اعتبر محمد اسماعيل الأزهري، عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي السوداني المعارض ان منطقة جبال النوبة «غربي وسط السودان» في طريقها لتكون «محمية» امريكية ولبنة اولى في مخطط كبير لتقسيم وتفتيت السودان. جاء ذلك في معرض انتقاد حاد وجهه لاتفاق الهدنة في جبال النوبة التي وقعتها مؤخراً في سويسراً حكومة الخرطوم مع حركة قرنق، وفي سياق حوار مطول اجرته معه «البيان». وقال محمد الأزهري، وهو النجل الوحيد للزعيم السوداني الراحل اسماعيل الأزهري، الذي يلقب بـ «ابو الاستقلال» ان الحكومة سلكت طريقاً «انبطاحياً» غير خليق بانسان السودان لارضاء الولايات المتحدة التي هندست الاتفاق ورعته وانجزته عبر ممارسة ضغوط على الطرفين. وألمح الأزهري ضمناً إلى شكوك حول نقاط سرية في الاتفاق. لكنه حرص على الاشارة إلى ان هذا رأيه الخاص وليس رأي الحزب. وأعمل الأزهري، خلال الحوار، مبضع الجراح الماهر في اكثر من موضع بالجسد الاتحادي، ليخرج بالنتيجة ان كل ما من شأنه الانتقاص من هيبة ومكانة وصحة وعافية الحزب لن تقوم له قائمة بفعل «الارادة الاتحادية». وتوقع الازهري عودة وشيكة من المنفى لزعيم الحزب محمد عثمان الميرغني دون ان يدخل في تفاصيل، لكنه دافع عن فكرة انعقاد مؤتمر تداول للحزب في القاهرة بدلاً من عقده في الخرطوم. وخلال الحوار كرر الأزهري اكثر من مرة تحذيرات من خطر التقسيم والتفتيت الذي يهدد مستقبل السودان، اذا مضت الحكومة قدماً في الاستجابة للتدخلات الأجنبية.. وفيما يلي نص الحوار: النضج الحزبي ـ الأحزاب السودانية عموماً لا تخلو من مشاكل وانشقاقات تتفاوت درجة حدتها ومن بينها الاتحادي الديمقراطي هل يمكن القول انه وبعد 46 عاماً من الاستقلال مازالت هذه الاحزاب عبارة عن مشروعات حزبية وما هو تصوركم للحزب الناضج الفاعل؟ منذ بدء الخليقة هنالك اختلاف في وجهات النظر بين الناس هذا هو الناموس الطبيعي للكون لان الله لو شاء لجعل الناس امة واحدة ولكن شاءت مشيئته ان يكون الناس ضروباً وقبائل والى اخر هذه التعددية التي خلق الله عليها الكون.. وقد يكون مصدر هذه القناعة عند بعض الناس ان الاختلاف غريب وبعض الناس يعتبرونه غير مطلوب.. قد يكون مصدر هذه القناعة هو طول عهد الناس بالقمع والديكتاتورية والاحادية والفرضية من الفرض «وليس الفرد» وهي في حقيقة الأمر فرضية للفرد.. ظللنا في السودان، أكثر من ثلاثة ارباع عمرنا المستغل نرزح تحت نير الديكتاتوريات والتسلط والقهر لذلك يتصور بعض الناس ان الصورة الطبيعية للاشياء ان يكون هناك رأي واحد كما للسلطة القهرية الاحادية القائمة الان والتي كانت قائمة ابان الحقبة المايوية وحتى في فترة حكم الراحل عبود. مثل هذه القناعة غير واقعية لان واقع الأمر ان الانسان بفكره وواقع الأمر ان هذا الفكر يطرح على الناس ويتحزب له من يتحزب أو يتحزب ضده من يتحزب. الأحزاب في السودان ونتيجة لفترة الانقطاع الديمقراطي التي مرت بها البلاد، تقاصرت تجربتها عن بلوغ مراميها ببلوغ شأو عال من الممارسة الديمقراطية تضاف هذه إلى تلك لتجد ان هناك قناعة غير واقعية لدى البعض من الناس بأن هذه الأحزاب مختلفة ولا تتفق على رأي والى آخر هذه الصورة التي يغذيها أيضاً الاعلام الشمولي الاحادي. هنالك ضرورة لان يكون هنالك «ثوابت» وطنية يتفق عليها، وتضمن هذه المعاني الوطنية غير المتجادل حولها من الدستور. وما دون ذلك هو قطعاً عرضة لشتى انواع الاختلاف في الرأي وهذا مطلوب لحيوية أي مجتمع أو حزب.. الحزب الاتحادي الديمقراطي قياساً على هذه الوتيرة خصوصاً، حزب يتفق اهله على مجموعة.. القيم الأساسية المبدئية التي لا يحيدون عنها وما دون ذلك مفتوح لشتى أنواع التخريجات.. وما دون ذلك هو في حقيقة الأمر ان يكون دائماً ذا طبيعة برامجية أو اسلوبية، الاختلاف فيها وارد بل ومطلوب. لذلك ظللنا دوماً نقول ان الحزب الديمقراطي بخير وليس فيه هذه الصورة من الخلافات التي تخرج به عن اطار ما هو طبيعي من تفاعل بين البشر. الختمية والتحالف الفوقي ـ بالنسبة للحزب الاتحادي هنالك من يدعو للرجوع إلى ما قبل 1953م للاتفاق حول الفكر باعتبار ان 53 ليست هي 2002 وان التحالف الذي تم هو تحالف فوقي بين الختمية والاتحاديين مع وجود الخلاف في كيفية اتخاذ القرار اذ يتسلسل عند الختمية من اعلى إلى أدنى والعكس عند الاتحاديين؟ ـ لا ادري لماذا تم اختيار العام 53 تحديداً وهو الذي ان كانت هناك احداث وطنية تجعله ذا دلالة فهي الانتخابات الاولى التي جرت في السودان والتي جرت في نوفمبر من ذلك العام، وتم فيها فوز الوطني الاتحادي بأغلبية كاسحة، الشيء الذي لم يتكرر في تاريخ السودان من بعد على الاطلاق حتى هذه اللحظة، ان يفوز حزب بالاغلبية التي تؤهله ليحكم منفرداً لم يحدث ذلك الا في العام 1953م. انا لا ادري دلالة ربط 1953 بما قبله او ما بعده، لان ذلك العام قد شهد بداية الانجاز الاتحادي الاساسي في السودان وهو الانجاز الذي عبر عنه في صورة انحياز جماهير الشعب السوداني في غالبيتها العظمى لصالح الحزب الوطني الاتحادي وهو مسمى الاتحادي الديمقراطي آنذاك. ولعمري اذا ارادوا الرجوع لتلك الفترة، فهي كأنما التوحد والاتفاق حول الفكر. الدور المصري ـ ذلك لأن هناك من يقول ان الحزب توحد على عجل وبارادة غير سودانية؟ ـ هذا غير صحيح ومجافٍ لحقائق التاريخ لان الوطني الاتحادي قد كانت من قبله جبهة الكفاح التي خاضت معارك وملاحم وطنية مشهودة ضد الجمعية التشريعية وغيرها. النفس الاتحادي الذي كان قائماً في الساحة السياسية السودانية منذ البواكير الأولى لنشأة مؤتمر الخريجين، صحيح كان نفساً متعدد الرئات لكنه في حقيقة أمره كان جسداً واحداً في اطار التكوين، في طور النشوء، كان هنالك حزب الاشقاء، كان هنالك الحزب الاتحادي، كان هنالك الاتحاديون الأحرار كان هنالك وحدة وادي النيل.. الخ هذه الصورة التي كانت قائمة واتت كل هذه الأحزاب واندمجت في حزب الوطن الاتحادي عام 1952. كان للاخوة في مصر بقيادة محمد نجيب آنذاك دور في الاسراع بوتيرة حل المشكلة السودانية التي كانت قائمة آنذاك وهذا الدور كان اساسياً اذ كانت مصر الخديوية دائماً ما تعترض على الطريقة التي يرغب السودانيون في حل مشاكلهم عبرها وكانت تختلف مع انجلترا في هذا عدا آخر وزارة قبل ثورة يوليو. لكن عموماً كانت النظرة المصرية الخديوية قبل يوليو 1952م للسودان، تتشكل باعتباره العقبة التي تعترض مسار أي مفاوضات بين مصر وانجلترا.. اتت مصر محمد نجيب وثورة يوليو وعبدالناصر وغيرت هذه النظرة ووافقت على المبدأ الذي كان من قبل مطروحاً، من قبل الانجليز وهو مبدأ تقرير المصير.. وافق المصريون آنذاك عليه وانزاحت بذلك عقبة اساسية في سبيل أو باتجاه التطور السياسي في السودان وكان للمصريين هذا الدور، وطرحوا على اخوتهم في جنوب الوادي كما كان يسمى آنذاك ويحلو للبعض ان يسميه حتى الآن، طرحوا على اخوتهم في جنوب الوادي ان يساعدوا انفسهم أكثر بالتوحد في اطار ما يجمع الناس ويجعلهم صورة ابرز من الاراء والمواقف. طرحوا هذا على الهيئات الاتحادية والأحزاب الاتحادية المختلفة كما طرحوه على الأحزاب الاستقلالية وقد حدث فعلاً ان تم استحسان هذا الرأي ونشأ الوطني الاتحادي ليس بارادة مصرية وانما باستحسان رأي، رأي مطروح، فالحزب الوطني الاتحادي يطرح أساساً الديمقراطية، لم يخترعها هو، لكنه استحسنها كمبدأ أساسي لادارة الحياة الداخلية في دواخله ولادارة الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه كنظام للحكم. فاستحسان الرأي يختلف عن ان الحزب الوطني الاتحادي قد نشأ بارادة أجنبية أو مصرية او.. الخ. حدث هذا أيضاً في الجبهة الاستقلالية كما كانت تسمى وتوحدت أحزابها في حزب الأمة وخاض الوطني الاتحادي وحزب الأمة المعركتين، المعركة الانتخابية التي خاضاها كقوتين رئيسيتين في البلاد، اسفرت ما اسفرت عنه من فوز الوطني الاتحادي الذي حكم البلاد منفرداً وحقق انجازات تاريخية لعلها علامات بارزة في تاريخ بلادنا حتى هذه اللحظة. الرجعة إلى ما كان هي مطلوبة كاطار عام لروح متجدد يتشرب أو يستلهم المنابع الأولى والتي لم تتغير القيم الأساسية فيها اذ ان القيم التي كان عليها الناس في ذلك الزمن، ما زال عليها الناس حتى هذه اللحظة.. لكن الرجعة بهذه الصورة الماضوية هي طبعاً في اطار المستحيلات، فالناس تذهب في الحياة وتمضي إلى آفاق جديدة بمشاكل جديدة بأجيال جديدة برؤى واوضاع جديدة في كل مناحي الحياة. ما هو مطروح اليوم من مشاكل، قطعاً لم يكن مطروحاً في ذلك الزمان.. الروح التي كانت تعالج بها المشاكل قد يكون من المطلوب تجديدها، تلك الروح المتسامية عن الصغائر، تلك الروح المشرئبة نحو الثريا. مؤتمر القاهرة وفلسفة الائتمار ـ المؤتمر التداولي المرتقب بالقاهرة باعتباره قضية الساعة عند الاتحاديين يرى فيه البعض انه سرى الدعوة فيه للموالين لرئيس الحزب بصورة غالبة وانه بهذا الشكل يكرس الفردية وعند آخرين انه ائتمار ما بعده ائتمار، فيما يرى اخرون ان الحديث عنه هو حديث في الغيبيات، وهناك من يرى للحفاظ على اللحمة ان يتحول لورشة عمل تحت فهم محدد بينما يتساءل غيرهم لماذا لا ينعقد في الداخل.. من هنا السؤال هو: هل يعني تعدد الاسماء والاراء ان المؤتمر يحمل بذرة فنائه في احشائه؟ أم ماذا ترى؟ ـ أولاً المؤتمر هو مؤتمر تداولي، ولكن أياً كان المسمى فالفكرة ليست من وراء المسمى على الرغم من أهمية دلالات الالفاظ، ولكن الفكرة ان تكون هنالك عتبة تنظيمية اقدر يستند عليها الحزب الاتحادي الديمقراطي في هذه المرحلة ليلج بها أو عبرها افاق المرحلة المقبلة. وهذه لا تتم الا عبر الائتمار كمفهوم.. اذن المطلوب هو تحقيق هذا المفهوم الائتمار، سمه ما شتت تداولياً، تشاورياً.. الخ مجموع المسميات وكما قال احد الشباب «تداول، تشاور شيك سياحي، ريال.. الخ هذه المسميات». سمه ماشئت، لكن الهدف هو ان تتحقق قيمة الائتمار كأسلوب للحياة السياسية داخلياً في الحزب والحياة السياسية المطلوب ان تكون في السودان. الائتمار يحمل قيمة شورى أو التشاور أو التداول أو.. الخ ما تتفتق عنه ذهنيات الناس وتصيغه في شكل سياسات عامة غير فردية.. الائتمار في حقيقة الأمر هو قيمة ضد الفردية، لذلك لا يمكن ان يكون هنالك مؤتمر خصوصاً في الحركة الاتحادية يسعى لتكريس سلطة فرد باسم الحركة وهي مجافية للاصول التي نشأت عليها الحركة. من الطبيعي ان يكون هنالك اختلافات في الرأي فالحزب الاتحادي حزب مثقف مليء بأصحاب الرأي وهذه مفخرة ومحمدة للحزب.. لذلك من الطبيعي ان تتفاعل هذه الاراء في صورة حراك داخلي ليتبلور في نهاية المطاف الرأي الاسلم.. ولعل ما هو مطروح اليوم لم يكن مطروحاً قبل عامين أو ثلاثة من ضرورة ان يكون هنالك مؤتمر، لم يكن هنالك حديث بهذا المحتوى والمعنى، ولكن تصاعد وتيرة الحياة الداخلية بالحزب قاد إلى بروز هذا المفهوم، ضرورة الائتمار. هنالك كثير من المؤتمرات الداخلية عقدت، وتصاعد وتيرة هذه المؤتمرات كان لابد ان يؤدي في نهاية المطاف إلى ان تبرز فكرة ان يكون هناك مؤتمر في الحزب.. هذه الفكرة قد يعترض عليها البعض وقد يوافق عليها البعض الاخر، لكن الذي اراه الان انها تقريباً محل الاتفاق من الغالبية وهي في طريقها نحو التحقق أو ان تتحقق. لو كانت الاوضاع طبيعية لما احتاج الناس لأن يكون هناك مؤتمر تداولي الا بصورة استثنائية لكن الاوضاع اصلاً غير طبيعية.. هنالك نظام يفرض على الناس صورة معينة من القوانين المقيدة للحريات وصورة معينة من السلوكيات السياسية يريد النظام ان يكون الناس عليها في السودان، وكلها بالطبع مرفوضة. مثل هذه الاجواء وهذه القوانين والصورة القانونية القائمة في البلاد الآن، تعيق حركة الحزب الاتحادي الديمقراطي باتجاه قيام مؤتمر عام لانك لو لاحظت ان مثل هذه الاوضاع القائمة الآن هي اصلاً معيقة لصورة التواصل حتى في شكل حركة قيادات الحزب مع جماهيرها.. هناك عدد من قيادات الحزب في الخارج وهناك عدد في الداخل، الذين في الخارج لا يستطيعون الاتصال المباشر بالذين في الداخل وحتى الذين في الداخل لا يستطيعون الاتصال المباشر مع بعضهم البعض في بعض الاحيان. نحن ذهبنا من قبل إلى مدينة الابيض لاقامة ندوة في جامعة كردفان، منعنا. ففي لحظة دخولنا لمدينة الابيض امرنا قسراً بالذهاب فوراً إلى السجن، بمعنى ان حتى حركة القياديين في الداخل وحركة الحزب عموماً هي محدودة بمشيئة النظام الذي استن لنفسه من القوانين وفصل لنفسه من الصورة الدستورية القائمة في البلاد الآن ما يتيح له ما يحافظ على وجوده بالطريقة التي تحد من تحرك الآخرين. مثل هذه الصورة هي التي حدت بالناس إلى ان يكون هناك مؤتمر تداولي.. لو كانت البلاد تعيش الحرية الديمقراطية التي تعمل على تحقيقها، لكان التوجه نحو قيام المؤتمر العام وليس مؤتمراً تداولياً أو تشاورياً أو أية صورة أخرى من المسميات. الصورة القائمة الآن أي صورة النظام المتحكم الآن بالاضافة إلى حوجة الحزب الاتحادي الديمقراطي لقيمة الائتمار في حد ذاتها هي ما دفعت بنا إلى ان يكون المؤتمر خارج السودان. الختمنة والمرغنة ـ بدا الحديث عالياً بأن الاتجاه الماثل في الحزب الآن ينحو بعد ختمنته إلى مرغنته واستند أصحابه إلى ان مذكرات قياداته التاريخية اشارت إلى محاولات الاستيلاء المستمرة على الحزب.. في هذا الجو هل تتوقع بروز تيار تحديدي عالي النبرة خاصة في ظل ما يدور «لا قداسة مع السياسة».. وفي هذا السياق ما هو تعليقك على ما يتردد من ان هنالك تكتلاً يجمع قيادات اتحادية من بينهم الأزهري لقطع الطريق على تمدد نفوذ الختمية داخل الحزب؟ ـ هذا بالطبع كله كلام في اطار ما يتردد في مجتمعات كتحليل أو كتبرير أو أي نوع من أنواع ايجاد الاغطية الفكرية لممارسات بعينها.. بعض الذين يريدون ان يسلكوا سلوكاً سياسياً مغايراً كما هو قائم من توجهات الحزب الآن يلجأون إلى ان هنالك ختمنة ومرغنة و.. الخ ما شئت من أنواع تقزيم الحزب بصورة شخصية أو أسرية أو.. الخ هذه من الصورة. هذه الصورة التبريرية يطلقها بعض الناس، بعض الجهات الاخرى تدعي ان هنالك محاولة من خلفاء الطريقة الختمية للاستيلاء على الحزب.. هذا أيضاً يأتي في اطار ـ فيما أرى نوعاً من أنواع العجز الداخلي، الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي اعرف والذي أعمل فيه حزباً مفتوحاً وهو مفتوح لكل أعضائه من ابناء السودان يتقدم فيه الناس بحسب ما ننتوي ان نعمل عبر الأساليب الديمقراطية.. كانت هنالك فترة من الزمان فيها اضطراب وفيها كثير من المناوشات والانشقاقات أو محاولات الانشقاق وهي الفترة التي اعقبت الانتفاضة حيث ظهرت مسميات مختلفة للحزب من قيادة سياسية إلى وطني اتحادي إلى شعبي ديمقراطي.. الخ هذه الصورة الماضوية التي كانت مسميات مرحلة قبل. الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي نعيش فيه الآن هو حزب مفتوح، هو حزب وبطبيعة عمله المعارض لهذا النظام الصورة الديمقراطية فيه من ناحية ممارسة وليست من ناحية فكر منتقصة وذلك بحكم القوانين التي يفرضها النظام على الناس وليس بوجود أي سبب آخر.. الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي اعرف هو هذا الحزب الذي ننتوي ان يكون اقوى واقوى واقوى، يتداول فيه الناس ويتشاورون حول مختلف الاطروحات والبرامج التي تقود إلى ان ينفذ منها. تحدث في بعض الاحيان ان تكون هنالك صورة من صور الجنوح نحو تلكم المرحلة التي انقضت والتي شهدت الخلاف بين الختمية والاتحاديين وتحدث هذه الجنوحات من اعمامنا الذين عايشوا تلك الفترة، لكن نحن في اجيالنا الراهنة مبرأون تمام البراءة والابتعاد عن تشوهات تلك الفترة لا نعلمها ولا نحسها ولا نعرفها ولا ندري كيف كانت، لاننا لا نراها اليوم وانما قد سمعنا بها، لكننا لا نعايشها ونحن الآن لا فرق لدينا بين ختمي أو سمان لان المقابل لختمي ليس اتحادياً. وحتى في الدلالات الروحية الطرائقية، السماني ليس مقابلاً للختمي ولا الاسماعيلي ولا القادري ولا.. الخ هذه الطرق الصوفية.. الحزب الاتحادي الديمقراطي المدخل اليه ليس الطريقة الصوفية وليس الأسرة.. الحزب الاتحادي الديمقراطي ليس حزب فرد ولا اسرة ولا طريقة ولا طائفة ولا قبيلة ولا جهة ولا.. الخ هذه الصورة المنتقصة لقومية الحزب الاتحادي الديمقراطي.. الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي نعلم هو هذا الحزب القومي المفتوح لكل أبناء الشعب السوداني. لذلك مسألة اثارة ان هنالك صراعات بين ختمية واتحاديين، هذه صورة شائهة لما يدور في الحزب الاتحادي الديمقراطي، والذي ان وجدت فيه نوع من أنواع الصراعات هي ليست بين هذه المسميات وانما هي بين أعضاء الحزب الاتحادي الديمقراطي وهي خلافات أو اختلافات في الرأي حول اساليب العمل وليس حول المباديء. وجنحت بعض الصحف المحلية في الفترة الأخيرة لنوع من أنواع الاثارة عبر استخدام اسماء بعينها لخلافات متوهمة غير قائمة بحيث ان مثل هذه المانشيتات قد تؤدي إلى جذب القراء خصوصاً ان جمهور القراء من الاتحاديين جمهور كبير فيعمد بعض الكتاب إلى اختلاق هذه الصورة من الخلافات كيما يرافعوا به نسبة البيع لصحفهم أو.. الخ ذلك.. اما ما يدور في الحزب الاتحادي الديمقراطي فليس على هذه الشاكلة اطلاقاً. عودة الميرغني نعم ولا! ـ عودة احمد الميرغني بشرت بعودة شقيقة محمد عثمان رئيس تجمع المعارضة في الخارج دون تحديد مواعيد، هل تراها قريبة في ظل ما يدور في الساحة داخلياً وخارجياً؟ ـ نعم ـ وهل ستكون قبل المؤتمر أو الملتقى التمهيدي المقرر في مارس المقبل؟ ـ لا النظام الامثل ـ استطاع الراحل اسماعيل الازهري ان يشكل اول حكومة منفرداً بعد تحقيق أغلبية كاسحة في اول انتخابات برلمانية في السودان لم تتحقق لغيره حتى اللحظة هذا يقودنا لسؤال ما هو النظام الامثل لحكم السودان هل هو الرئاسي ام البرلماني في ضوء الائتلافات اللاحقة التي لا تلبث ان تنفض؟ ـ النظام الامثل بالنسبة لي هو الذي اتنفس فيه هواء طلقاً، النظام الامثل بالنسبة لي هو ذلك الذي لا يطاردني فيه شبح الاعتقال دون سبب سوى اني مناضل حر احمل رأياً حراً و ارفض ان يجلس أحد فوق رأسي كما اني لا اريد ان اجلس فوق رأس احد.. النظام الامثل الذي اراه هو النظام الذي يحقق الحرية أولاً ثم ليتفاوض الناس من بعد ذلك هل يكون رئاسياً او برلمانياً أم وزارياً ام رئاسياً وزارياً ام.. الخ اشكال التجربة الانسانية التي يمكن ان تطور ويمكن ان تطور نفسها.. لكن الثابت في كل هذا اننا نتجه نحو تحقيق القيمة الاساسية للنظام الديمقراطي وهي الحرية. جبال النوبة والحبر السري ـ يرى البعض ان المبعوث الأمريكي دانفورث يحمل بجانب نقاطه الاربع اجندة اخرى لمزيد من الضغط على الحكومة للحصول على الاستسلام بالاشارة في ذلك لموقفها المخالف لموقف الشارع في حرب افغانستان.. في هذا الاطار ماذا يقول الأزهري فيما يخص اتفاق جبال النوبة الذي يعتبره كثيرون بأنه مدخلاً لانتهاك سيادة السودان انطلاقاً من انه ثبت ان امريكا ليست وسيطاً نزيهاً؟ ـ النظام القائم اعطى كافة انواع المبررات لجهات عدة كيما تتدخل وبدأها بكارتر وبدأها بالايقاد والتي اعقبتها بعد ذلك مما صار هو الاسم المحبذ للتدخل في الشئون الداخلية وهي المبادرات.. مفهوم السيادة الوطنية في اطار ما هو قائم الآن من عولمة تغير ولم يعد هو مفهوم القرن الماضي القرن العشرين الذي انتفت كثير من مفاهيمه، كمفهوم السيادة الوطنية، مفهوم استقلال الاقتصاد أو الاقتصاد الحر المستقل، مفهوم الثقافة المحلية.. الخ هذه الجملة من المفاهيم تغيرت.. والعالم الان يمر بفترة تحول كبرى، اتت عليها اضافة إلى كل هذا أحداث 11 سبتمبر الماضي لتشكل علامة ارضية فاصلة بين مرحلة تاريخية انتهت يوم 10 سبتمبر ـ بدايتها كانت بداية الخليقة جائز ـ ومرحلة اخرى اتية.. الثابت في كل هذا ان امريكا دولة عظمى وتحتل هذا الموقع بلا منافس وارادتها مدعومة بشتى أنواع الدعومات التي يمكنها عبرها تحقيق هذه الارادة وما يحدث في افغانستان الان دليل على ذلك.. الموقف الذي اتخذه النظام ازاء كافة هذه القضايا وخصوصاً المتعلقة بالرأي الأمريكي تجاه السودان موقف اقل ما يقال عنه انه غريب. ليس هناك رق في السودان لان الحقيقة أصبحت معلومة للجميع.. الجهات التي تثيرها اذن تعلنها كقضية لتخفي بها اجندة اخرى، فجبال النوبة خصوصاً، الاوضاع القائمة فيها هناك توجد اوضاع اكثر مأساوية منها، في جنوب السودان وشرقه وشمال غرب السودان وشماله فلماذا يتم اختيار جبال النوبة وهل مثل هذه الاتفاقيات تخلو من اي نقاط تكتب «بالحبر السري؟» أو أجندة خفية بمعنى آخر؟ مثل هذه الاتفاقات التي تقوم، نحن نعتقد وهذا رأيي الخاص وليس رأي الحزب الاتحادي الديمقراطي بعد وآمل ان يكون كذلك.. هي بداية لتدخلات اجنبية مباشرة ـ التدخلات الأجنبية أصبحت لها قائمة ـ هذه بداية تدخلات مباشرة.. لان الرقابة الدولية لا يمارسها مدنيون على عسكريين.. الرقابة المدنية لا يمارسها موظف اغاثة على مقاتل.. الرقابة الدولية تمارسها قوات دولية.. واذا ما كانت هذه القوات الدولية تحت المظلة الامريكية اذن فهي القوات الامريكية. بمعنى ان جبال النوبة تتحول الآن اثر هذا الاتفاق إلى محمية امريكية، اصبحت منطقة خارج السودان. نأمل ان لا تتطور هذه الاوضاع إلى ما نعتقد انه سيقود إلى تقسيم السودان، ليس إلى دولتين بل أكثر وعلى الناس الانتباه والحذر في كل الخطوات ونحن سواء كنا في الحكم أو المعارضة علينا ان نلتفت للقضايا الوطنية أولاً.. لذلك يقول كثير من المعارضين الآن ان الانبطاح الحكومي الراهن غير خليق بالسوداني.. الانبطاح لأمريكا غير خليق بالإنسان السوداني الوطني ولا يفعله الا متشبث بالسلطة والتي لن تدوم واقول للنظام الآن.. ان من يتنازل عليه ان يقدم مزيداً من التنازل في كل مرحلة تأتي.. وان كان لابد لك ان تتنازل، فلتتنازل للقيم الوطنية ولابناء جلدتك.. تنازل للشعب السوداني.. تنازل عن الحكم للشعب السوداني الذي تحكمه قهراً ولا تتنازل لأمريكا. اتفاق قرنق مشار ـ هل ترى ان الاتفاق الذي تم مؤخراً بين قرنق ومشار له أي علاقة بما يجري في جبال النوبة؟ ـ قطعاً.. ظلت جهات كثيرة تتحدث منذ فترة ليست بالقصيرة عن ضرورة ايجاد جبهة جنوبية متحدة، قبل شهرين كانت هنالك محاولات لجمع الجنوبيين في نيجيريا وقبلها كانت هنالك محاولات لجمعهم في احدى الدول الأوروبية لايجاد جبهة جنوبية متحدة.. وينادي آخرون بايجاد جبهة شمالية متحدة للأحزاب الشمالية. بمعنى ان هناك جهات تسعى سعياً حثيثاً ومحموماً كيما توجد سودانين على الاقل احدهما شمالي والآخر جنوبي، وذلك عبر تكوين ارادة شمالية وارادة جنوبية، على عكس ما ينادي به التجمع. مثل هذه المساعي هي في حقيقة الأمر تفكيك للتجمع ان اتت من أوروبا أو أمريكا أو الجن الأحمر.. والانسياق وراء هذه المخططات الرامية إلى ايجاد ارادتين على الأقل في البلاد، هو انسياق باتجاه ايجاد دولتين في السودان، دولة السودان أو دولة جنوب السودان التي تسمى بكثير من المسميات، لكن واقع الأمر ان هنالك توجهاً حثيثاً نحو تشكيل ارادات متجمعة تقوم على الدين والعرق اللذين يشكلان ثقافة، بعرق شمالي بشتى تنوعاته عربي، مسلم تسيطر عليه الثقافة العربية الإسلامية ازاء عرق زنجي مسيحي أو تسيطر على قياداته الديانة المسيحية ليشكل ثقافة افريقية أو افريقانية كما يحلو للبعض ان يسميها. حتمية التاريخ هذا الوضع يقود بالضرورة إلى تقوية وتائر ارادة دولتين هذا هو ما تحذر منه، لان هذا هو المدى الاقصى للجهوية لأن هنالك جهة شمالية وأخرى جنوبية.. هذا هو ما نحذر منه وهو تفتيت البلاد.. النظام القائم الآن ينساق في هذا المخطط ويعتقد انه عبره قد يستطيع البقاء في الحكم لكنه لن يبقى لأن هذه حقائق التاريخ.. وهو لن يبقى في كل الحالات اذا كان هنالك سودانان أم سودان واحد فهذه حتميات التاريخ. ـ الاستناد هنا على حتمية التاريخ وليس على فعل يجبر النظام على ذلك؟ ـ اجبار النظام حتمية تاريخية أخرى لأن الظلم دولته قصيرة لأن دولة الظلم ساعة هذه هي الحتمية. لا يمكن لدولة تقوم على الظلم ان تستمر. هذا وضع حتمي. ـ تزامنت زيارة وفد «المؤتمر الشعبي» «حزب الترابي» لكم لدى احتفالكم بمنزل الزعيم الراحل اسماعيل الأزهري بذكرى الاستقلال، مع ما تردد من حديث لحاتم السر المتحدث باسم التجمع بالقاهرة ان التجمع يبذل جهوداً للتنسيق مع المؤتمر الشعبي ما هي مدلولات ذلك؟ ـ حاتم السر لم يقل ذلك. ـ اذن ما هو مدلول زيارة وفد المؤتمر الشعبي؟ ـ يسأل عنها ابناء السودان أو المؤتمر الشعبي. ـ من ثم ماهو تفسيرك للزيارة؟ ـ نحن أولاً لم يكن لدينا احتفال في يوم عيد الاستقلال وانما كنا كعادتنا ان يتواجد الناس في دار الزعيم الأزهري دار رمز الاستقلال، وفي مثل هذا اليوم يأتي اناس كثر من مختلف مناطق السودان من خارج العاصمة لذلك مثل هذه الزيارة هي بالنسبة لنا ليست بمستغربة حتى وان كانت الأولى.. فدار الزعيم بابها مفتوح ونحن نرحب بمن يقصدها وهذا خليق بنا في ذلك اليوم أو في غيره. اجرى الحوار: الصافي موسى