الحركة الدينية ـ السياسية التي ولدت في مصر في النصف الأول من القرن الماضي، والمعروفة باسم «الاخوان المسلمون»، حظيت باهتمام واسع من قبل المفكرين والساسة، ورجال الدين، والكتاب الذي صدر مؤخرا في القاهرة تحت عنوان «التيارات السياسية في مصر» نموذج لذلك حيث تحظى حركة الاخوان باهتمام أكبر مما نالته التيارات الأخرى الواردة في هذا الكتاب وهي:« الماركسيون»، و«الناصريون» و«التجمع». ومؤلف الكتاب هو السياسي اليساري الدكتور رفعت السعيد، العضو البارز في مجلس الشوري، والأمين العام لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مصر، وصاحب المؤلفات الكثيرة والمتنوعة عن «الحركة الشيوعية»، و«التأسلم السياسي»، و «حسن البنا» و«تاريخ جماعة الإخوان»، و«تأملات في الناصرية». ويقدم في كتابه الذي نعرض له الآن، رؤية نقدية هي في مجملها نقد شرس وعنيف للتيارات السياسية غير الماركسية وفي المقابل يقدم المؤلف مدحا واضحا وصريحا يكاد يصل إلى درجة التطرف عندما يتحدث عن الحركة الماركسية، وهي الحركة التي ينتمي إليها المؤلف. وهذا بالطبع يلقي كثيراً من الظلال حول درجة حيادية المؤلف. والكتاب يقع في أربعة أقسام، أولها يتعلق بـ «حركة الشيوعيين المصريين وأسلوب فهمهم للماركسية وطرائق عملهم ويقول إنهم أولا تداخلوا مع القوى السياسية الحليفة أو العدوة لهم حيث شكلوا داخل حزب الوفد الليبرالي ما يعرف بـ «الطليعة الوفدية اليسارية الإتجاة وصارعوا عبد الناصر، وصرعهم أحيانا، لكنهم تسللوا إلى خلايا الجسد والفكر الناصري رغم أنفه وثانيا، اتخذوا من المظلة الجماهيرية الأكثر اتساعا، سبيلا للتلاحم مع الجماهير، وأقاموا أبنية ديمقراطية واسعة لا تتبدى عليها سمات الماركسية وأسسوا اتحاد نقابات العمال عام 1922 ليصبح قوة جماهيرية كبيرة ومؤثرة، وقادرة على قيادة إضرابات شاملة هزت أركان النظام «في ذلك الوقت».كما قاموا عام 1946 بتأسيس اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، والتي نجحت في تنظيم مظاهرات كاسحة.. ساهمت في طرد قوات الاحتلال البريطاني خارج المدن المصرية وفي عام 1951، وفي العام التالي أسهموا في بناء تنظيم الضباط الاحرار. مسالك الاشتراكية والسمة الثالثة للتيار الماركسي المصري، هي أنه «كان» يضم في صفوفه عددا من الأجانب واليهود، من منطلق أنه حركة أممية.. بمعنى أن الماركسية تستند إلى بعد نظري يعتمد على وحدة الطبقة العاملة العالمية، في مواجهة الرأسمالية العالمية. ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن الكتابات ذات الصبغة الماركسية بدأت في مصر في وقت مبكر يسبق الثورة البلشفية في روسيا عام 1917. وشارك الشيوعيون المصريون في ثورة 1919، وتحركت المجموعات الماركسية فيها لتلعب دورا بارزا، الأمر الذي دفع سعد زغلول لإرسال «رسالة سرية غاضبة من باريس إلى قيادة الثورة في الداخل تقول: الوفد غير راض عن المنشورات التي يستفيد منها أعداؤنا للقول بأن الحركة المصرية لها اتصال. بالحركة البلشفية. واستمر كل ذلك حتى العام 1920، وفي الثامن والعشرين من أغسطس من العام التالي، أعلن عن تأسيس الحزب الاشتراكي المصري بالقاهرة، ومؤسسوه هم: محمد حسني العرابي، ومحمد عبد الله عنان، وسلامه موسى، والدكتور علي العناني. ويضع الكاتب ملاحظاته على هذا الحزب الجديد، وهي أن جميع مؤسسيه مصريون، ويمثلون تجمعا من مختلف الاتجاهات الاشتراكية. وهؤلاء ومن انضم اليهم من الأعضاء، تعرضوا لعمليات شد وجذب انتهت بمعظمهم إلى السجن. وتشعبت الحركات اليسارية بعد ذلك، حتى توحدت في حزب واحد في عام 1958.. ولم يدم هذا الحزب موحدا لأكثر من أشهر، ثم انقسم إلى حزبين هما «الحزب الشيوعي المصري» و«حدتو». ويضيف الكاتب موضحا إن الاتحاد السوفييتي انتهي. ولكن الشوق للعدل والمساواه والحرية لم يزل يجيش في الصدور، وكذلك الحاجة إلى الخبز والمسكن والعلم والتقدم والديمقراطية، لم تزل تلهب المشاعر. ويختتم الكاتب القسم الأول عن التيار الماركسي مشددا على ضرورة نبذ التمسك بالقوالب سواء كانت نظريات «قديمة» أو أشخاص. النهي عن المنكر ! وفي القسم الثاني من الكتاب أفرد المؤلف صفحات مطولة عن تيار «الاخوان المسلمون»، كأحد روافد حركة الاسلام السياسي. ويرجع بنا إلى البدايات الأولى لنشأة جماعة الاخوان، وتاريخها وفكرها وممارساتها، وما تلاها من توابع. وأسس هذه الجماعات حسن البنا المولود عام 1906 في منطقة المحمودية في محافظة البحيرة وجاء هذا الرجل على خلفية تاريخية عاشتها مصر ما بين خلافه إسلامية تتهاوى وتحكم تركي مغلف بعباءة الخليفة، أمير المؤمنين، حامي حمى الإسلام. ويرصد الكاتب أهم ما تميزت به جماعة «الاخوان المسلمون» عن غيرها من القوى السياسية المعاصرة.. وهما ميزتان: البيعة والجهاز السري. واستند حسن البنا في البيعة على حديثين شريفين الأول ينص على أن من مات وليس في عنقه بيعة، فقد مات ميته جاهلية و من بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ونازعه فاضربوا عنق الآخر. حسم الداء بالسيف! وصلت درجة البنا عند مريديه، كما يصفها البعض إلى درجة مطلقة وكاملة تصل إلى درجة السحر. ومن الأقوال التهكمية الشهيرة حول هذا الولاء المطلق، ما ورد في ذلك الوقت من أنه «إذا عطس المرشد البنا في القاهرة، قال له الاخوان في محافظة أسوان في أقصى الجنوب يرحمكم الله »!. ويرصد الكاتب أيضا ما قامت به الجماعة من خلط متعمد بين الدين والفكر ويقول إن العنف لدى الاخوان مقصود لذاته ويورد مقولة لحسن البنا: «وما كانت القوة إلا كالدواء المر الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملا ليرد جماعتها، ويكسر جبروتها وطغيانها، وهكذا كانت نظرية السيف والإسلام. ويرجع الإعلان العلني عن جماعة الاخوان الى شهر مارس من عام 1928، ويتكون هيكلها القيادي من مكتب الإرشاد الذي يعمل تحت امارة المرشد العام.. وهذا المكتب يشبه إلى حد كبير مجلس الشورى ولا يعتبر رأي المجلس ملزما للمرشد العام لجماعة الإخوان ويذكر صالح عشماوي أحد قادة الجماعة ذلك قائلا: عند أول عهدي بعضوية مكتب الإرشاد، ثار البحث: هل الشورى في الإسلام ملزمة أم غير ملزمة «؟» أي هل يتقيد فضيلة المرشد العام برأي مكتب الإرشاد. وكان رأي المرشد أن الشوري غير ملزمة وأن من حقه مخالفه رأي المكتب. العون المالي لقد تم الإعلان عن تكون الجماعة، في محافظة الإسماعيلية، وتلقت أول تبرع مالي لها من شركة قناة السويس التي تخضع للإدارة الفرنسية إلا أن قرار حل جماعة «الاخوان المسلمون» في عام 1948، كشف أنها كانت هي الأغنى ماليا بين الجمعيات والأحزاب السياسية الموجودة في مصر حينذاك! لكن ما هي طبيعة العلاقة بين «الاخوان المسلون» والإنجليز الذين كانوا يحتلون البلاد؟ تؤكد جريدة الاخوان أن اتصالا قد تم مع الإنجليز، وأن الطرف الإنجليزي قد أبدي استعداده لتقديم عون مالي للجماعة، وأن البنا قد رفض ذلك إلا أن باحثا آخر يؤكد أن عونا ماليا كبيرا قد قدم بالفعل. الجهاز السري ويظل الجهاز السري للإخوان، أحد المتهمين بأنه أداة لتنفيذ عمليات العنف من جانب الجماعة ويشترط على من يريد الإنتماء إلى هذا الجهاز الدخول إلى حجرة مطفأة الأنوار، ويجلس على بساط في مواجهة أخ في الإسلام مغطى جسده تماما، من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، برداء أبيض، ثم يخرج من جانبه مسدسا، ويطلب من المبايع أن يتحسسه، وأن يتحسس المصحف الشريف، ثم يقول له: فإن خنت العهد، أو أفشيت السر، فسوف يؤدي ذلك إلى إخلاء سبيل الجماعة منك، ويكون مأواك جهنم وبئس المصير. والمقصود بـ «إخلاء سبيل الجماعة منك هو أن أي خيانة أو إفشاء سر، بحسن قصد، أو بسوء قصد، يعرض صاحبه للإعدام، وإخلاء سبيل الجماعة منه، مهما كانت منزلته، ومهما تحصن بالوسائل». صراحة سيد قطب! ويقول الدكتور رفعت السعيد في الكتاب إن فكرة العنف قديمة قدم الدعوة، وأن الذي أرسى أساسها هو مؤسس جماعة الاخوان نفسه. الشيخ حسن البنا ويضيف أن سيد قطب الذي يوصف بأنه استاذ التكفير، لم يأت بجديد غير وضع الكلمات في موضعها الواضح وأنه لم يتلاعب بالألفاظ كما فعل حسن البنا كما أن سيد قطب رجل لا يعرف المساومة، وقطب يقول صراحة إن الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات: مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي.. والمجتمعات الشيوعية والوثنية واليهودية والمسيحية، والمجتمعات التي تزعم أنها مسلمة كلها من الجاهلية. ودفعت صراحة سيد قطب ووضوحه، الى العداء مع الكثير من جماعة الاخوان، بوصفه بأنه تباعد عن فكر الجماعة لأنهم لم يجدوا في حديثه ما اعتادوا عليه من «الممالأه، والتلاعب بالكلمات واستند الاخوان في هذا الوصف إلى كتاب للمرشد العام للإخوان حينذاك حسن الهضيبي، والذي اصدره وهو في السجن وكان تحت عنوان دعاه لاقضاة». ويؤكد الدكتور رفعت السعيد، إن الهضيبي نفسه، كان كغيره من قادة الجماعة، يجاهر أحيانا بغير ما يعتقد، ويلجأ إلى التقية والمواراة حينا آخر ولنا على ذلك أدلة عديدة. ومنها أن الهضيبي أرسل من سجنه في طرة إلى الاخوان في الواحات رسالة يؤكد فيها أن تفسير سيد قطب للقرآن، هو الحق الذي لا يسع أي مسلم أن يقول بغيره وفقا لما جاء في محضر تحقيق النيابة في قضية أمن الدولة عسكرية عليا رقم 12 لسنة 1965، والتي كان متهما فيها سيد قطب وآخرون. وفي سجن طره بدأ سيد قطب في استقطاب أكثر عناصر شباب الجماعة تشددا، ليكون منهم تيارا ينتقد اعتدال البعض من رموز الجماعة، ويدعو إلى تكفير المجتمع «الحاكم والمحكوم على السواء» وكان من أبرز تلاميذه في السجن شكري مصطفى الذي كون الجماعة المسلمة بعد خروجه من السجن، والتي عرفت إعلاميا بجماعة التكفير والهجرة والتي تعرضت لضربات قاصمة في أعقاب اختطافها للشيخ الذهبي، وباغتيال شكري مصطفى تولدت جماعات أخرى لعل كلاً منها كان أكثر تطرفا مما سبق ومنها جماعة الجهاد، والجماعة الإسلامية، وما أفرزتاه من تكوينات تالية. الإرهابيون الجدد وفي رأي الدكتور رفعت السعيد، فإن أحد من الاخوان لم يوجه أي نقد أو إدانه لكل ما ارتكبه الإرهابيون «المتأسلمون» من مجازر صحيح انهم يتنصلون منها ولكن لايدنونها، ولايدينون القائمين بها أو القائلين بضرورتها، وسيبقى معلقا في عنق الجماعة، كل فعل أو قول، وكل قطرة دم أريقت بأيدي المتأسلمين، حتى يعلنوا براءتهم منها، ويعلنوا إدانتهم لها. النفاق الناصري لايشعر البط البري بحقيقة مأساته، إلا عندما يرى البط الطائر محلقا في الفضاء هكذا يبدأ الدكتور رفعت السعيد القسم الثالث من كتابه عن التيارات السياسية في مصر ويتناول في هذا القسم الناصرية: الاسطورة والواقع ويؤكد أنها أكثر التيارات التي تعرضت للتمجيد والهجوم معا كظاهرة، وفكرة، وممارسة، الأنصار والخصوم نظروا إليها.. بعين واحدة إما حب مفرط أو كراهية ملتهبة، ربما لأن هذه عادة من عادات فكرنا العربي في شقه السلبي، وربما لأن ناصر نفسه كان كذلك مفرطاً في حبه وفي كراهيته ويقول إن البعض ظل يستظل بظل الناصرية، وينعم في رحاب نعيمها وينال من فيض الاغراق على المتسلقين والمتزلفين، والمؤيدين، بلا تردد، وبلا ترو، وما إن كانت لحظة الغروب، حتى انقض هذا البعض مهاجما، بعد أن نفض عن نفسه رداء النفاق الناصري، ليرتدي الزي الجديد. وزاد الناصريون الأمر تعقيدا، لرفضهم أي محاولة لنقد التجربة، وهو ما يوحي بعدم جدية ما يقولون به من دفاع عن الديمقراطية أو التمسك بها ولو أنهم انصفوا أنفسهم وحلفاءهم، وأنصفوا فكرتهم لبادروا، وسبقوا الجميع بنقد ذاتي شجاع، ينتقد ما كان من أخطاء، وهي كثيرة ولو فعلوا ذلك لفتحوا أمام فكرتهم، وأمام حزبهم أو تياراتهم، صفحة جديدة، لكنهم، للأسف، لم يفعلوا. ميراث يوليو ومنذ بداية السبعينيات تنازع الجميع ثورة يوليو الناصريون أنفسهم أصبحوا مراكز قوى أما المنقلبون عليهم الذين عاشوا موائد الناصرية، أصبحوا يفرقون بين ثورة يوليو والناصرية وتبارى كثيرون ممن تنكروا لها، وعاشوا في ظل الساداتية، في إشاعة مثل هذا التفريق، في محاولة لـ «استلاب يوليو من الناصرية والأمثلة عديدة على ذلك». وسط بلا مواقف ! وحتى الأحزاب السياسية، حرصت على اقران برامجها بـ «الثورة». وفي انتخابات مجلس الشعب عام 1984، خاض الحزب الوطني الديمقراطي «الحاكم » الانتخابات ببرنامج انتخابي يقول فيه إنه هو التعبير الحي عن الالتزام بتطبيق مبادئ يوليو، من أجل الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية وتأصيل الديمقراطية، وذلك على الرغم مما هو منسوب إلى هذا الحزب من تحد لتجربة عبد الناصر، بعد أن أسسه الرئيس الراحل أنور السادات. كما حرص حزب الوفد الجديد على النهج نفسه، ويقول في ورقة تحمل عنوان استدراك، ومضافه إلى برنامجه العام الأول، إن المؤسسين لحزب الوفد الجديد يعلنون تمسكهم بالقيم والمبادئ والمفاهيم التي استقرت في ضمير الشعب، ومبادئ 23 يوليو الستة، وثورة 15 مايو الاشتراكية الديمقراطية ويقرر حزب الأحرار الاشتراكيين في برنامجه أنه الامتداد الطبيعي لثورة يوليو. مجلس قيادة الثورة يشكل تحالفا بين جبهات ثلاث: الشيوعيون منظمة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو»، والاخوان المسلمون، وكتلة الوسط التي يمثلها عبد الناصر ورفاقه، والتي سيطرت على المجلس عام 1954 ولذلك فإن عبد الناصر لم يكن ينتمي إلى اليمين الاخواني، ولا إلى اليسار الماركسي، بل كان موقعه أقرب إلى «الوسط الليبرالي» وهو كان من الذكاء واللباقة، بحيث جعل اليمين يضع فيه أملا، واليسار يضع فيه أملا، ولا يتورط بأي التزام. مسارات الثورة ويستعرض هذا القسم من كتاب الدكتور رفعت السعيد المسارات الرئيسية للتجربة الناصرية. وأولها: المعركة الوطنية التي واجه فيها عبد الناصر الاستعمار والصهيونية، والحقيقة أنه يندر أن يوجد زعيم عربي خاض معركته ضد الاستعمار والامبريالية والصهيونية بكل هذا القدر من الحماس والفعالية.. وكل هذا الإصرار والتواصل، الأمر الذي استحوذ به على كل هذا القدر من التأييد الشعبي، والجماهيري واتقن الاستفادة من معركته هذه، سواء على الصعيد الدولي أو العربي أو المحلي، أو حتى في صراعاته مع خصومه المحليين ولم يعد عبد الناصر مع نهاية عام 1956، مجرد رجل قوى ضمن رجال الإنقلاب «ثورة يوليو» إذ كان قد أصبح زعيما كاريزماتيا. الميثاق والمسار الثاني للتجربة الناصرية، هو التطور الاجتماعي، والمتمثل في إصدار عبد الناصر لمجموعة من القوانين الخاصة بالتملك سواء في الأراضي الزراعية أو العقارات وغيرها، إلا أنه كان يعتمد في ذلك على رؤية مجردة لا تستند إلى دراسة متأنية لتاريخ نشأة الرأسمالية المصرية على وجه التحديد وعلى الرغم من أن الميثاق دستور الثورة ينص على أن يكون للعمال والفلاحين الحق في نصف مقاعد التنظيمات الشعبية والسياسية على جميع مستوياتها، بما فيها المجلس النيابي، باعتبارهم أغلبية الشعب، إلا أن ذلك لم يحدث أبداً. ويلقي المسار الثالث للتجربة الناصرية الضوء على مؤسسات، وأساليب الحكم الناصري وكان أول إجراء يمس البنية التشريعية اتخذته الثورة هو اسقاط الدستور وحل جميع الأحزاب السياسية ماعدا الاخوان المسلمون وصادرت أمولها، وأعلن عن قيام حزب وحيد في عام 1953، هو هيئة التحرير لينتهي الأمر إلى استجماع السلطة في قبضة واحدة، وتأجيل عودة الدستور والبرلمان واصبحت المؤسسة العسكرية هي سلطة العقد والحل وأدت عملية استقواء عبد الناصر بالعسكر إلى منافسة خطره أضعفت النظام، وأربكت خطاه، وقادته إلى هزيمة 1967، ثم ما بعدها. وكانت نسبة العسكريين في التركيب الوزاري قد ارتفعت من 26.3% في يونيو 1953، إلى 65.4% في يونيو من عام 1967! اليسار والتأسلم يتناول القسم الرابع والأخير من كتاب الدكتور رفعت السعيد عن التيارات السياسية في مصر، حزب التجمع كتجربة حية لـ «تعددية» الفكر ووحدة التنظيم والموقف السياسي والدكتور رفعت السعيد هو الأمين العام لهذا الحزب، ولذلك فهو يتساءل قائلا للقراء هل ستصدقونني إذا قلت إنني سأحاول أن أسطر هنا كتابة موضوعية ؟ وفي البداية يتساءل الكاتب أيضا: لماذا قرر السادات أن تكون هناك تعددية حزبية ؟ ويقول إن السادات كان يحمل في قلبه وعقله رفضا للتجربة الناصرية أو على الأقل لما آلت إليه هذه التجربة.. فلا هو مع الميثاق،ولا بيان 30 مارس، ولا كل هذا الطنين المتواصل من شعارات كانت متألقه بأحرفها، ومنطفئة في الممارسة الواقعية. وبعد عام 1973 وانتصار أكتوبر أصبح في امكان القائد المنتصر أن يفعل أي شئ وأن يغير اتجاه الريح، بعد أن شعر بضعف الاتحاد الاشتراكي خلال مظاهرات الطلاب اليساريين وخشي من استمرار تطور هذا الاتحاد وخطر تحوله الى أداه ضغط على النظام وتوجهاته الجديدة ولذلك لجأ السادات الى تيار الاسلام السياسي ليطرق الحديد بالحديد وتحالف مع جماعة الاخوان، ولما لم تسعفه وحدها، أسهم رجال في تشجيع، وحتى في تكوين الجماعات الاسلامية بالجامعات. لتخلو الساحة لتيارين فقط في مواجهة بعضهما البعض. يسار واسلام سياسي. التجربة التجمعية ويقول المؤلف: عندما قرر السادات أن لليسار منبراً واحدا وحيداً، رأينا نحن أن ذلك غير صحيح، لم نحاول أن نحتكر هذه الرخصة بل أكدنا قولا وكتابة وفعلا أننا نعترف بوجود فصائل سياسية يسارية أخرى في ساحة الفعل السياسي لدينا في حزب التجمع ماركسيون، ولكن ليس كل الماركسيين، ولدينا ناصريون، ولكن ليس جميع الناصريين، وأن هناك ماركسيين وقوميين وناصريون وفصائل يسارية أخرى ليست ممثلة في التجمع، ويحترم التجمع وجودها، ويدافع عن حقها في الوجود، وعن حقها في الاعتراف الرسمي بها وعندما وجد عدد من الناصريين ـ فيما بعد ـ أن حزبا ناصريا قد تكون انضموا اليه دون غضاضة منا بل كنا نعتبر ذلك أمرا طبيعيا ولعل الكثيرين يعرفون أن أول اجتماع تأسيس لحزب ناصري عقد في ضيافة التجمع، وفي مقره المركزي. لكن ماذا يعني ما ذكره الدكتور السعيد عن أن التجمع ملتقى طرق وليس مفترق طرق؟ يقول: كنا ملتقى لكل من أراد التوحد معنا، مؤسسا وفاعلا في حزب التجمع، دون أية منازعة، أو دعوة للتفريق أو الافتراق، في صفوف اليسار حيث أن فكرة التجمعية، هي تعددية الفكر ووحدانية الموقف السياسي والتنظيمي، وتشكلت في صورة ممثلين للفصائل الفكرية المختلفة: الناصريون، الماركسيون، القوميون، البعثيون، تيار ديني مستنير مسلم ومسيحي. وأعداد متفاوتة من هذا التيار أو ذاك مختلفة والناصريون بتوجهات مختلفة وأن هذا المكون الخليط لم يكن يشكل سوى أقل من 10% من مجموعة العنصرية. ويضيف السعيد موضحا أن: تلك العضوية التي تشكلت بشكل أساسي من مواطنين ذوي تعاطف مع الفكر اليساري عامة، أتوا الينا لأنهم كانوا يحلمون بحزب يدافع عن الفقراء، ويحمي مصالحهم، ويطالب بالحريات العامة لكن الصوت الأعلى كان لهذه العشرة في المائة ورويدا رويدا اعتاد الجميع أن يفكروا معا، وأن يصنعوا آراءهم معا، وان يستمر ذلك لخمسة وعشرين عاما منذ عام 1976 فان فكرة التيارات داخل حزب التجمع أخذت في التلاشي. القاهرة ـ ماجدة عبد البديع: