مثلت نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي البداية الحقيقية لتغلغل اسرائيل في بعض الجمهوريات الاسلامية القابعة في آسيا الوسطى ضمن صراع المصالح وبسط النفوذ والالتفاف على العالمين العربي والاسلامي والبحث عن موطيء قدم في مواقع كانت محرمة على الدولة العبرية والولايات المتحدة الامريكية سابقا. ومن المفيد الاشارة الى ان الاستراتيجية الاسرائيلية هي جزء من استراتيجية امريكية غربية للولوج في قلب آسيا الوسطى والقوقاز للاستحواذ على مواقع الثروة ومصادر الطاقة المستقبلية في هذا الجزء المهم من العالم وقطع الطريق ايضا على الصين كقوة دولية صاعدة ولاعب رئيسي في الساحة الدولية لذا فالتحرك الاسرائيلي هو جزء مكمل للادوار الامريكية وقد ظهر جليا التنسيق العسكري والاستخباري الامريكي الاسرائيلي في بعض بلدان آسيا الوسطى ضمن النشاط المضاد لروسيا والصين وغيرهما من الدول الاقليمية الفاعلة كإيران. ويشير بعض المحللين الى ان الغياب العربي الاسلامي عقب اندثار الامبراطورية الحمراء قد فتح الباب على مصراعيه امام اسرائيل التي دخلت هذه الجمهوريات بمشروعات عملاقة وقدمت مساعدات اقتصادية وعسكرية وكثفت الزيارات الرسمية في سباق مع الزمن لتأسيس بصمات قوية، كما سعت الى تنظيم هجرات يهودية من بعض تلك الجمهوريات الى اسرائيل لاستغلال الموروث الديني في بناء جسور من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والواقع ان الحرب الامريكية ضد الارهاب قد شكلت مظلة جديدة لاطلاق يد اسرائيل في نشاط عسكري استخباري محموم في آسيا الوسطى في وقت بدأت فيه واشنطن بتأسيس قواعد عسكرية في أوزبكستان وغيرها من هذه الدول ضمن استراتيجية تستهدف توسيع الهيمنة الامريكية في آسيا وبسط نفوذها واستكمال حلقات السيطرة والهيمنة العالمية. ان الدولة العبرية تسعى اليوم الى كسب مواقع جديدة في العالم وتوسيع رقعة علاقاتها السياسية ومصالحها الاقتصادية اذ تضع اسرائيل نفسها في اطار التحرك الاوروبي والامريكي في اطار ما يسمى بـ «منظومة الحضارة الغربية»، زاعمة انها دولة ديمقراطية ذات مسلكية حضارية في تعاملها مع بقية الشعوب رغم الممارسات الارهابية الهمجية التي تنتهجها ضد الشعب الفلسطيني الاعزل، لذا تحاول تل أبيب ان تجمل وجهها الخارجي امام العالم. ولاريب ان المناخ الدولي الحالي يخدم توجهات الدولة الصهيونية بل ويبرر مسلكيتها الفاشية بمنطق غريب غير مقنع وبمعايير مزدوجة تكشف زيف الادعاءات الغربية بتبني المثل والقيم الانسانية والتعايش السلمي بين الشعوب. هذه الاجواء الدولية خلقت بيئة خصبة لان تنطلق اسرائيل ضمن استراتيجية متحركة تخدم مصالحها وتضع من خلالها بؤرا عدائية ضد العالمين العربي والاسلامي في تعبئة ثقافية مضادة، لذا كانت اسيا الوسطى من المحطات الجديدة في الاستراتيجية الاسرائيلية، فقد سعت تل أبيب الى ان يكون التعاون العسكري والامني في مقدمة اهتماماتها ويصبح من الاولويات في اجندة العلاقات الثنائية كما حرصت ان تجد لها اسواقا جديدة لتصريف صناعاتها العسكرية. امام ذلك يتحتم على الدول العربية والاسلامية الالتفات جيدا الى آسيا الوسطى وجمهورياتها الاسلامية والعمل على بناء قاعدة من المصالح المشتركة معها من شأنها ان تعزز نسيج العلاقات السياسية في اطار استراتيجية مستقبلية تقطع الطريق على محاولات الالتفاف الامريكي الاسرائيلي الذي يستهدف العرب والمسلمين كشعوب وحضارة وكيان.
