عندما يتعرض العالم الى أزمة سياسية عالمية يتعاظم الحديث عن جانبها الاقتصادي والتساؤل عن الأطراف الرابحة والخاسرة ومن قلب هذه الازمات يتجدد الحديث كل مرة عن التأثيرات على المنطقة العربية وكان آخرها مايسميه البعض بمرحلة مابعد 11 سبتمبر حول هذه القضية التقت «البيان» بالخبير الاقتصادي البارز الدكتور ابراهيم العيسوي المستشار بالمعهد القومي للتخطيط وأحد أبرز خبراء الاقتصاد في مصر. كانت البداية بالسؤال عن احداث سبتمبر ومدى تأثيرها على الاقتصادات العربية؟ ـ ويقول العيسوي: ان أحداث سبتمبر اضافت الى رصيد من المشكلات كان قائما بالفعل ولا يمكن تعليق كل مظاهر الأزمة الحالية على شماعة سبتمبر وحدها فمنذ عامين وهناك بوادر لأزمة الركود والسيولة التي هي في الواقع انعكاس لازمات هيكلية تعانيها الاقتصادات العربية منذ فترة طويلة باعتبارها اقتصادات لم تتجاوز بعد مرحلة التخلف، وفي الحقيقة تضخم بعض مظاهر الركود راجع الى عيوب في الجسد الاقتصادي لأن عناصر المناعة ضعيفة ومايضاعف من وطأة الأزمة أن الاقتصاد العربي يعتمد بشدة على الخارج للحصول على مصادر من النقد الاجنبي سواء في مجال السياحة أو صادرات البترول والعاملان في اتجاه تنازلي. * في ظل هذه الأوضاع الا توجد بدائل يمكن الاعتماد عليها؟ ـ لا توجد بدائل حقيقية ومستقرة الا بتقوية القاعدة الانتاجية المحلية، وزيادة الاعتماد على الذات في الانتاج وتمويل الاستثمارات من المدخرات المحلية الى جانب استخدام العلم والتكنولوجيا وبناء قاعدة علمية وتكنولوجية تخاطب المشاكل الحقيقية في المجتمعات العربية فضلا عن الاهتمام بعنصر من عناصر التحديث المهملة والتي تتمثل في ايجاد نموذج جديد للتعليم. * تردد الحديث كثيرا عقب أحداث سبتمبر حول امكانية عودة الأموال العربية المهاجرة والمستثمرة في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد القوانين المقيدة للتعامل بسبب الأحداث ورأى البعض انها يمكن ان تعاد الى موطنها الأصلي والبعض الاخر يرى أنها سوف تذهب الى أوروبا ماتعليقك على ذلك؟ ـ الأموال العربية يصعب حاليا تقديرها لان هناك أرقاما مختلفة ذكرت عن حجمها ولكن هذه الأموال لا تعرف موطنا فهي تذهب حيث فرصة الاستثمار الآمن اذا ظلت السياسات الاقتصادية قصيرة الأمد في المنطقة العربية ونفس المناخ الاستثماري فستظل بالخارج وقد تتحول من مكان لاخر استجابة لعوامل الربحية، والأمان، وللاعتبارات السياسية أما نقطة الخوف من تجميد الأموال ليس بالضرورة ان ذلك سوف يعيد الأموال العربية لانها لا تمثل طبيعة واحدة بعضها استثمار مشروع وطبيعي وهي استثمارات قد تقوم بها الدولة تستثمر جزءاً من فوائض البترول في استثمارات بالخارج وهذه أموال استثمار عادي تخرج من هنا لهناك بينما هناك أموال تخرج بطرق تم اكتسابها بشكل غير مشروع وتنتقل من مكان لاخر خوفا من الشبهة وبعضها لم يأت للوطن ولم يخرج ايضا من موطنه لأنه يكون نتيجة لعمليات مقاصة وتواطؤ بعض المسئولين الحكوميين أو الشركات الخاصة أو الأفراد بما أدى الى استبقاء هذه الأموال في الخارج وعدم دخولها للوطن وعدم خروجها منه كما يحدث في حالة العمولات التي توضع في الخارج وجزء كبير من نشاط الشركات المتعددة الجنسيات تعاملات بين الشركة وفروعها وقد يتم التلاعب بتسعير المدخلات أو المكونات أو بتسعير المنتجات بغرض استبقاء جانب من ايرادات الشركة الأم في المكان الذي تراه مناسبا وهذه الأموال لن تعود، ذلك الى جانب الأموال الأخرى التي ترتبط بتجارة المخدرات والسلاح والتي قد لا تدخل الا اذا مرت بدورة كاملة وطويلة من غسيل الأموال في الخارج ثم تعود والحقيقة أن الأمل ضعيف في عودة الأموال العربية الى موطنها الأم. اليورو الخليجي * هناك توجه حدث مؤخرا بدول الخليج وهو اصدار (يورو خليجي) بمعنى اصدار دينار عربي يتم التعامل به بين دول الخليج.. الا ترى أن ذلك قد يكون خطوة في طريق السوق العربية المشتركة أو الاندماج العربي؟ ـ حاليا يوجد مايسمى بالدينار العربي الحسابي وهذا تعاملت به دول الخليج منذ مدة، ولكن للاسف الشديد العرب متخلفون بشدة في مجال التعاون النقدي والمصرفي فيما بينهم هل يعقل ان يأتي شيك لأحد الاشخاص في دولة عربية من دولة عربية اخرى مسحوبا على بنك أمريكي ولا تستطيع صرفه في مصر على سبيل المثال الا بالرجوع الى وكيل البنك الأمريكي ويحول الشيك للتحصيل في الولايات المتحدة لتصل قيمته الى الثلث.. ماالذي يمنع وجود شبكة مقاصة عربية والشركة تعمل في بيروت أو عمان بحساباتها في بنك أمريكي، فالمؤسسات المصرفية ضعيفة في العالم العربي وهناك حاجة لدمج كثير من المؤسسات الكبيرة والمصارف وشركات التأمين سواء داخل البلد الواحدة أو البلدان العربية وان تتم المعاملات بين الأطراف العربية بعضها وبعض دون شريك أجنبي. وأنا أرى أن توحيد العملة العربية خطوة سابقة لأوانها فالمفروض الدخول في مشروعات للتعاون الزراعي والصناعي كما رأينا في حالة أوروبا وتوحيد العملة بها جاء في مرحلة متأخرة للتعاون الاقتصادي والاقتراب من الوحدة السياسية في الاتحاد الأوروبي، نحن نحتاج لارساء أسس التعاون في مجال العمل العربي الاقتصادي المشترك. * ألا توجد مخارج للازمة الاقتصادية العربية الحالية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي؟ ـ لا بديل عن الاعتماد على الذات وتقليل التبعية الاقتصادية وهذا الاعتماد له شق محلي وشق خارجي فيجب أن يكون الاعتماد على عناصر القوة الاقتصادية الجماعية للبلاد العربية بينها وبين بعض وبينها وبين الدول الاسيوية والافريقية لان الجهد المطلوب للتنمية يجب أن يحقق تنمية شاملة مضطردة وهو جهد كبير تنوء به دول عربية كثيرة وافريقية واسيوية صغيرة لانها دول صغيرة الحجم سكانا ومواردها يجب ان تتضافر فى هذه الجهود بما يشكل دعامة قوية للتنمية هذا فضلا عن كونه يشكل درعاً مهماً لحمايتها في الأسواق العالمية وفي مواجهتها وفي تقوية موقفها لمواجهة المنظمات الدولية وذلك يحتاج الى قدرة تفاوضية كبيرة في المنظمات والمحافل الدولية والتي نفتقدها كثيرا. وعن المشاركة الأوروبية أرى انها يجب أن تكون مع من يحملون نفس الهموم ومن يقتربون من الأهداف ففي حالة الجمع بين القوي والضعيف بالتأكيد سيكون الغانم هو العنصر الأقوى وهو الأوروبيون وماحدث في ظل انفتاح على الخارج يقدم درسا لنا لما يمكن أن يحدث اذا زاد الاندماج مع كتلة خارجية مثل الاتحاد الأوروبي تصبح سوقاً مفتوحة امام منتجات هذه الدولة تتدفق بضراوة مهددة الصناعات المحلية بينما لسنا مستعدين بعد للاستفادة من فتح أسواق في هذه الدولة ولم نأخذ فرصتنا الكاملة في زيادة القدرة التنافسية. * تكرار الأزمة الاقتصادية على المستوى العالمي جعل هناك تغيراً في النظرة الى كفاءة الأخذ بنظام السوق ومقولة ان الاقتصاد الحر هو طريق الخلاص من المشاكل الاقتصادية أصبحت مثارا للشك ما رأيك في ذلك؟ ـ بالفعل سياسة الاقتصاد الحر وتفعيل المؤسسات التي تضمن توازن القوى من خلال هذا النظام اصبحت محل مراجعة مع كبار الاقتصاديين الغربيين وبفعل الازمات المتوالية التي تعرضت لها دول كثيرة من جراء ترك الأمور لقوى السوق فالثقة المفرطة في قدرة السوق على استعادة النشاط الاقتصادي ولاحداث التوازن ثبت فشله في أحداث الأزمة الآسيوية، ومن قبلها المكسيك والبرازيل وروسيا ومن بعدها الأرجنتين حتى الرئيس الارجنتيني وهو شخص ليس باليساري أعلن في خطابه الخاص بقبول الترشيح أن نموذج اقتصاد السوق الحر قد ثبت فشله لأن هذا النموذج دفع بـ 2 مليون مواطن الى نطاق الفقر ودمر الطبقة الوسطى وحطم الصناعات الارجنتينية وسحق عمل الشعب الارجنتيني. وادى الى افلاس الارجنتين وصرح الرئيس الارجنتيني بأنه يجب حماية الصناعة الوطنية وقيام الدولة بخلق فرص عمل. نفس الرأى أعلنه كبار الاقتصاديون في العالم فهم يرون ان اقتصاد السوق لا يمكن الوثوق فيه لتحقيق تنمية متوازنة لا على المستوى القطاعي ولا على المستوى الاقليمي ولا على مستوى الفئات الاجتماعية وان هذا النموذج على خلاف النظرية لا يصحح اخطاءه ذاتيا خاصة اذا تفاقمت الاخطاء في هذه الحالة ولا بديل لتدخل الدولة لاخراج الاقتصاد من أزمته فهناك اعتراف بنواقص نظام السوق الحر ورد اعتبار للآليات للتدخل من جانب الدولة لتصحيح انحرافات النظام وبالتالي ذلك ينبهنا الى اهمية تصحيح السياسات الراهنة وتصحيح ادارة الاقتصاد حتى يكون هناك مزج بين التخطيط والسوق وبين العام والخاص ويجب أن يسقط شعار الاقتصاد الحر في المرحلة الحالية ويحل محله الاقتصاد المختلط القائم على العام والخاص معا وعلى نظام للتخطيط يوجه للسوق ويتحكم في حركته وذلك على خلاف الحادث الآن وعلى امتداد فترة الانفتاح الاقتصادي بنظام التخطيط أصبح نظاما يحركه السوق أكثر من كونه نظاماً لتحريك السوق ذاته كما ينبغي ان يكون، ففي الحالة المصرية يجب تدخل الدولة لأن حجم المشكلة كبير على قوى السوق وهذا ماتشهد به التجارب الخارجية فلم تحدث تنمية بقوى السوق، وكان تدخل الدولة ضروري ومطلوب وليس فقط التدخل بالاشكال غير المباشرة ولكن في اشكال كثيرة كان التدخل يتم بطرق مباشرة سواء بالتدخلات الادارية أم بدخول الدولة في مجال الانتاج والاستثمار ويجب التخلي عن هذا الشعار لانه لا يعبر عن حقيقة علمية ولا عن واقع عملي نعيشه ويبدو اننا نتظاهر بالتخطيط والتحكم في المتغيرات الاقتصادية وسعر الصرف في مصر أبرز دليل فالبنك المركزي يتظاهر بأنه يتخذ قرارا بتجديد سعر الصرف بينما هو يلهث وراء حركة السوق فيحدد سعرا يكون السوق قد وصل اليه وربما يكون بصدد تجاوزه وتتكرر العملية كل فترة وحدث ذلك ثلاث مرات خلال عام 2001 وهذه صورة للتظاهر بالتخطيط والتحكم في المتغيرات هناك تبعية للسوق وليس قيادة له ويجب على الدولة أن تقود حركة السوق ولا تتبعه وان تقود القطاع الخاص وتوجه حركته ولا تكون أثيرة لمصالحه الضيقة. أزمة الدولار * بمناسبة الحديث عن سعر الصرف تشهد مصر مايسمى بأزمة الدولار وتلك الازمة تتكرر كثيرا ووصلت الى القمة خلال الاسابيع الاخيرة بعد ان تجاوز الدولار حاجز الخمسة جنيهات ماذا يعني في رأيك عدم الاستقرار في السعر وهل الخمسة جنيهات تمثل القيمة الحقيقية للدولار كما قدره البعض؟ ـ لا يوجد سعر ثابت يمثل القيمة الحقيقية للجنيه فتلك القيمة معرضة للتغير مع تغير الأوضاع الاقتصادية المحلية والخارجية ولهذا اعترض كثير من الاقتصاديين طويلا على تثبيت سعر الجنيه لسنوات طويلة ويعد الدفاع عن هذه القيمة الثابتة لو كانت رمزا وطنيا مهما تكلف ذلك من اعباء خاصة استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الاجنبي فاحتياطات مصر من النقد الأجنبي وصلت حاليا الى 14 مليار دولار بعد ان كانت قد وصلت الى 20 مليار دولار بما يعني اننا فقدنا الاحتياطات النقدية، التغيير في السعر مطلوب لا توجد قيمة تصلح لكل فترة وفي النهاية قوة الجنيه من قوة الاقتصاد المصري وستحسن قيمة الجنيه مع تحسن الاداء الاقتصادي وبتحقيق معدلات نمو اسرع وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية في السوق المحلي وفي الأسواق الخارجية مع زيادة درجة الاعتماد على القوى الذاتية في النمو الاقتصادي مالم يتم اصلاح حقيقي على هذه الجهات سوف تستمر قيمة الجنيه في التدهور بالنسبة للعملات الاخرى حتى لو تحولنا الى ربط الجنيه بسلة عملات أخرى هذا اجراء يخفف وطأة المتغيرات والصدمات الخارجية لتوزيع مخاطر التقلبات ولكن لا يكفي بذاته للحفاظ على قوة الجنيه المصري. * هناك تخوف شديد من تكرار السيناريو الأرجنتيني في مصر.. ما احتمالات ذلك وأين نحن من الحالة الارجنتينية؟ ـ هناك أوجه شبه بين الحالة المصرية والارجنتينية فالاصلاح الاقتصادي في البلدين بدأ في أوائل التسعينيات في نفس التوقيت وكان الاداء لا بأس به في الارجنتين حتى 98/99، وهناك شبه حول انتشار الفساد على نطاق واسع وخاصة فساد كبار المسئولين في الارجنتين وايضا سوء الادارة الاقتصادية وربط الجنيه بالدولار كما حدث بربط العملة بالدولار واستمرار هذا الربط لفترة طويلة وبعد ان بدأت تظهر عيوبه في صورة ارتفاع قيمة العملة الوطنية وانخفاض القدرة التنافسية للصادرات.. لكن الاختلاف أن الارجنتين تمادت في الاستدانة من الخارج فيما كانت مصر حريصة على أن تتفادى التورط في ديون خارجية كبيرة قد تراوحت مديونية الارجنتين مابين 130 ـ 150 مليار دولار أما الديون المصرية فهي أقل من 30 مليار دولار مع ملاحظة أن العامل السياسي له دور مهم جدا في خفض ديون مصر الخارجية في اوائل التسعينيات.. الخطورة تمكن في تكرار السيناريو الارجنتيني في مصر والاستمرار في نفس سياسة سعر الصرف ونفس نظام سعر الصرف بربط الجنيه بالدولار والاستمرار فيما يسمى بسياسة الاقتصاد الحر ووجود ميل متزايد الآن لدى الاقتراض من الخارج بدأ بموضوع السندات الدولارية بعد أحداث سبتمبر في محاولة لسد الفجوة باقتراض 2 مليار دولار. * لماذا نتبع في سياساتنا الاقتصادية النموذج الغربي في ادارة الاقتصاد وفقا لما يراه لنا ونتجاهل نماذج اخرى حققت نجاحا في اسيا مثل الهند والصين؟ ـ اقتصادنا مرتبط بالغرب واصبح النموذج الذي نصبو اليه هو النموذج الوافد من الغرب لدرجة أن بعض مفكرينا في نقاشهم لحوار الحضارات يعتبرون أن الحضارة العربية هي النموذج الوحيد الذي انتهت اليه حركة التاريخ الإنساني متجاهلا تعايش حضارات أخرى مع الحضارة الغربية.. إن المهمة الحقيقية للتنمية هي تغيير هذا النموذج واخطر شئ هو تبعية الفكر والثقافة فعناصر التحديث تتطلب نموذجاً جديداً للتعليم أو التربية بشكل عام، ففي مشكلة البطالة نحن نعتمد على استيراد تكنولوجيا من الدول الغربية التي لا تعاني من مشكلة بطالة هيكلية أو مزمنة وان واجهت في بعض الأوقات بطالة عارضة أو دورية توفر العمالة ولا تستهدف تكثيف العمل في العملية الانتاجية واذا استمر الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة ستظل مشكلة البطالة قائمة. حاورته في القاهرة : ماجدة خضر