يقول العقل السياسي الأمريكي أن للأمم والشعوب تعبيرات سياسية هى دولها ولكن البشرية ككل تفتقر لدوله تعبر عنها لاختلاف مصالحها و لغاتها و توجهاتها الفكرية والسياسية لذلك تم الاتفاق على آليات لها بعد دولى ومبادئ وأسس جامعة مهمتها الحفاظ على الامن والسلام الدوليين، غير ان العالم شهد تطورا نوعيا بلغ قمته بانهيار الاتحاد السوفييتى ودول المنظومة الاشتراكية و بروز دوله كبيرة انفردت لوحدها بقيادة النظام العالمى الجديد بظهورها في هذا الموقع تغيرت طبيعة وعمل المؤسسات الدولية وطبيعة الحياة الدولية بعد ان خضعت تلك المؤسسات لارادتها فهى الامرة والقادرة على التدخل فى الشأن الداخلى للدول تحت مسميات ابتكرتها تمشيا مع المتغيرات و الظروف المحيطة فى حرب الخليج الثانية ضربت العراق تحت مظلة الشرعية الدولية وتدخلت فى كوسوفو تحت الحلف الاقليمى وفى تيمور الشرقية وفق ما اتفق على تسميته بتحالف الراغبين. امريكا اليوم تتعامل مع مختلف دول العالم وفق اسس محددة فهى اما صديقة «خاضعة لسياساتها» واما متمردة عليها ومقولة الرئيس بوش الابن بعد احداث 11 سبتمبر خير دليل «على كل دولة ان تقرر معنا ام مع الارهاب»! أحداث 11 سبتمبر وآثارها التفجيرات التى حدثت فى 11 سبتمبر فى نيويورك وواشنطن احدثت تحولات خطيرة فى الولايات المتحدة امتدت آثارها الى كل اطراف المعمورة، فالحدث وبتلك الصورة المرعبة لم يكن متوقعا فى بلد تتمتع بقدرات علمية وعسكرية غير مسبوقة، مبادرة الدفاع الاستراتيجي التى اطلقها الرئيس ريجان فى 22 مارس 1983 وهى المبادرة التى عرفت فيما بعد بحرب النجوم كان الهدف الاول منها الضغط على الاتحاد السوفييتى الذى كان يعيش مرحلة جمود تلت جيل ليونيد بريجنيف، اما الهدف الثانى وهو الاهم مفاجأة العالم بان لامريكا فى ميدان الدفاع المضاد للصواريخ عابرة القارات قدرات كبيرة تمكنها من اصطياد اى صواريخ نووية معادية بعد ثوان من انطلاقها من قواعدها وتدميرها فى الجو قبل الوصول الى اهدافها وهو المشروع الذى قال عنه واين برجر وزير الدفاع الامريكى فى ذلك الوقت الآتي: اننا لا يمكن ان نعيش اكثر فى عالم تقوم فيه الحرب على مبدأ قتل الناس بدلا من الاكتفاء بتدمير الأسلحة الجديدة بهدف انهاء الحرب قبل وقوعها. بين نهاية قرن وبداية الفية جديدة انهار الاتحاد السوفييتى واحدثت تفجيرات نيويورك وواشنطن صدمة لامريكا والعالم.فى ساعات محدوده تغيرت صورة امريكا ولغة خطابها وبدات اجهزتها واستخباراتها فى فجاج الارض تنقب فى الاوراق القديمة وتراجع مواقف الدول وسياساتها تجاه قضية الارهاب وهى القضية التى حظيت بأولوية مطلقة بعد احداث 11 سبتمبر الدامية. السودان وأمريكا السودان مصنف امريكيا دولة راعية وداعمة للارهاب البعض داخل الادارة الامريكيه الجديدة له اعتقاد بأن تطوراً ما قد حدث وان النظام قد تغيرت بعض ملامحه من نظام اصولى متطرف ومتهم بأن له مشروعا للتمدد فى دول الجوار وفق استراتيجية لها بعد اممى التفت حولها التنظيمات الاسلاموية المعادية لحكوماتها الآن تغيرت مفردات خطابه وبدأ فى البحث عن بدائل لم تتضح معالمها بعد خاصة بعد ان انقسم على نفسه وتمرد الشباب على الشيخ الترابى. المهم نتيجة لهذه التحولات السريعة والمتلاحقة على المستوى المحلى والاقليمى والدولى حدثت تفاعلات مهمة فى السودان، فى الداخل «المستوى المحلي» هناك تخوف من غلبة التيار المتشدد فى امريكا ومن دعوته المبكرة لضرب النظام السوداني، ففى الاسابيع الماضية جاء فى الانباء خبر عن طلب تقدمت به وزاره الدفاع الامريكية «البنتاجون» بدعم من عناصر فى الكونجرس لوضع السودان على قائمة الدول المستهدفة من العمليات العسكرية لمكافحة ما يسمى بالارهاب. واشارت مذكرة هامة قدمت للرئيس بوش وحظيت بدعم سبعين عضوا بارزا بالكونجرس الى المطالبة بتصفية جيوب بعض الخلايا الارهابية الموجودة فى السودان واكدت المذكره انه وعلى الرغم من تعاون الحكومة السودانية الظاهر مع الولايات المتحدة الا انه قد وردت معلومات تشير الى ان النظام يقوم بدعم بعض العناصر الارهابية من خلال انشاء معسكرات للتدريب فى العديد من الولايات السودانية البعيدة عن العاصمة وزعمت المذكره ان اسامه بن لادن لا يزال يتمتع بنفوذ كبير داخل السودان!! وان الخلاف الناشيء بين الرئيس السودانى والدكتور الترابى لم يؤثر على هذه العلاقات حيث قدمت هذه العناصر المنتمية لفكر اسامة بن لادن ولاءها للرئيس البشير. وكشفت المذكرة ان هنالك علاقات بين عناصر القاعدة فى الصومال وبعض العناصر داخل السودان وان هناك اهدافاً من المحتمل استخدامها فى العمليات الارهابية لاتقل عن 60 هدفا تنتشر داخل الاراضى السودانية وان هذه الاهداف تبدو فى هيئة مقار للخدمات الانسانية. وادعت المذكرة خطورة النظام السودانى على الامن والاستقرار فى المنطقة خاصة انه لم يبد القدر الكافى من التعاون مع المبعوثين الامريكيين لحل المشكلة السودانية ، وشبهت المذكرة النظام السودانى بانه شبيه لنظام طالبان فى انتهاكاته المستمرة لحقوق الانسان وان لديه علاقات مع حركة طالبان طيلة تواجدها فى الحكم. اشارت المذكرة بطريقه مكشوفة الى ان العمليات العسكرية الامريكية لن تواجه بمشاكل فنية أو صعوبات فى السودان مشيرا الى ان حركة التمرد قادرة على اجتياح الاراضى التى تسيطر عليها الحكومة السودانية فى مدى قصير كما ان هناك الكثير من الاحزاب السودانية المعارضة والتى تستطيع ان تشكل حكومة فى اقل من اسبوع. اما الحكومة الجديدة ففى رأى المذكرة سوف تتبنى نهج الحوار الديمقراطى والسلام مع الجنوبيين فى حين تصر الحكومة الحالية فى السودان على رفض هذا النهج كما ان القيادات الجنوبية لم تعد تثق كثيرا فى قدرات الحكومة الحالية والوصول الى السلام وانهاء المشكلة السودانية، وطلبت المذكرة ان تبدأ الخارجية الامريكية فى اعداد ملفاتها السياسية عن الاوضاع فى السودان واجراء الاتصالات الاقليمية والدولية اللازمة فى هذا الصدد واكدت المعلومات ان تيارا قويا فى الخارجية يرفض هذه المذكرة. الاشارة لهذه المذكرة الهدف منه ابراز ان امريكا تمارس ضد النظم المتمردة فى نظرها سياسات يصعب تفسيرها لتناقض الاشارات فيها كى يحدث الاختلاف داخلها مما يسهل ضربها بأقل خسائر ممكنة وللحروب النفسية دور محورى فى هذا المجال، بالرجوع لنقطة المتغيرات فى الداخل نجد ان اهم الاسباب التى يمكن ان تستغل كمدخل لتدويل المشكل السودانى وفرض حلول ليس لنا خيار الا قبولها يمكن اجمالها فى الآتي: ـ محلياً: عجز النخبة السياسية عن الوصول الى حلول وفاقية تحفظ للبلد وحدتها وكرامتها، فالنظام وان حدث بعض التحسن فى خطابه ما زال ممسكا بمفاصل السلطة وغير مستعد بأي حال للتنازل عنها ولمن يريد ان يشارك فله موقع محدد فى الهامش اما الدائرة المرتبطة باتخاذ القرار فهى مغلقة ولا مجال للمشاركة فيها الا لمن قبل مقدما بالذوبان فى النظام والتحلل من ماضيه وشعاراته. ـ اقليمياً: هناك جمود لتعثر المبادرة المشتركة «مصر وليبيا» والايجاد رغم محاولات بث الروح فيهما من جديد ومحاولات اعطاء الرئيس آراب موى رئيس كينيا دوراً يختم به حياته السياسية التى قرر لها ان تنتهى بنهاية ولايته الحالية، ربما لهذا السبب كلف بملف الصومال وهناك حديث عن تنسيق بين الايجاد والمشتركة وعن ايجاد معدلة يتم بموجبها ابعاد ليبيا فهى غير مستلطفة امريكياً واعطاء دور لمصر لخصوصية علاقاتها مع السودان. ـ عالمياً: فقد تغير الدور الامريكى بالنسبة للسودان فى الماضى اكتفت امريكا فقط بالتعامل مع القضية السودانية من على البعد عبر وسائط اقليمية «الايجاد» والدول المجاورة، الآن دخلت امريكا الحلبة ومارست وباسلوب مباشر ما كانت تمارسه من وراء ستار، لامريكا اليوم مبعوث ورؤية واضحة وخيارات محددة يحكمها سقف زمني نتيجه لكل هذه التحولات «المحلية والاقليمية والدولية» بدأت فى السودان مباراة جديدة وغير متوازنة بين اطرافها غزل مغلف بانطباعات غير مريحة ومشاعر متناقضة بين طرفين الفجوة بينهما كبيرة دولة كبرى تسعى لتحريك العالم وفق استراتيجية معلنة ولها رأى موثق فى الانظمة التى صنفتها بانها داعمة للارهاب ونظام حاكم فى السودان قرر بارادته الحرة الدخول فى حوار معها وفى قضايا حساسة ومصيرية منفردا، هنا تكمن المخاطر ففى مثل هذه الظروف تسعى الحكومات لبلورة رأى عام داعم لها فهى فى امس الحاجة للمساندة، فالقضية اكبر من الحكومة فهى قضية وطن ومصير امة اما الحكومة فهى ضيف عابر والضيف مهما طالت اقامتة لا يمكن ان يدعى بان له الحق فى تقرير امر له انعكاساته على اجيال مقبلة. حملة تصحيح المفاهيم عقدة شراء صداقة امريكا وبأي ثمن والخوف من التهديد بضربة امريكية خاصة والعالم بعد 11 سبتمبر مختلف دفعا النظام السودانى الى فتح ابواب البلاد لوفود رسمية وشعبية وبدعوات رسمية لزيارة السودان والتحقق مما يثار ضده من اتهامات وتولت التنظيم والتفويج سفارة السودان فى واشنطن فى اطار الحملة التى اطلق عليها اسم حملة تصحيح المفاهيم. ربما كان السبب الضغوط الممارسة من اللوبى الصهيونى والجماعات الدينية والرأى العام الامريكى على الرئيس بوش بهدف التدخل الفورى لحماية المدنيين فى جنوب السودان من جحيم القصف الجوي. ولكن لامريكا موقف من الصعب تغييره والدليل تطابق التصريحات مع اختلاف مواقع اصحابها، المتحدث باسم البيت الابيض صرح بالآتي: ان الحكومة الامريكية تقدر الموقف السودانى من احداث سبتمبر وتعامل الحكومة السودانية مع الادارة الامريكية فى محاولة مكافحة الارهاب ولكن على الخرطوم ان ارادت ان تنضم للتحالف الدولى عليها ان توقف القصف الجوى واستهداف المدنيين. التصريح السابق مطابق تماما لما اعلنه مبعوث الرئيس بوش للسلام فى السودان السيناتور جون دانفورث فى اتهاماته للحكومة والضغط عليها قال ان الحركة الشعبية وافقت على النقاط الاربع التى طرحها بينما الحكومة لم توافق حتى الآن على وقف قصف الاهداف المدنية الا فى اطار وقف شامل لاطلاق النار مشيرا الى ان الحركة الشعبية ترفض وقفا شاملا لاطلاق النار الا فى اطار اتفاق شامل لاصل المشكلة. وفى تصريح اخر انتقد دانفورث موقف الحكومة محاولا تصوير رفضها الموافقة على وقف قصف الاهداف المدنية بانه مخالف لاتفاقية جنيف. وفى تعليقه على مهمته فى الخرطوم قال: انه يعتبر مهمته غير ناجحة حتى الان وهو اى دانفورث يواجه تحديا من منظمات المجتمع المدنى فى الولايات المتحدة واردف قائلا انه محتار فى كتابة تقرير للرئيس بوش الذى كلفه بانجاز مهمته. فى القاهرة وصف دانفورث زيارته للمنطقة بأنها ليست مشجعة فيما يتعلق بآمال لتحقيق السلام فى السودان ولايجاد وسيلة لاشراك المسيحيين فى عملية للتوصل الى سلام مع المسلمين. واستطرد فى حديثه «انه لم يجد ما كان يسعى آلية وهو يعتقد ان المسيحيين لا يرغبون فى اقل من الاستقلال لان تاريخ مظالمهم ومراراتهم جد طويل ولا استطيع ان القى عليهم لوما لان من يتعرضون للعنف والتميز لفترة طويلة سوف يشعرون بعدم انتمائهم للمجتمع». تزامنت زيارة دانفورث الثانية للسودان مع اجتماع اللجان الفنية فى سويسرا للاتفاق على وقف اطلاق النار فى منطقة جبال النوبة ورأس الوفد الامريكى العقيد دينس قيديز الذى شغل قبل فترة وظيفة ملحق عسكرى لبلاده فى الخرطوم. قال العقيد وفى قوله ما يؤكد ان المشروع الامريكى كله لا يقبل الجدل انهم نفذوا خطط دانفورث وانهم كانوا على اتصال معه ومع فريقه للضغط على الحكومة واعاد دانفورث فتح ملف التفاوض حول استهداف المدنيين بالقصف الجوى اكثر من مرة مطالبا الحكومة بالسماح بآلية مراقبة دولية على اى نشاط عسكرى يستهدف المدنيين رفض الحكومة استند على ان اجراء كهذا سيكون من شأنه وضع القوات المسلحة وحدها تحت القيد لانها قوات نظامية بينما تظل قوات التمرد طليقة فى تحركاتها دون قيد لانها جيش غير نظامى وهذا من شأنه اعطاء حركة التمرد ميزة عسكرية صارخة. لم يكتف دانفورث برد الفريق المفاوض وعاود فتح الملف مع نائب رئيس الجمهورية ورئيس الجمهورية وركز فى مؤتمره الصحفى على هذا البند لدرجة انه ربط نجاح مهمته بايقاف القصف هنا تراجعت الحكومة عن موقفها واعلنت طوعا وقف القصف فى مناطق العمليات مؤقتا لمدة اربعة اسابيع الا فى حالة الدفاع عن النفس بعد مرور الاسابيع الاربعة تقبل الحكومة مناقشة الطلب الامريكى اذا توفرت الشروط الاتية: ـ التحقق من حيدة العمل الانسانى وشفافيته. ـ التحقق من عدم استخدام الاطفال والمدنيين فى الحرب. لم يوافق الوفد الامريكى على هذا العرض وهدد بأن مهمته معرضه للفشل واعطى الحكومة مهلة يعود بعدها للسودان لمعرفة موقفها افعال واقوال تزامنت مع الضغوط الامريكية: ـ قرنق يلتقى بكلير شورت الوزيرة البريطانية القادمة من الخرطوم فى رومبيك وهى مدينة فى قلب بحر الغزال. ـ دانفورث ايضا سافر من الخرطوم للقاء قرنق ومشار فى رومبيك. ـ القوات الامريكية قامت بتفتيش الباخرة السودانية «الابيض» فى بحر العرب. ـ اتفاق قرنق ومشار وهو الاتفاق الذى لم يعط من قبل القوى السياسية الاهتمام الكافى ووصف بانه اتفاق اشرار. ـ لام اكول ذهب الى فشوده ليتفقد قواته التى قيل ان بعضها قد انضم لقوات باولينوماتيب وكلاهما حليف للحكومة والاول وزير فيها والى وقت قريب كان عضوا فى المجلس القيادى للحزب الحاكم. ـ منصور خالد يصف موقف الحكومة المتعاون مع امريكا ضد الارهاب بالآتي: الخرطوم تعرت باعترافها سياسيا وايديولوجيا واخلاقيا امام العالم. واظن ان الاقوال والافعال لا تحتاج الى تعليق فهى تتحدث عن نفسها. بقلم: د. ابراهيم الأمين