسائل الاجرام والحقد والتدنيس والاعتداء في عموم فلسطين، وما يجري اليوم على الساحة الفلسطينية يؤكد ان العملية التي بدأت في مدريد دفنت برصاص القتل الاسرائيلي، وفي الوقت نفسه اكدت ان الاسرائيليين وبرغم كل امكاناتهم وجبروتهم واعمال التوطين والتهويد، مازالوا بعيدين كل البعد عن انتزاع الاراضي العربية والحقوق الفلسطينية من اصحابها الشرعيين، ومهما كانت النتائج المؤلمة لهذه المواجهات، فإن الشعب الفلسطيني حقق انتصاراً كبيراً على الاحتلال، فهو من جهة استطاع ان يوقظ العالم على حقيقة ما يجرى داخل الاراضي العربية المحتلة، ويثبت ان اي سلام لا يمكن له ان يستمر اذا لم يقم على مباديء القانون الدولي والشرعية الدولية واستطاعت المواجهات ايضا ان تعيد اللحمة الى الشعب الفلسطيني بالرغم من كل محاولات الفصل بين فئاته واطرافه، فكان فلسطينيو الاراضي المحتلة في العام 1948 في المواجهة وبالحماسة نفسها مع فلسطيني الضفة والقطاع والقدس. والاهم من ذلك ان المواجهات اثبتت بعد مضي حوالي عقد من الزمن على الانتفاضة الاولى، ان الفلسطينيين مازالوا يعيشون اجواء النضال وانهم قادرون على الصمود والمواجهة والانتصار عند الضرورة مهما كانت التضحيات، مؤكدين بذلك الحقيقة التي تقول ان القانون الدولي الذي يخضع للعبة الارادات وموازين القوى الدولية، ينفذه الاقوياء لا الضعفاء، والشعب الفلسطيني اقوى من شراسة العدوان الذي تحميه القوة الاعظم في العالم، اقوى بحقه وبايمانه بعدالة قضيته التي غفل عنها العالم طيلة نصف قرن، وتقاعس عنها العرب الذين تركوا الشعب الفلسطيني تحت ضغط القوة العسكرية الاسرائيلية والامريكية محاطا بسور الموت واسلاك التقسيم. بقلم: فهد دياب ـ كاتب سوري