ان الأوضاع العالمية التي نتجت عن انتهاء الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبين الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي (السابق) قد أسفرت عن ظرف موات للدول الاسلامية وشعوبها يمكنها من تحقيق قدر من التقارب والتنسيق في السياسات، قدر لم يكن متاحا من قبل على مدى نصف القرن الأخير. الناظر في شأن بلاد المسلمين يرى ان هناك مخاطر تعرضت لها هذه الدول في الخارج، تراوحت أحداثها ما بين غزو واحتلال وتغلغل واختراق، وما قد يتهدد استقلالها وكل ذلك أصبح يتنوع نسبة لكل منها حسب الموقع الجغرافي وحسب الاحداث التاريخية التي جرت منذ أواخر القرن الثامن عشر. ومثلما استغلت «اسرائيل» الحرب الامريكية على الارهاب وصعدت عدوانها على الشعب الفلسطيني، ونجحت في ذلك، فإنها استغلت القضية إياها لتخوض تغلغلاً واختراقاً بطريقة اخرى في «آسيا» وبالتحديد في «جمهورية آسيا الوسطى» لتضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، ومنطلقة في أن الاستراتيجية العامة (أمريكية) والتنفيذ (اسرائيلي) والمصلحة المشتركة في عالم مطلوب تغييره برمته وفقاً لما يخدم مصالح القوى العظمى ومصالحها بالدرجة الأولى. فعندما انهارت الامبراطورية السوفييتية في لمحة بصر بنهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، فإنها خلفت وراءها جمهوريات حملت من الكراهية لروسيا ولم تخلف ميراثاً ثقافيا ايجابياً (فقد اعتمدت تلك الامبراطورية على القوة فقط في علاقتها مع تلك الجمهوريات ولا شيء سواها). وبزغ النظام الدولي الجديد مزججاً بأقواس النصر الغربي تارة وبرياح الفكر الصهيوني تارة أخرى، لامتلاك دينامية الفكر والثقافة لاحداث تحول حقيقي في القيم، وتنامي التقارب الاسرائيلي في منطقة آسيا الوسطى الذي ما كان أن يقوم لولا الغياب العربي والاسلامي عن الساحة الآسيوية، وبالقاء حزمة ضوء سياسية على هذا الواقع، يمكن الاستنتاج بسهولة ان هناك افتقاراً لرؤية استراتيجية تعزز الأمن القومي العربي والاسلامي في مواجهة الخطر الصهيوني، والذي يبدو انه تراجع في أولويات الدول العربية واهتماماتها، لاسيما وان علاقات الدول اليوم تحكمها المصالح لا المباديء والعواطف، وبجانب ذلك فإن هناك صورة غير واضحة المعالم لما يمكن ان يكون عليه العالم في مرحلة لاحقة، وان أخطر الخطوط التي تتضمنها هذه الصورة هو ما يتم فيه من استدراج للعقل العالمي وامكانية السيطرة على منابع هذا العقل الذي يخلط بين الفكر (الاستراتيجي) الذي يقوم على الثوابت العقائدية و(التكتيكي) الذي يقوم على المتغيرات السياسية عند البحث عن عمليات التسوية الراهنة للمعضلات القائمة في دول ذات كم من التداعيات لاسيما الاقتصادية منها، حيث تستولي الأحداث بكل جسامتها على عقول تلك المجتمعات وذاكرتها فتبدو الرؤى التاريخية والنظرية كما لو انها سيل من المواعظ التي لا وقت لها، اضافة الى التشكك في جدوى وجدية خطاب لا يقبل الترجمة الى الواقع. لهذا، فالحرب التي نحياها الآن مزدوجة، فهي أولاً على صعيد الذات التي يتطلب تحريرها من الاستلاب قدرا كبيرا من الوعي واستدعاء التاريخ شحنة محركة ودافعة، وليس تراكم أحداث وأخبار، وهي بالدرجة الثانية مواجهة الآخر، ولا يمكن لأي ذات محتلة ومفرغة من محتواها أن تستطيع التصدي للآخر عندما يقترب منها مخترقا أو متغلغلا أو متسلطا أو محركا لديناميكيتها. والحقيقة كانت توقعات الكثيرين من المحللين والمراقبين تذهب الى أن حروب المستقبل سوف يفجرها الصراع الاقليمي والعالمي حول الطاقة، وقد أجريت لهذا الغرض دراسات وأبحاث ووضعت استراتيجيات وطنية تتناول سبل التعاطي مع مثل هذا التحدي المقبل. وإلى ذلك، فإن أزمة مصادر الطاقة العالمية تشكل الوجه الآخر لأزمة المياه العالمية، وان كانت احتلت حيزا وافرا من متابعات وتحليلات واهتمامات الحكومات ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، فإنها لم ترق بصفة عامة الى مستوى التحدي العالمي الذي يشكل تهديدا باندلاع حروب تتورط فيها مجموعة من البلدان أو حرب عالمية يستهدف مفجروها اعادة رسم للخرائط الاقتصادية والجغرافية والسياسية طمعاً في الاستحواذ والسيطرة على احد ابرز اعصاب الدورة الاقتصادية العالمية ألا وهو مصادر الطاقة وتحديداً النفط والغاز. ولكن هذا هو ما حدث بالفعل فالجشع التوسعي الاستثماري والتهالك الجماعي من قبل كبار مستهلكي الطاقة لتغطية مراكزهم العجزية في مصادر الطاقة غير المتجددة لاسيما النفط والغاز ولتأمين امدادات آمنة ورخيصة منها الى اسواقها هذا الى جانب المناخ الدولي المواتي الذي وفرته هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، كلها عوامل محفزة ومشجعة للرؤس الحامية المندمجة مصلحياً مع المجتمعات الصناعية الحربية وشركات البترول الدولية. لهذا كانت الحرب ضد الارهاب الاداة الاكثر اغراء لاولئك لممارسة السياسة التي يمثلونها وينتظرون اللحظة المناسبة لتطبيقها في بقاع العالم وبتفسير اوضح بالسيطرة على منابعها في مناطق استراتيجية كما في السيطرة على آسيا الوسطى باعتبارها مفتاح السيطرة على القارة بأكملها. وبحسب رأي بريجنسكي مستشار الامن القومي السابق في ادارة الرئيس جيمي كارتر 1977 ـ 1981 والذي يعمل حالياً رئيساً مشاركاً لمجلس ادارة قوة العمل الاستشارية في مجلس الامن القومي في ادارة الرئيس بوش فإنه يرى «بالنسبة الى امريكا فإن المكافأة الجيوبولوتيكية الرئيسية هي يوراسيا» وقد شدد على ذلك بريجنسكي في كتابه «رقعة الشطرنج العظيمة التفوق الامريكي ومتطلباته الجيواستراتيجية». ويوراسيا، التي يقصدها هي كل المنطقة الواقعة شرقي المانيا وبولندا وتمتد عبر روسيا والصين الى المحيط الهادي وتشمل الشرق الاوسط ومعظم شبه القارة الهندية، وان مفتاح السيطرة على يوراسيا كما يذكر بريجنسكي هو السيطرة على جمهوريات آسيا الوسطى ومفتاح السيطرة على آسيا الوسطى هو «اوزبكستان» بسكانها الاكثر تجانساً من سواهم في الدول المجاورة من الناحية العرقية والبالغ عددهم 25 مليون نسمة والتي سيتضح دورها المحوري في خطة السيطرة على تلك المنطقة بعد تطوير شبكة انابيب النفط والغاز في كل من كازاخستان واذربيجان وتركمانستان. ولا غرو والحال هذه ان تسارع سياسة «أرهبة» العالم التي تشكل اسرائيل احدى ادواتها لجني اولى ثمار مكافأتها في الحرب ضد ما يسمى «بالارهاب» في «يوراسيا لاسيما اوزبكستان وطاجيكستان» فتقيم لها علاقات معها وحضور ثابت واعتمدت على تردي الوضع الاقتصادي فيهما واستخدمت مختلف انواع الدعاية الصهيونية وشركات تابعة لجهاز الاستخبارات الاسرائيلية فضلا عن تعاونها الحثيث مع عدد من الدول الاستعمارية، وقد تبنت اسرائيل عدة خطوط للتحرك في وسط تلك الدول ومن خلال مجموعة من المباديء والركائز الاساسية التي ترمي اولا الى تحسين الوجه الاسرائيلي وجعله مقبولاً لدى تلك الاوساط واظهار اهمية اعتماد هذه الدول على اسرائيل في اعداد وتأهيل كوادرها العسكرية اضافة الى تقديم كافة التسهيلات التي تتيح بناء علاقات مع انظمتها واظهار مدى قدرتها على خدمة هذه الدول عملياً وعسكرياً. وعليه، فإن مفهوم «الربط الاقليمي» جاء ليشير الى النقطة المحورية التي تلتقي فيها المصالح الاسرائيلية مع المصالح الامريكية في منطقة آسيا الوسطى، مع البحث في هذا الاطار عن افضل طريقة للحفاظ على هذا النظام الاقليمي وهذا يكمن في قيام شبكة من العلاقات بين دول تلك المنطقة «آسيا الوسطى» وعلى كافة الاصعدة مع اسرائيل وفي تكريس خضوعها وتبعيتها للمصالح الامريكية، وفيما يبدو فإن التقاء كل من المصالح الاسرائيلية والامريكية عند نقطة محورية تشير الى الاهمية التي لايزال يتمتع بها البعد الاقتصادي في تلك المنطقة، هذا الالتقاء يؤكد من جديد على خطأ التركيز على المواقف التكتيكية وتجاهل او اهمال المؤشرات الاستراتيجية التي تتبدى بوضوح لدى مختلف الاطراف في هذه المنطقة. لذا فالمسألة اذن ليست في من يملأ الارض من السكان ولكن في من يكون له «السيادة» على الارض التي يملؤها هؤلاء السكان والموقف الغربي في تماثل قائم مع الموقف الاسرائيلي حيث تحسم جميع القضايا التي تكون اسرائيل طرفا فيها لصالح التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي وصارت كل المصالح الاخرى توضع جانباً، هذا يعني اطلاق يد اسرائيل ومنحها الاولوية في المواقف المرهونة ما دامت الذريعة جاهزة والتغطية الغربية متوافرة. ويأتي الاختراق الاسرائيلي لمناطق عديدة في العالم وبصورة قوية ليعكس ابعاد ذلك الاختراق، ففي الوقت الذي يمر فيه العالم العربي بحالة وهن نجد الكيان الصهيوني يرتب منذ عدة عقود ادوات ووسائل واساليب اختراق للعالم الاسلامي لاسيما في المناطق ذات الاهمية الاستراتيجية واحداث فجوات يسهل عليه من خلالها ان يحدث سرطانا او اوراما في الجسد الاسلامي تسبب له الخلل والاهتراء. وفي هذا المنطلق فالاختراق الاسرائيلي امتد في العمق ويشار له على جبهة الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى والتي هي ضمن الجمهوريات الاتحادية الخمس عشرة التي استقلت في اواخر عام 1991 والتي تضم «كازاخستان واوزبكستان وطاجكستان وتركمانستان وقيرغيزستان والتي لم يمد العالم الاسلامي يده لها بالقدر الكافي بعد خروجها من الاسر الشيوعي فمدت اسرائيل كافة مساعيها لاستيعابها، وقام رئيس «قيرغيزستان »عسكر أكاييف بزيارة لاسرائيل في يناير 1993 فكان اول رئيس دولة اسلامية يزور الكيان الصهيوني منذ زيارة الرئيس المصري لها في نوفمبر 1977، والجدير بالذكر ان كلا من قيرغيرستان والكيان الصهيوني يقيمان علاقات دبلوماسية فيما بينهما منذ يناير 1992، اما رئيس كازاخستان نزاباييف فقد زار الكيان الصهيوني في فبراير 1993 بناء على دعوة من حكومة رابين التي تسعى لاقامة علاقات وثيقة مع كازاخستان باعتبارها اكبر واهم الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى. وقد قام شول ايرنبيرج وهو احد رجال الاعمال الاسرائيلية بتوقيع عقود مع حكومة كازاخستان في عام، 1992 بمشاريع قيمتها مليارا دولار تتعلق بمشروعات خاصة بالري والاتصالات والنفط وغيرها، وقد مهد ايرنبيرج بهذه العقود المجال امام الحكومة الاسرائيلية لاستيعاب حكومة كازاخستان وامتدت الصفقات الاقتصادية الى باقي الجمهوريات الاسلامية في المنطقة وباسلوب آخر في الاختراق، كعرض اسرائيل على اذربيجان التوسط بينها وبين «ارمينا» لحل النزاع القائم بينهما في الوقت الذي لم تفكر دولة اسلامية في القيام بذلك، وقد اعلن المسئولون الاذربيجانيون انهم يعدلون عن النوايا الحسنة التي ابدتها اسرائيل في هذا الصدد. وفي يناير 1993 افتتحت اسرائيل سفارتها في باكو عاصمة اذربيجان واستقبل الرئيس الاذربيجاني ابو الفضل التشي بيه السفير الاسرائيلي في موسكو حاييم بارليف الذي كان في زيارة لباكو بمناسبة افتتاح اسرائيل لسفارتها حيث كرر عرض اسرائيل في تقديم المساعدة لاذربيجان والتي اشار المراقبون الى ان هذه التحركات تعزز وضع اسرائيل ونفوذها اكثر في منطقة القوقاز وبحر قزوين. وبجانب الدور الاسرائيلي فان هناك شواهد اخرى تشير ايضا الى الوجود الامريكي في منطقة آسيا الوسطى كناية عن اجهاز للنفوذ الروسي الذي كانت تمتد جذوره هناك لقرون عديدة، فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في العاشر من يناير الحالي ان القوات الامريكية المنتشرة في مكان بوسط آسيا تقوم ببناء قواعد ضخمة لها في تلك الاماكن وآخر هذه المشاريع اقامة قاعدة تتسع لثلاثة الاف جندي في قيرغيرستان فضلا عن توسيع القواعد المقامة اصلا في كل من اوزبكستان وباكستان وزيادة تجهيز تلك القواعد لتكون ذات طابع استراتيجي. كما وان قيرغيرستان تجاوزت اوزبكستان التي فتحت مطار خان اباد لواشنطن، بتقديم تنازلات سيادية اتخذت صيغة منح حصانة دبلوماسية للقواعد والمنشآت الامريكية تجعلها في منأى عن القوانين المحلية، اما طاجكستان الاقرب بين هذه الدول الى روسيا فطالبتها بلسان رئيسها «امام رحمانوف» بـ 200 مليون دولار كايجار سنوي للقاعدة الروسية القائمة على اراضيها. كذلك سأل الرئيس الاوزبكي سلام كريموف وزير الخارجية الروسي ايفانوف صراحة: ماذا يمكن ان تقدم روسيا بدلا من المدفوعات النقدية الامريكية، وبجانب ذلك فان المسئولين الامريكيين لم يعودوا متحفظين على التصريح في الرغبة بالاقامة في تلك البقاع فقد صرح السفير الامريكي الاسكندر فيرشيو لدى موسكو في الخامس من يناير الحالي ان حكومته تنوي بعد انجاز مهمتها في افغانستان (مساعدة دول آسيا الوسطى على تطوير الديمقراطية في حين ان «لين باسكو» مساعد نائب وزير الخارجية الامريكي يشدد على الرغبة في اقامة علاقات طويلة في مجال الامن مع تلك الدول. وعليه فان كل ذلك يجري في وقت تتزايد فيه السيطرة والاختراق الاسرائيلي بمنطقة آسيا الوسطى وتشرع في اقامة مشروعات مشتركة وبمساعدة اطراف غربية واجنبية اخرى وانه عند ما تتكشف ابعاد كل ذلك يكون الوقت المناسب للعمل الاسلامي والعربي غير وارد او متوافر بالتأكيد. الاولوية اذن، في عالم القرن الحادي والعشرين ستبقى كما كانت في القرن العشرين وفي كل القرون: موازين القوى وبالتحديد موازين القوى العسكرية والمصالح ومفاتيح منابع الطاقة، وحول هذه الاولوية يتبلور الان مفهوم النظام العالمي الجديد. بقلم: نوار القيسي _ كاتبة عراقية