ألقت الحرب الأمريكية في أفغانستان الضوء على منطقة وسط آسيا التي تعد من وجهة النظر الاستراتيجية حزاما أمنيا للصين وروسيا ومنطقة القوقاز والدول المحيطة ببحر قزوين. والحقيقة أن إسرائيل كانت قد سبقت الكثيرين في إدراك أهمية هذه المنطقة منذ انهيار الإتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وما تبع ذلك الانهيار من انفراط عقد ما كان يعرف بالمنظومة الاشتراكية. فمن الثابت أن الدولة الصهيونية سارعت قبل غيرها إلى مد الجسور الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية للالتفاف على دول الكومنولث المستقلة واستهدفت بذلك محاولة إحياء الموروث اليهودي في هذه الدول وبصفة خاصة الدول الإسلامية منها مثل أوزبكستان وتركمنستان وطاجيكستان وكازاخستان وأذربيجان! ولم تكن هذه المحاولة التي تمثلت في إرسال بعثات ترتدي ثوب التعاون الفني والتنموي إلى دول آسيا الوسطي سوى عملية تغلغل سياسي واقتصادي وعسكري وصهيوني تحاصر (المد الإسلامي) في دول كانت متعطشة للاحتواء الديني بعد سنوات الحقبة الشيوعية! ويمكن القول ان إسرائيل سعت بشكل عملي إلى تحقيق هدف آخر استراتيجي يهدف إلى الحفاظ على كيان الدولة العبرية وهو مد (المجال الحيوي) لإسرائيل إلى خارج حدوده التقليدية المتعارف عليها خلال النصف الأخير من القرن العشرين أو بالأحرى منذ قيام الكيان الصهيوني في العام 1948 وكانت حدود هذا المجال الحيوي هي العراق وإيران شرقا انطلاقا من المعتقد الصهيوني التلمودي أن دولة إسرائيل الكبرى هي من النيل إلى الفرات!! ومن المعتقد أن تصورا إسرائيليا تبناه على وجه التحديد شمعون بيريز وزير الخارجية الحالي يرى أن التغير النوعي في العلاقات العربية الإسرائيلية في العشرين سنة الأخيرة نحو المصالحة السياسية أو ما يسمى بالسلام سمح بنوع من الحصار أو التكبيل لفكرة التهديد العربي للمجال الحيوي لإسرائيل للاسباب التالية: أولا : ضمنت إسرائيل أنه رسخ في المعتقد العربي أن حرب أكتوبر في العام 1973 كانت آخر الحروب العربية الإسرائيلية وهي التي هددت المجال الحيوي التقليدي لإسرائيل بصورة غير مسبوقة. ثانيا: ضمنت إسرائيل أن المجتمع الدولي تكفل بتدمير قوة العراق السياسية والعسكرية وهي قوة العمق الاستراتيجي لدول المواجهة مع إسرائيل مصر وسوريا والأردن ولبنان!! ثالثا: ساعد على انحسار الخطر العربي زهد ليبيا لفكرة الوحدة العربية وتحويل جهودها إلى البعد الأفريقي. وفي ضوء ذلك كان لابد من النظر إلى ما هو أبعد من منطقة المجال الحيوي التقليدية التي لم يعد لها تأثير يهدد أمن إسرائيل وعليه تم التركيز على منطقة وسط آسيا على اعتبار أن الخطر القادم يمكن أن ينطلق منها وهذا من وجهة النظر الإسرائيلية!! وهكذا نجد أن الفكر الإسرائيلي اكتشف أن فكرة إقامة ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد بمعنى تغلغل إسرائيل في المحيط العربي قد فشلت في إيجاد تعاون إقليمي حقيقي بين الدول العربية وإسرائيل يضمن لتل أبيب اختراق الأمة العربية من المحيط إلى الخليج الأمر الذي جعل الإسرائيليين يركزون على التغلغل في مناطق أخرى تقبل بسهولة التعامل مع إسرائيل ومنها وسط آسيا ويمكن رصد علاقة إسرائيل بمنطقة وسط آسيا من خلال مناقشة ثلاثة اعتبارات موضوعية: أولا: تؤكد العلاقة التاريخية أنه لا يوجد رصيد عداء بين دول آسيا الوسطي وإسرائيل مما يعني أن الحديث عن إمكانات التعاون المشترك ونقل التكنولوجيا الإسرائيلية إلى دول مازالت تحكمها أنماط متخلفة في التنمية موروثة عن الحقبة الشيوعية بات مقبولا من حكوماتها التي تتجنب تفسير ذلك بإنه نوع من الاختراق أو التغلغل!! ثانيا: لم تجد دول آسيا الوسطى وتحديدا الدول الإسلامية أي بديل آخر لقيام تعاون عربي وإسلامي يحميها من التعامل مع إسرائيل!! ونلاحظ في هذا الصدد أن التواجد العربي والإسلامي في هذه الدول محدود للغاية سياسيا واقتصاديا وخلال السنوات الأخيرة أرسلت مشيخة الأزهر بعثات دينية إلى دول وسط أسيا الإسلامية لم تحدث تأثيرا سوى على نطاق ضيق لم يتعد المسائل الفقهية ولم يصل إلى حد إحداث تغيير فكري يساعد على اكتشاف حقيقة الدور الصهيوني في المنطقة. ثالثا: إن التحول من الشيوعية إلى الليبرالية في دول آسيا الوسطى أدى في واقع الأمر إلى هرولة تلك الدول إلى أنماط الحياة الغربية الرأسمالية حتى ولو كانت هذه الأنماط شكلية وأذكر أنني زرت روسيا - وهي الدولة الأكثر قوة ومنعه في المنظومة المنهارة - في أوائل التسعينيات ورأيت اصطفاف الروس أمام مطاعم الوجبات السريعة مثل ويمبي وماكدونالدز وكذا التهافت على المشروبات الغازية ذات الصناعة الأمريكية فما بالكم بالدول الأكثر فقرا في هذه المنظومة؟! لعل إسرائيل قد تعاملت نفسيا مع هذه الهرولة فاستفادت منها في معرفة اتجاهات مواطني هذه الدول ومن ثم رصد طرق التغلغل ومداه! إذن ما يمكن أن نتصوره في مجال التعاون - التغلغل - الاقتصادي يصبح من السهل أن نتوقع امتداده إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية مثل التعاون الأمني والاستخباري وبيع الأسلحة الإسرائيلية وكذلك أختراق مجالات تنموية واجتماعية مثل التدريب التقني والصحة والتعليم وغيرها! ومن هنا نجحت إسرائيل في أداء دور التاجر الذي يتعامل داخل أسواق عطشى للاستهلاك وفي أداء دور المدرب الذي يحمل في جعبته أسرار التقدم الفني والخروج من دنيا التخلف إلى عالم الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية!! ومما لاشك فيه أن هذه الأدوار جاءت متسقة مع تطلعات في الفكر الغربي عامة والأمريكي خاصة إلى منطقة وسط آسيا على اعتبار أنها مرشحة لكي تكون منطقة نفوذ تؤمن المصالح الغربية والأمريكية ضد العملاق الصيني المتنامي وكأن المجال الحيوي الجديد لإسرائيل هو نفسه منطقة الدفاع في آسيا عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها! بالطبع لم يدرك الفعل السياسي العربي والإسلامي ابعاد مخاطر التغلغل الصهيوني في وسط آسيا الذي في حقيقته يعد حصارا وتهديدا للأمن القومي العربي والإسلامي في منطقة شرق الخليج العربي إلا متأخرا . لقد لعبت إسرائيل دورا مشابها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في دول أفريقيا جنوب الصحراء ونجحت إلى حد كبير في تحييد بعضها وضمان التعاون مع أكثرها إلى درجة أن هذه الدول في فترة من الفترات كانت الباب الخلفي للمهاجرين اليهود إلى إسرائيل مثل الفلاشا وغيرهم. ولعلي أحسب أن السيناريو يتكرر اليوم في دول وسط آسيا إذ تسعى إسرائيل إلى تفعيل حركة المهاجرين اليهود من هذه الدول وحثهم على الإقامة في المستوطنات اليهودية بالأراضي المحتلة رغم الظروف الأمنية السلبية التي يعيشها المستوطنون اليهود بسبب تداعيات انهيار عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية بسبب سياسات شارون الخرقاء. - والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: - هل سيلزم الجانب العربي والإسلامي الصمت ويهون من خطر الاختراق الصهيوني لمنطقة وسط آسيا؟ أعلم أن قضايا كثيرة ستطرح على جدول أعمال مؤتمر القمة العربي القادم في العاصمة اللبنانية بيروت بعضها يتسم بالحساسية الشديدة خاصة فيما يتعلق بالموقف العربي من الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب واستمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني بلا رادع لكن أتمنى أن يدرج القادة العرب في أجندتهم مسألة التغلغل الصهيوني في دول وسط آسيا لأن لها من وجهة نظري علاقة مباشرة باعتبارات الأمن القومي العربي من ناحية وتساهم في تكريس ظاهرة الاستيطان اليهودي في فلسطين من ناحية أخرى وفي الوقت نفسه هذا التغلغل يعتبر تحديا يمثل جزءا من حالة العداء بين الصهيونية والإسلام! نافلة القول.. إذا كانت إسرائيل تدعي أنه من حقها أن يكون لها مجال حيوي تحدده وفق مصالحها العليا وأمنها القومي فإن من باب أولى أن يكون للعرب والمسلمين الحق نفسه حتى ولو اصطدم المجالان العربي الإسلامي والصهيوني. ان الصراع العربي الصهيوني مازال مستمرا وعلينا نحن العرب والمسلمين أن نعي مصالحنا ونحرص على أمتنا القومي وألا ننخدع بشعارات إسرائيل عن التعاون الإقليمي حتى لا نرى أكثر من مواقع أقدامنا وهذا بالضبط ما يريده أعداؤنا لنا! بقلم: إبراهيم الصياد _ كاتب مصري