ربما لا تثير الخاتمة التراجيدية التي انتهت عليها حياة ايلي حبيقة دهشة أي من اللبنانيين غير ان الانفجار الذي قضى على الوزير السابق يهز وجدان كل اللبنانيين إذ يخشون تجدد حرب التصفيات على هذا النحو، فمنذ نحو ثماني سنوات لم تسمع بيروت مثل هذا الدوي. مأساة حبيقة ليست في نهاية حياته بتفجير سيارته وانما في جانب أكثر دوياً، فعلى كثرة خصوم حبيقة وأعدائه لا تشير أصابع الاتهام في اغتياله إلى أي من هؤلاء الأعداء وانما الى حلفائه. تلك هي فاجعة حبيقة الحقيقية وهي في الوقت نفسه الخلاصة الأكثر بلاغة التي يمكن استخلاصها من تجربة حبيقة. ربما كانت خاتمة تقليدية لرجل يجسد بتجربته الذاتية نسيج الميليشي اللبناني الكلاسيكي الذي خاض الحرب الأهلية بكل أسلحتها وأدواتها وأساليبها. كذلك شب إيلي حبيقة وتفتح شباباً ووعياً على مشهد الاقتتال الطائفي فتحول إلى «ابضاي» سياسي وتوغل في الدم فلم تتلطخ به يداه فقط وانما تشربت به تلافيف دماغه كذلك. باندفاعه في الحرب الأهلية ونمذجته لمراحلها المتعددة كان ايلي حبيقة حاضراً بين قلة في كل فصول الحرب ومواسمها من التحريض الى الاستوزار ومن القنص الى الذبح الجماعي ومن التدمير الى اعادة البناء، في خضم كل ذلك توثب حبيقة من موقع إلى آخر واستبدل حليفاً بغيره وتشابك مع معظم القوى التي تقاطعت على الساحة اللبنانية، من الصعب الجزم بأن المحرك الأساسي لكل ذلك كانت مصلحة الوطن العليا. توقيت اغتيال حبيقة وليس طريقة الاغتيال يكتسب أهمية أكبر من محاكمته أو ذكر محاسنه، ذهب ايلي حبيقة ويبقى لبنان. على تعدد اعداء الوزير القتيل ثمة اجماع على ان المستفيد الوحيد من تصفية ايلي حبيقة الآن هي اسرائيل لاغير. اغتيال حبيقة يعني تغييب شاهد الاثبات ـ أو الملك ـ الاساسي على جرائم شارون في صبرا وشاتيلا، ايلي حبيقة أكد أكثر من مرة الاستعداد للمثول أمام قضاء نزيه ـ المحكمة البلجيكية ـ للادلاء بالمعلومات التي يملكها ـ وهو يعرف أكثر من غيره ـ عن مجزرة 1982. بغض النظر عن نجاح ايلي حبيقة في اقناع متهميه ببراءته أو اخفاقه في ذلك كان شارون يدرك ملياً قدرة صديقه اللبناني على فضحه أمام الرأي العام العالمي. بقدر ما كان ايلي حبيقة يتطلع للمثول أمام المحكمة البلجيكية في محاولة لاثبات براءته من الدم الفلسطيني على قدر ما يحتاج شارون الى اسكات أي صوت من شأنه أن يزيد صورته في هذه المرحلة تشويها. هكذا تحول ايلي حبيقة شهيداً من أجل قضية يتهمه البعض فيها، لابد أن عائلات الضحايا يأسفون لاغتيال حبيقة في هذا التوقيت. الموساد لا يستهدف فقط تقديم خدمة لشارون بتغييب حبيقة، اسرائيل ترغب في تصدير أزمتها الداخلية إلى جيرانها، هناك مخاطرة فعلية بأن يؤدي اغتيال حبيقة إلى إرباك الساحة اللبنانية بأسرها، أسلوب الاغتيال يعيد مشاهد الحرب الأهلية إلى الذاكرة اللبنانية، اسرائيل تريد ايقاظ عصب الطائفية مجدداً. اسرائيل لاتطلب حاليا رأس ايلي حبيقة وانما يهمها كذلك تصفية حزب الله، شغل الساحة اللبنانية في هذا التوقيت إن لم يكن اشعالها يحدث فوضى أمام القمة العربية المرتقبة في بيروت. الوعي اللبناني يستطيع بالتأكيد أن يطوق الشظايا الناجمة عن الانفجار. عمر العمر