يختصر رئيس هيئة تحديث القوانين والتشريعات في المجلس النيابي اللبناني السابق أوغست باخوس العلة، فيقول: «لبنان بلد سياحي، وكل مقومات السياحة حاضرة وناضرة فيه، لكنه لا يستطيع ان يجذب السياح اليه». ويستغرق كيف تستطيع دولة اصغر مجاورة، هي جزيرة قبرص ان تستقطب 2.5 مليون سائح سنوياً، ولبنان ما زال يحلم بالمليون سائح دون ان تصل سياحته الى هذا الرقم، وحتى دون ان تلامسه من بعيد. ويعجب لماذا الحديث المفتعل عن لبنان غير الآمن، و«المتخصص» بالفلتان والقتل والاحداث، فيما بات بلدا آمنا، امينا، منذ اكثر من عشر سنوات، وكيف لذلك ان يكون صحيحاً، كما يتساءل: «فيما فرنسا يقفلون ابوابهم الحديدية عندما يريدون النوم، اما نحن في جبال لبنان فننام وابوابنا مفتوحة؟ لذلك يرى باخوس ان العلة الحقيقية ليست في غياب المقومات، بل في تغييب المقومات المؤسساتية اللازمة لانجاز النهوض السياحي المنشود. وهذا برأيه، امر غير صعب، ومهمة غير مستحيلة. والمطلوب بضعة تدابير ادارية، ونوايا طيبة، وذهنية منفتحة، ومعاملة حضارية وراقية، حتى يتهافت السياح إلى لبنان، وهم كثر. ويتوقف باخوس عند وجود 15 مليون مغترب لبناني «حسب تقديره» في مختلف انحاء العالم. فلو ساح بضعة مئات من الالاف منهم في وطنهم سنوياً، لحقق هذا انتفاضته السياحية المنشودة. كيف؟ ولماذا؟ وما المطلوب. عبر الاسئلة والاجوبة التالية يضع النائب السابق باخوس نقاط المطلوب فوق حروف المأمول. ـ هل ما زال لبنان يتمتع بالحد الأدنى من المقومات السياحية بالمقارنة مع دول اخرى، سواء في المنطقة، أو في العالم؟ ـ كانت السياحة العامود الفقري للاقتصاد اللبناني، خاصة انه ليست لدينا ثروات طبيعية مثل النفط والمناجم وما الى ذلك. ولكن عندنا الطبيعة الفريدة من نوعها، ولدينا شعب طيب ومضياف ومثقف. فسائق الاجرة يتكلم ثلاث لغات. كما لدينا الطمأنينة والامن اللازمين قياساً ببلدان العالم. لقد انتهت الاحداث واعمال التقاتل منذ اكثر من عشر سنوات، وتجدنا الان بالمقارنة حتى مع الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، في احسن حال امنياً. هناك صورة شائعة عن لبنان، لكنها خاطئة، وهي ان الوضع الامني فيه مضطرب لانه مرتبط بالظروف الاقليمية وهذا غير صحيح. وللاسف لا تقوم الدولة بواجبها في هذا المجال، فلا تجند القوى اللازمة مثلا لتوضح حقيقة الصورة التي نحن عليها لاشقائنا العرب، والعالم، وحتى للمغتربين اللبنانيين انفسهم، اننا بألف خير. لكن الدولة مقصرة في ابراز ذلك إلى الخارج. قانون الاعلام ـ من اين تبدأ الدولة في معالجة هذا التقصير؟ ـ يجب السعي الى مزيد من تطوير الإعلام واعادة تنظيمه بقانون يفسح المجال امام قيام محطات اعلامية ومؤسسات تلفزيونية جديدة تتوجه فضائياً إلى العالم، بدل ان نركز جهودنا على برامج غير مجدية، وغير مفيدة، عن التسلية مثلاً. ويجب ان تفرض الدولة على هذه المحطات بث ساعات اسبوعية معينة عن السياحة في لبنان، عن حياة القرى، والمعالم والاثار والمشاريع على اختلافها. هذا حق من حقوق الدولة على مؤسساتها او تلك العاملة فيها. ان ابراز سياحتنا وعاداتنا وتقاليدنا ما زال مفقوداً حتى الآن بالشكل اللازم، خاصة وان لدينا كماً كبيراً من وسائل الاعلام، وطاقات بشرية متخصصة وخبيرة يجب العمل للاستفادة منها من ناحية، وحثها على افادة وطنها وشعبها من جهة اخرى. ـ لكن قانون تنظيم الاعلام الموجود، والمعمول به، يلحظ مثل ذلك الذي تطالب به. لكنه غير مطبق بالشكل اللازم. فالمشكلة اذن ليست قانونية أو تشريعية؟ ـ هذا صحيح. ومشكلتنا مع قوانينا ينطبق عليها المثل الشعبي القائل.. اقرأ تفرج جرب تحزن» فهذه القوانين لا تطبق بالشكل المطلوب والمنصوص عنه كاملاً لا ناقصاً، ولا مبتوراً. وينتج عدم التطبيق كون الارادة في ذلك غير موجودة. رغم ان لدينا مساحات شاسعة من العمل الإعلامي والسياحي التي يمكن ان نتوجه اليها. يكفي ان لدينا اكثر من 15 مليون مغترب لبناني في الخارج. ولدى كل واحد منهم حنين لان يعود إلى وطنه، أو ان يزوره. ويكفي على الأقل لو زاره الواحد منهم كل اربع سنوات مرة واحدة. هذا النوع من السياحة الوطنية، أي سياحة المواطن في وطنه، غير موجودة في العالم بالشكل الكامل الذي هي عليه في لبنان. ـ لكن حتى اللبناني الذي يزور وطنه كأي سائح اخر عن مقومات معينة وبديهية مثل التسهيلات في الحركة والتحرك والمعاملات والاسعار المدروسة والمقبولة، وما الى ذلك. وهذا غير موجود وما يشكو منه السائح محط تذمر من المواطن نفسه اليس كذلك؟ ـ الحديث عن ذلك ليس جديداً. ومن البديهي القول اننا كلنا متفقون على وجوب تقديم كل ما يريح زائر بلدنا، سواء كان من اخواننا العرب، أو الاصدقاء الاجانب، أو من ابنائنا واهلنا المغتربين انفسهم. ـ هذا مطلب عادي وضروري، وعلى الدولة تأمينه، من دون ان يختلف عليه اثنان. لكن العلة ليست في ذلك. فهو قد يؤثر سلباً، لكنه لا ينتج السلبية نفسها، كما هو حاصل، وبالتالي فان قناعتنا كلنا ان نعرف من اين نبدأ؟ ـ وكيف نبدأ؟ في جذب من هم في الخارج الى الداخل فاذا كانت لدينا فعلا افضل التسهيلات والعروض السياحية، من دون ان نعرف كيف نروجها، فما فائدة ذلك؟ ـ لذلك اقترح، على سبيل المثال لا الحصر، ليس تنشيط اعمال سفاراتنا في الخارج في ذلك الاتجاه فحسب، بل تعيين عشرة سفراء للبنان يجولون في مختلف انحاء العالم على مدار السنة، لابراز سياحته وجذب المغتربين والسياح والمصطافين اليها. ويقوم السفراء السياحيون العشرة «على الأقل» بالاتصال مباشرة بالمؤسسات والجماعات، وحتى بالافراد. وسوف نكتشف في هذه الحالة المزيد من الطرق المباشرة والعملية التي تطور سياحتنا وتجعلها اقرب إلى العالم، واهتماماته ومتابعاته، وعندما تصير لنا خبرة في هذا المجال فان افاقاً عديدة، والمزيد من وسائل العمل، والطرق الحديثة سوف تفتح امامنا، وتتاح لنا لوضعها موضع التنفيذ العملي. واضافة إلى السفراء الجوالين الذين سيحملون لبنان إلى الخارج، ليجذبوه اليه، فان بامكان وزارة السياحة مثلاً ابتكار وسائل اخرى، فتنظم مثلاً رحلات جماعية إلى لبنان لمغتربين من فئات متجانسة، ومن مناطق لهم متقاربة في بلدهم ينتمون اليها، في الجبل او السهل «البقاع» أو الساحل. الأمر ليس صعباً، وهو غير مكلف، ولا تتوقف فوائده عند الحدود المالية. فتشجيع سياحة المغتربين إلى وطنهم، وهم الذين يجولون في عطلاتهم السنوية او الموسمية العالم الخارج، من شأنه ان يعزز الحنين لديهم بعودة قريبة ونهائية اليه. كما انه ينمي التكامل بين لبنان المقيم والاخر المغترب، بما يخدم الوطن الام، وهو للجميع سواء كانوا مقيمين فيه، أو اضطرتهم الظروف إلى الهجرة منه في يوم ما. ضرورات مطلوبة وثمة متطلبات بديهية لتعزيز ذلك وانجاحه، مثل تخفيض اسعار بطاقات السفر إلى الحد الأدنى الممكن، كذلك كلفة التنقل في الاماكن والمناطق الداخلية، وايجاد وسائل النقل الحديثة التي تؤمن الرفاهية والامان. وعلى الادارات الرسمية ايضاً تدرس اقصى التسهيلات التي يمكن ايجادها ليحصل المصطاف أو السائح، العربي أو الاجنبي، على «فيزا»، سمة الدخول، إلى لبنان باسرع وقت ممكن، وباسهل اجراءات ادارية. ان اعطاء السفراء الجوالين الذين نقترحهم صلاحيات ميدانية على هذا الصعيد، ستدفع بالمغترب أو بالسائح عموماً ما يشعره بأن زيارته إلى لبنان قد بدأت قبل ان يدخل اليه. فعندما يقوم السفير الجوال بكامل المعاملات اللازمة للزائر، وهو ما زال في بلده، أو مقر اقامته، أو عمله، سيدعه لا يشعر بأي روتين اداري، بل سيشعر ان عليه فقط ان يضع نفسه في الطائرة، مثلاً، ويتوجه إلى بيروت. وفي هذه المرحلة يفترض ان تتولى الدوائر المحلية المعنية متابعة تقديم وتأمين كل احتياجات السائح، بحيث لا ننجح خارجياً في جذبه، ونفشل محلياً في رعايته والحفاظ على اقامته وسياحته، فيرحل من عندنا على امل ان يعود في اليوم التالي، لان ان «يطفش» ويهرب منا، اذا ما اسأنا المعاملة. ـ اذا نجح لبنان في ذلك كم سائحاً تتوقع ان يزوره سنوياً؟ ـ ليس أقل من مليون شخص. وهذا عدد معقول ومقبول جداً، ومن شأنه انعاش كافة القطاعات المحلية، حتى لو كان من اصل ذلك العدد حوالي 400 ألف إلى 500 ألف مغترب لبناني. فالمغترب ينفق أيضاً، كما السائح، ويقدم لأهله وذويه، وله مصلحة في درس اقامة المشاريع في وطنه الأم. ثم يجب ان لا نعتقد ان مجيء مليون سائح سنوياً هو بالرقم الكبير. فجزيرة قبرص قريبة منا، وهي تستقطب سنوياً حوالي مليونين ونصف المليون سائح. فلماذا تنجح السلطات القبرصية في جعل اصغر جزيرة تجذب الملايين، وبصورة دورية سنوية، فيما نحن مازلنا عاجزون عن ذلك رغم ان جميع العالم يعرف حقائق ثابتة اقترنت بلبنان ولا تزال ومنها انه بلد سياحي، وان السياحة عصب اقتصاده، وان لديه من المعالم والاثار والحضارات التي تعاقبت عليه، ما يندر وجوده في معظم انحاء العالم. لماذا قلبنا معالمنا البيضاء والخضراء إلى الاسود، إلى الفشل والتراجع؟ كنا نفتخر ان العالم يقصدنا ليشرب من مياهنا. حتى أهل المدن في بيروت والسواحل كانوا يقصدون جبال لبنان ليشربوا من مياه ينابيعها الطبيعية. الان اصبحنا نخجل بمياهنا. باتت ملوثة وآسنة، ولم نعد نعرف ما اذا كنا نشرب مياه شفة فعلا ام مياها آسنة ناتجة عن الصرف الصحي؟! هذا نموذج لما هو حاصل عندنا. لكنه امر موجود، وبات العالم كله يعرفه عنا. وبالتالي فانه يستحيل علينا جذب أي سائح اذا لم نؤمن له المقومات البديهية. ـ هل تشعر انك متفائل اكثر من اللزوم في قدرة لبنان على العودة لاستقطاب السياح مجدداً؟ ـ لا، ليس أكثر من اللزوم ابدا. تفاؤلي في محله، وعلينا تطوير قوانينا وتشريعاتنا التي تخدم السياحة وتطورها، وننفذ مثل تلك البرامج التي تحدثت عنها. وعند ذاك سيأتي الينا الكثير من المغتربين والسياح. هناك اشخاص لبنانيون يحلمون في كل لحظة بالعودة إلى وطنهم وبلدهم ومدينتهم وقريتهم، ليقبلوا جدار منزلهم، او يلثموا حبة تراب من ارض ابائهم واجدادهم. ثم ان بلدنا آمن، ولا يدعو إلى الخوف، ومن يقول عكس ذلك لا يعرف ماذا يجري في الخارج. ففي فرنسا مثلاً، يقفلون ابواب منازلهم بالأبواب الحديدية خوفاً من السرقة، أما نحن في جبال لبنان فننام في الصيف وأبوابنا ونوافذنا مفتوحة. باختصار، فان لبنان السياحي بألف خير، لكن سياحته ليست بخير، وليس بالتطور الذي يجب ان يكون عليه. والقضاء على العلة يبدأ بتطوير ذهنيتنا ومؤسساتنا ووسائل معاملتنا لضيوفنا، فلا نطمع منهم، بل نطمع بهم وبمجيئهم إلى لبنان. حاوره في بيروت ـ رانيا يونس: