الموقع الجغرافي: تشكل منطقة آسيا الوسطى والقوقاز ـ كمنطقة جغرافية واحدة ـ بابا مفتوحا نحو منطقة الخليج والشرق عموما؛ ولذا فإن من يسيطر عليها يستطيع أن يطل على الشرق وهو مستريح. آسيا الوسطى: «ترانساوكسانيا» هو الاسم الذي كانت تعرف به آسيا الوسطى حتى بداية القرن العشرين، وهي ترجمة لاتينية للاسم الذي أطلقه العرب عندما فتحوا تلك المنطقة في القرن الهجري الأول وهو «بلاد ما وراء النهر» وتضم كلا من: طاجيكستان ـ تركمانستان ـ قرغيزستان ـ أوزبكستان ـ كازاخستان. ولآسيا الوسطى مكانة رفيعة في التاريخ؛ ومازال يشهد لها على تلك المكانة أسماء المدن التاريخية العظيمة، مثل: سمرقند - بخارى ـ فرغانة ـ طشقند ـ خوارزم ـ مرو ـ ترمذ وهي أسماء تدل على أعلام لهم أيضا مكانتهم في التاريخ الانساني عامة وفي التاريخ الاسلامي بشكل خاص، مثل: الخوارزمي، والفارابي، والبخاري، والترمذي، وابن سينا، والجرجاني، والسجستاني، والبيروني. القوقاز أو «القفقاس» :منطقة جبلية عظيمة الامتداد، كثيرة الارتفاع، صعبة الاجتياز، قليلة الممرات، تمتد على مسافة 1200 كم لتصل بين البحرين: الأسود والخزر (قزوين) وهي الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا. وتضم هذه المنطقة ست جمهوريات تتمتع بالحكم الذاتي داخل الاتحاد الروسي، وهي: الشيشان ـ الأنجوش ـ داغستان ـ بلغاريا ـ أوسيتيا الشمالية ـ إديقيا. وتعد جمهورية أبخازيا أو بلاد الأباظة ـ الواقعة تحت الحكم الجورجي ـ جزءا من بلاد القوقاز؛ وتصل مساحتها إلي 200 ألف كيلو متر مربع، ويعيش فيها ما يقرب من 10 ملايين نسمة، 90% منهم مسلمون. الثروات الطبيعية: تمتلك المنطقة (آسيا الوسطي والقوقاز) ثروات طبيعية هائلة: 1 ـ آسيا الوسطى: ـ أوزبكستان: أكبر هذه الدول من حيث عدد السكان 24 مليونا وثانيتها من حيث مستوى التقدم الصناعي والعلمي والتكنولوجي بعد كازاخستان، وعلاوة على ذلك كله تتمتع أوزبكستان بثروات طبيعية كبيرة من الذهب والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك فضلا عن الغاز الطبيعي والنفط والفحم وغيرها. وهي تعتبر سادسة دول العالم في إنتاج الذهب 70 طنا سنويا، ورابعتها من حيث احتياطيات ذلك الخام الفضي 4 ملايين طن ، ومعروف أن لديها القدرة على تخصيب اليورانيوم. وبالإضافة إلى ذلك كله تتمتع أوزبكستان بموقع جغرافي استراتيجي في قلب آسيا الوسطى. ـ طاجيكستان: تمتلك مناجم كبيرة من اليورانيوم تم اكتشافها في الثلاثينيات. وفي عام 1946وفي مدينة تابوشا الطاجيكية تم تشييد أول معمل سوفييتي لاستخلاص اليورانيوم الذي استخدم كمادة أولية في تصنيع بلوتونيوم القنبلة الذرية وفي 29 أغسطس 1949م تم تفجير أول قنبلة بلوتونيومية مصنوعة من اليورانيوم الطاجيكي الذي يتواجد في مناجم أدرسمان وتابوشار. وهناك مصنع للصواريخ في منجم ناوجزران ـ تشيغريك، ومنجم كيزل جهر الذي يحتوي ـ إلى جانب اليورانيوم ـ على ثروات من الذهب. ـ كازاخستان 17 مليون نسمة: دولة تمتلك قدرات وطاقات علمية كبيرة. وكانت واحدة من أكثر الجمهوريات السوفييتية تقدما من الناحية العلمية. ويكفي أن نشير الى أن جامعاتها ومراكزها العلمية تخرج فيها عام 1987، أي قبل أعوام قليلة من انهيار الاتحاد السوفييتي، 2806 من الحاصلين على درجة الكانديدات المعادلة لدرجة الدكتوراه PHD في الفيزياء والرياضيات، و446 من الحاصلين على درجة دكتوراه العلوم DSC في الفرعين المذكورين. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تظل كازاخستان قوة علمية لا يستهان بها، ففي عام 1996 مثلا حصل 993 باحثا على درجة دكتوراه العلوم في الفيزياء والرياضيات من المعاهد العلمية الكازاخية (جريدة أرجومينتي أي فاكتي كازاخستان ـ العدد 178 ـ 24 أكتوبر 1998 ـ باللغة الروسية. كما يوجد بصحراوات كازاخستان الشاسعة مساحة البلاد 2717 مليون كيلو متر مربع ، مطار بايكونور الفضائي الشهير، وهو مركز اطلاق سفن الفضاء وتجارب الصواريخ وأبحاث حرب النجوم في العهد السوفييتي، ولا تزال روسيا تستأجره وتستخدمه لنفس الأغراض حتى الآن. ـ تركمانستان: يبلغ عدد سكانها 4.5 ملايين نسمة ومساحتها الاجمالية 488100كم2، وما زالت حدودها لم ترسم بعد على بحر قزوين الذي تشاركها فيه كل من إيران وأذربيجان وكازاخستان. ـ قرغيزستان: مساحتها الإجمالية 198500كم2 ويقدر عدد سكانها بحوالي 4.6 ملايين نسمة تقديرات سنة 2000 وترقد على مناجم هائلة من الذهب. 2ـ القوقاز: جمهورية الشيشان: تتصدر المناطق الواقعة تحت الحكم الروسي في إنتاج النفط خفيف الكثافة، والذي يعد من أجود أنواع النفط في العالم. وقد تم اكتشاف النفط هناك عام 1893م، وتعتبر العاصمة الشيشانية جروزني مركزا للصناعات البتروكيماوية؛ ففيها تم تكرير ستة ملايين ونصف مليون طن من النفط عام 1996م وحده. أذربيجان: يبلغ عدد سكانها حوالي 7.7 ملايين نسمة، ومساحتها الاجمالية 86600كم2. وتخبئ سلاسل الجبال الممتدة على مساحات شاسعة في المنطقة والتي تتمتع بقمم شاهقة ثروات ضخمة من المعادن، كما أن سهولها ووديانها خصبة وغنية بالانتاج الزراعي الوفير. لكن الثروات النفطية المخبوءة تحت سطح بحر قزوين تظل في كفة وبقية الثروات في كفة أخرى. 3ـ بحر قزوين: يعد بحر قزوين (بحر الخزر) أضخم بحيرة مغلقة على وجه الأرض، اذ يبلغ طوله1200 كم وعرضه زهاء 300 كم. تنبسط من الشمال إلى الجنوب عند الحدود بين أوروبا وآسيا على مستوى أكثر انخفاضا من مستوى المحيط العالمي بـ 28مترا. وتتقلص مساحة البحر باستمرار بسبب التبخر وانخفاض منسوب الأنهار التي تصب فيه وأكبرها نهر الفولجا. ويصل متوسط عمقه 184 مترا، أما أعمق نقطة فيه فتصل إلى 980 مترا، ويقدر الخبراء كمية مياهه بحوالي 76 ألف كيلومتر مكعب. تتوزع شواطئ بحر قزوين بين خمس دول هي: روسيا التي تحده من الشمال الغربي، وإيران (الجنوب الغربي)، وكازاخستان (الشمال الشرقي، وتركمانستان (الشرق)، وأذربيحان (الغرب) ولها أصغر حصة من الساحل محصورة بين إيران وروسيا. في عام 1996م أعلن خبراء وزارة الطاقة الأمريكية احتمال أن يكون احتياطي النفط في حوض قزوين 178 مليار برميل، وهو مايجعله ـ وفق رؤيتهم ـ في المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية باحتاطيها البالغ 259 مليار برميل، وضعف احتياطي الكويت البالغ 94 مليار برميل، وكذلك احتياطي إيران البالغ 93 مليار برميل. بينما يرى خبراء المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في واشنطن أن هذه الأرقام مبالغ فيها، في حين يرى خبراء آخرون أن أصعب شيء هو النظر بموضوعية إلى بحر قزوين، لأنه مصدر مهم وجديد للنفط من خارج دول أوبك يكفي لتشغيل أفران العالم الصناعي لعدة عقود قادمة. وثروات «قزوين» لا تقتصر على النفط والغاز المستقر تحت قاعه، وإنما تحتوي مياهه نفسها على ثروات مهمة خلافا لبقية البحار، فهي مشبعة بالكبريتات وغنية بالأسماك الثمينة السلمون وبويضة الكافيار. السباق الدولي روسيا: تسعى روسيا الاتحادية إلى إعادة هيمنتها علي جمهوريات الاتحاد السوفييتي القديم بصفة عامة، ومنطقتي آسيا الوسطى والقوقاز وبحر قزوين بصفة خاصة وقد قدّم المسئولون الروس مبررات عدة في مقدمتها الحفاظ على الأمن القومي الروسي والصراعات الإثنية في دول الجوار، وقد سارت الخطة الروسية في هذا الصدد على محورين: الأول يتمثل في الكبح التدريجي لمحاولات التحرر الاقتصادي للجمهوريات السوفييتية السابقة من القبضة الروسية، والثاني يتمثل في وضع اليد على أي محاولة من محاولات البناء الذاتي للقوة العسكرية المستقلة. وفي التقرير الإستراتيجي الروسي لعام 1994، الذي أشرف عليه يفجيني بريماكوف عندما كان مديرا للمخابرات الروسية في ذلك الوقت، تم التأكيد على ثلاثة عوامل تهدد الامن الروسي: 1ـ عدم الاستقرار الناتج عن الأزمة الأفغانية وانعكاساته علي استقرار آسيا الوسطى. 2ـ التدخل الإيراني التركي والتخوف من تأسيس دولة فارسية أو تركية كبرى (نظرا للامتدادات الثقافية والعرقية للدولتين. 3ـ الأصولية الإسلامية. وتتخوف الإدارة الروسية من إمكان وجود خطة في الإدارة الأمريكية ترمي لاحتواء روسيا عسكريا من خلال مد ولاية الناتو العسكرية؛ واقتصاديا من خلال تحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة، وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود والصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة خصوصا طاقة بحر قزوين، ولذا تسعى روسيا إلى القيام بكل ما من شأنه جعل دورها لا غنى عنه. إيران: تتبوأ إيران موقعا متميزا بالنسبة لآسيا الوسطى، فهي متاخمة لأذربيجان وتركمانستان، كما تمتلك علاقات ثقافية تمتد لما يقرب من ألفي عام في المنطقة؛ بما جعلها صاحبة الدور الرئيسي في المنطقة في فترة من الفترات. وتاريخيا، كانت المنطقة موضع نزاع بين الفرس والأتراك (القرن السادس عشر)، ثم بين الفرس والروس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كما كانت شعوب المنطقة تتحدث اللغة الفارسية قبل أن تتركها وديموغرفيا، تشترك إيران في إحدى القوميات، إذ يعيش فيها نحو تسعة ملايين أذري يحملون الجنسية الإيرانية. وتتمتع إيران بعلاقات قوية مع كل من روسيا وطاجيكستان وتركمانستان وأرمينيا دعمتها في صراعها مع أذربيجان حول إقليم ناجورنو قرة باخ، وقد دخلت في تحالف مع روسيا؛ فهي لا تؤيد انفصال الشيشان عن روسيا؛ ولا تقوم بأي عمل من شأنه تهديد مصالح روسيا في المنطقة وهو ما تقابله روسيا بمواصلة التعاون العسكري مع إيران، والوقوف معها في مواجهة النفوذ التركي. تركيا: رغم أنها لا تملك حدودا مباشرة مع الشعوب المنحدرة من أصل تركي الواسعة الانتشار في آسيا الوسطى والقوقاز، فإن أوزبكستان عوّضتها عن ذلك، إذ تمثل نوعا من «الجامع التركي» بين شعوب المنطقة وتقدم تركيا نفسها كنموذج حداثي متجه نحو أوروبا ومتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية المتواجدة في المنطقة بقوة اقتصاديا وسياسيا، إلا أن العامل العرقي التركي يثير حذر الجمهوريات السوفييتية السابقة من سيطرة وتمدد تركيين تحت عباءة التجمع التركي. باكستان: ليست باكستان ببعيدة عن آسيا الوسطي والقوقاز، بل معنية بما يجري هناك ومتأثرة به ومؤثرة فيه. وتطمح باكستان في السيطرة على طريق الحرير الرابط بين آسيا الوسطى والصين مرورا بأفغانستان. وقد ظل هذا الطريق ـ وما زال ـ حلما يرواد الإدارة الباكستانية، لكن تحقيقه سيظل مرتبطا إلى حد بعيد بالطريقة والنهاية التي ستستقر عليها الأزمة الأفغانية. أهمية المنطقة لدى أمريكا حدد نائب وزير الخارجية الخارجية الأمريكي السابق ستروب تالبوت ـ في خطاب له ضمن أنشطة مركز آسيا الوسطى والقوقاز ـ الإستراتيجية الأمريكية للتواجد في المنطقة أو اختراقها والهيمنة عليها بأنها تقوم على الأسس التالية: 1ـ تطوير الديمقراطية. 2ـ خلق اقتصاد السوق الحرة. 3ـ احتضان السلم والتعاون بين دول المنطقة. 4ـ إدماج دول المنطقة في منظومة المجتمع الدولي. وهي استراتيجية ترمي ـ كما نلاحظ ـ إلى صبغ المنطقة بالنموذج الأمريكي سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ودمجها بالكامل ضمن الأطر السياسية والاقتصادية وبالتالي الثقافية الأمريكية، وهو ما يسهّل انقيادها ووضعها في قاطرة التبعية للهيمنة الأمريكية، خاصة بعد أن انفتح الطريق على مصراعيه امام امريكا عقب حربها في أفغانستان. ولم تتحرك الولايات المتحدة بمفردها في المنطقة، وإنما حاولت أن تخلق نوعا من التحالف القوي من الدول ذات الصلة والمصلحة هناك. فقد أقامت شراكة في هذا الصدد مع تركيا الطامحة لدور أكبر، وأخذت الكيان الصهيوني تحت معطفها وهي تتحرك هناك. ولهذا فقد دعمت امريكا التطلعات التركية في المنطقة، فساعدت التوجهات التركية لإقامة استثمارات في كل من أذربيجان وتركمانستان، كما دعمتها بقوة لمد جسور ثقافية وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية شاملة مع دول المنطقة ذات العلاقات التاريخية مع تركيا وذلك تحت لواء النموذج العلماني لمقاومة النموذج الإيراني من جانب، وضد المشروع الإسلامي المتنامي الذي تحمله الحركات الإسلامية في المنطقة. وقد حرصت الولايات المتحدة في التعامل مع روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، على ألا يكون الصراع عنيفا، وإنما فضّلت منهج الاحتواء والمساومة وليس الاستفزاز والصدام ولذلك ظل الموقف الأمريكي والغربي عموما يضع ما ترتكبه الآلة الوحشية الروسية ضد الشيشان في خانة الشأن الداخلي الروسي الذي لا يجوز التدخل فيه. وكان الثمن الذي دفعته روسيا نظير هذا الدعم الغربي لها في الشيشان هو ترحيبها بالهجمة الاقتصادية من رجال المال والأعمال والشركات الغربية على المنطقة. غير انه في السنوات الاخيرة من حكم الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين بدأ الأمريكيون يتحدثون صراحة عن أن آسيا الوسطي والقوقاز ـ وفي القلب منها بحر قزوين ـ منطقة لمصالحهم ويلخص رجل الأعمال والصناعة الأوروبي لكفرد نوبل ـ الذي حقق ثروة طائلة من نفط «قزوين» عبر أذربيجان ـ المسألة قائلا: في هذه المنطقة هناك تشابك واضح بين النفط والسياسة والدم. الاختراق الاسرائيلي منذ بداية انهيار الاتحاد السوفييتي عملت اسرائيل على توثيق علاقاتها في مختلف المجالات، خاصة الاقتصادية والأمنية والسياسية، مع الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى مستخدمة كل وسائل الترغيب والترهيب لتحقيق ذلك، بدعم ومساندة كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية. ومع نمو الحركة الأصولية ثم اشتعال الحرب الأهلية في طاجيكستان، ثم مع صعود طالبان، ودعمها لبعض الحركات المتطرفة في بلدان آسيا الوسطى، بدأت الأنظمة العلمانية في تلك البلدان تنظر الى الأصولية الاسلامية باعتبارها أكبر خطر يهددها. وكانت اسرائيل جاهزة ومعها الجماعات الصهيونية ذات النفوذ القوي في دول الاتحاد السوفييتي السابق وهكذا بدأ التعاون المخابراتي لمكافحة «الارهاب الاسلامي» بين اسرائيل ودول آسيا الوسطى ومعها أذربيجان في القوقاز، وبدأ منذ أواسط التسعينيات تنفيذ برامج اسرائيلية لتدريب رجال المخابرات في تلك الدول على أساليب مكافحة الارهاب ونقل الخبرة الاسرائيلية في مكافحة ما تسميه الدولة الصهيونية الارهاب الفلسطيني، واستمرت الحال على هذا النحو طوال التسعينيات، في ظل اهتمام أمريكي بدعم هذا التوجه وتعزيز التعاون المخابراتي بين اسرائيل ودول آسيا الوسطى، بمشاركة من المخابرات الأمريكية، وخاصة بعد أن بدأت الحركة الأصولية تصطدم بالولايات المتحدة وتوجه الضربات الى مصالحها. وقد اهتمت إسرائيل منذ وقت مبكر باختراق دول آسيا الوسطى بأكملها، وكانت لديها استراتيجية متكاملة لذلك تعتمد على التركيز في المرحلة الأولى على التغلغل الاقتصادي من خلال رجال الأعمال الإسرائيليين والصهاينة من شتى الجنسيات من جهة وتقديم إسرائيل نفسها كوسيط نشيط لجذب رؤوس الأموال الغربية والأمريكية إلى تلك البلدان وفتح أبواب واشنطن وغيرها من العواصم الغربية أمامها من جهة أخرى. وبعد أقل من ثلاثة أشهر على انهيار الإتحاد السوفييتي كانت إسرائيل قد نظمت في العاصمة الأوزبكية طشقند، أول مؤتمر اقتصادي مشترك بينها وبين دول آسيا الوسطى في مارس 1992 لبحث احتياجات تلك الدول من المشروعات والمساعدات الاقتصادية، والدور الذي يمكن أن تقوم به الدولة الصهيونية في تلبيتها. وخلال الشهور والأعوام التالية كانت هذه المشروعات قد بدأ يجري تنفيذها بالفعل. وبالنسبة لأوزبكستان فقد قام رئيسها إسلام كريموف بزيارة إلى إسرائيل في أكتوبر عام 1992 حيث تم الاتفاق على تطوير التعاون بين البلدين في شتى المجالات. وشملت المشروعات المشتركة في مجالات تمتد من الري والزراعة والصناعات الزراعية إلى الصناعات السياحية والاتصالات وبناء الفنادق والمقاولات، وباستثمارات إسرائيلية أو مشتركة ساهم فيها رجال الأعمال الجدد من يهود أوزبكستان؟؟ كما قامت إسرائيل بتمويل أمريكي أساسا بتنفيذ برامج للتعاون الفني وتدريب الكوادر في مجالات الزراعة والري خصوصا والإدارة والبنوك، وغيرها من مجالات بناء الدولة الحديثة واقتصاد السوق. وتم افتتاح فرع للوكالة اليهودية سحتوت في العاصمة الأوزبكية طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى إسرائيل وكان عدد هؤلاء يبلغ نحو 120 ألفا تم بالفعل تهجير أكثر من سبعين الفا منهم. كما تم افتتاح مركز ثقافي إسرائيلي في طشقند يعمل بنشاط على الترويج للثقافة والأفكار الصهيونية بين اليهود وغيرهم من مواطني أوزبكستان، فضلا عن تعليم اللغة العبرية. وهكذا كانت إسرائيل تحقق تغلغلا سياسيا واقتصاديا وثقافيا متزايد الاتساع والعمق في أوزبكستان طوال التسعينيات، وضع أساسا قويا لقيام تعاون أمني واسع النطاق في النصف الثاني من العقد المنصرم، وبرعاية أمريكية. غير أن الكثير من جوانب هذه العلاقات ظل طي الكتمان الى ان بدأت تتكشف في الآونة الاخيرة. الاختراق النووي: وضعت اسرائيل يدها على مناجم ومصانع في كازاخستان تنتج آلاف الأطنان من اليورانيوم سنويا. وأصبحت هذا العام 2002مالكا رسميا وبصورة نهائية لمجمع ضخم لمعالجة اليورانيوم، ينتج ما يكفي لصنع ترسانة كاملة من الأسلحة النووية كل عام وتم ذلك عندما اشترت شركة سابيتون ليمتد أحد فروع شركة أفريطا ـ اسرائيل انفيستمنت الاسرائيلية القابضة مجمع تسيليفا للتعدين والكيمياء في كازاخستان بكل موجوداته، وهو أحد أكبر مجمعات معالجة اليورانيوم الخام في العالم وبذلك تحصل الدولة الصهيونية على ناتج معالجة 130 ـ 150 طنا من خامات اليورانيوم كل شهر، أي ما يبلغ نحو 1560 ـ 1800 طن سنويا. وقد اشترت الشركة الاسرائيلية المجمع الكازاخي الضخم، بكل موجوداته بمبلغ 36 مليون تنجي كازاخي، أي ما يعامل ثلاثمئة وثلاثة عشر ألفا وستمئة دولار ـ الدولار يساوي 11 تنجي ـ مع التزام الشركة بدفع أجور العاملين المتأخرة وقدرها 270 مليون تنجي، أي ما يعادل مليونين وثلاثمئة وخمسين ألف دولار، أي أن الصفقة كلها كلفت اسرائيل 36 مليون تنجي أو ما يعادل مليونين وستمئة وثلاثة وستين ألف دولار. وبالرغم من تفاهة المبلغ فقد تم الاتفاق على دفعه بالتقسيط على سنتين، انتهتا هذا العام!! وقد بلغت قيمة انتاج مجمع تسيلفيا للتعدين والكيمياء عام 1998 السابق على عقد الصفقة سبعة عشر مليونا ومئة وستين ألف دولار، أي ما يعادل سبعة أمثال قيمة الصفقة كلها!! وما يزيد الشبهات حول هذه الصفقة أن الحكومة الكازاخية قررت إشهار افلاس المجمع وبيعه الى الشركة الاسرائيلية بالرغم من النمو الكبير لانتاجه بنسبة قدرها 39% عام 1998 مقارنة بانتاجه في العام السابق مباشرة!! ومن الضروري هنا الاشارة الى أن الصفقة المذكورة لا تحقق لاسرائيل وضع يدها بالمجان تقريبا على عملية معالجة كمية هائلة من خام اليورانيوم 1800 ـ 1650طن سنويا فحسب، لكنها تتيح لها أيضا السيطرة على مناجم اليورانيوم التي ترسل خاماتها للمعالجة في المجمع. التعاون الفضائي: استفادت اسرائيل من قاعدة بايكونور الفضائية الكازاخية في اطلاق أكثر من قمر صناعي، كان أولها قمر اسرائيلي للأبحاث العلمية والاتصالات تم اطلاقه في يوليو 1998 بواسطة صاروخ روسي. والواقع أن اسرائيل لم تكن لتستطيع الدخول في مجالات حساسة للتعاون مع كازاخستان كالمجال النووي والفضائي والأمني لولا مبادرة الدولة الصهيونية للاعتراف بكازاخستان واقامة العلاقات الدبلوماسية معها بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. ففي عام 1992 كانت شركة بيزك الاسرائيلية للاتصالات قد بدأت في تطوير شبكة الاتصالات الكازاخية، وكانت شركة كباليم قد اتفقت على اقامة مصنع للكابلات، وكانت الهيئات الحكومية الاسرائيلية المهتمة بالزراعة وكذلك الشركات الزراعية قد بدأت في بحث اقامة مشروعات مشتركة ونقل تكنولوجيات اسرائيلية الى كازاخستان في مجال الري والزراعة والصناعات الغذائية، وكانت مجموعة شركة الملياردير الاسرائيلي ـ النمساوي شاؤول إيزينبرج قد اتفقت على عدد من المشروعات المشتركة تبلغ قيمة الاستثمارات فيها أكثر من مليار دولار، في مجالات تمتد من الزراعة الى تكرير النفط والصناعات الكيماوية، وبدأ التنفيذ فعلا أواخر 1992 وأوائل 1993. كما اهتمت اسرائيل باقامة خط جوي بين تل أبيب وآلما ـ آتا. تكثيف المخاوف كان المدخل للتعاون مع اسرائيل المخاوف المتزايدة لدى نظام كريموف في اوزبكستان من الخطر الأصولي الذي يمثله النموذج الافغاني بعد الإطاحة بنظام نجيب الله في كابول في أواخر أبريل عام 1992وإصرار فصائل المجاهدين الأكثر تشددا على طرد الميليشيات الأوزبكية بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم من العاصمة الأفغانية. تزايدت مخاوف أوزبكستان بعد اشتعال الحرب الأهلية في طاجيكستان المجاورة خريف عام 1992، وهي الحرب التي عكرت التنامي الكبير لنفوذ الحركة الأصولية الإسلامية وفي مقدمتها حزب (النهضة)، وضاعف من المخاوف وجود تداخل عرقي كبير بين طاجيكستان وأوزبكستان حوالي 25 من سكان طاجيكستان ذوو أصول أوزبكية، ونحو 20 من سكان أوزبكستان ذوو أصول طاجيكية. بدأت إسرائيل في تنظيم دورات لتدريب كوادر أجهزة المخابرات في دول آسيا الوسطى، وفي مقدمتها أوزبكستان، على أساليب مكافحة الإرهاب مستندة في ذلك إلى خبرتها في مواجهة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وخاصة (حماس) و(الجهاد) و(حزب الله). جاء ظهور حركة طالبان في أفغانستان، واستيلاؤها على كابول وصولا إلى الحدود الأوزبكية عام 1997، ليزيد إلى أقصى حد من مخاوف نظام كريموف من احتضان طالبان ومنظمة القاعدة للحركات الأصولية في أوزبكستان، وليزيد بالتالي من اندفاع طشقند نحو تعزيز علاقات تعاونها الأمني مع تل أبيب، ثم مع واشنطن بعد أن غيرت هذه الأخيرة موقفها من حركة طالبان عقب نسف السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، وإصرار الحركة على عدم تسليم أسامه بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما من المتهمين بارتكاب الحادث. استغلال احداث سبتمبر كشف تقرير للكاتب الشهير سيمور هيرش في مجلة نيويورك تايمز الأمريكية عدد 29 أكتوبر ـ 5 نوفمبر 2001 عن وجود خطة أمريكية للسيطرة على الرؤوس النووية الباكستانية 24 وتأمينها ونقلها الى خارج باكستان وتدمير المنشآت النووية في البلاد في حالة قيام جنرالات ذوي اتجاه إسلامي بانقلاب عسكري يطيح بالجنرال مشرف! وأكد التقرير استنادا الى مصادر رفيعة المستوى في المخابرات الأمريكية والبنتاجون، أن وحدات منتقاة بعناية من القوات الخاصة الأمريكية تقوم بتدريبات مكثفة في أماكن سرية بالولايات المتحدة بالاشتراك مع قوات من وحدة العمليات الخاصة الأكثر كفاءة بين قوات الكوماندوز الاسرائيلية، وهي وحدة (سايرات ماتكال ) المعروفة أيضا باسم الوحدة 262 والمتخصصة في العمليات الأكثر سرية وخطورة. وجرت التدريبات تحت اشراف كل من المخابرات الأمريكية والبنتاجون تمهيدا لنقل الفريق الأمريكي ـ الاسرائيلي الى باكستان كما أشار سيمور هيرش الى أن القوات الخاصة الاسرائيلية وصلت الى الولايات المتحدة بعد أيام قليلة من وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي أن واشنطن لم يكن لديها أدنى تردد منذ البداية في تحديد شركائها الموثوق بهم في أكثر العمليات حساسية وخطورة قبل بدء حربها في افغانستان. كشفت صحيفة يهودية روسية هي «بفرييسكايا جازيتا» (الصحيفة اليهودية) ذات الصلة الوثيقة بقيادة الجالية اليهودية في روسيا، فقد ان وحدات اسرائيلية من القوات الخاصة السابق الاشارة اليها سايرات ماتكال موجودة في ميدان المعارك على الأراضي الأفغانية لتقديم المساعدة الى القوات الأمريكية والبريطانية في عملياتها ضد مقاتلي طالبان والقاعدة وأشارت الجريدة الى أن الوحدات الاسرائيلية تقدم مساعدات استشارية للأمريكيين والبريطانيين وأنها جاءت الى أفغانستان بناء على طلب من واشنطن بعدما وقعت وحدة من قوات دلتا الأمريكية الخاصة في كمين لمقاتلي طالبان بالقرب من قندهار الحياة 4/12/2001. كشفت صحيفة «صنداي تليجراف» البريطانية 16 / 12 / 2001 أن القوات الأمريكية استخدمت صواريخ ذكية اسرائيلية من طراز كي.جي.إم142 في قصف كهوف ومغاور جبال تورا بورا التي كان تنظيم القاعدة يتحصن فيها. وأشارت الصحيفة الى أن هذه الصواريخ متطورة الى حد يسمح لها بالدخول مباشرة الى فتحات الكهوف والمغاور وأنه يتم تحديد أهداف الصواريخ بواسطة وحدات من القوات الخاصة، تنقل المعلومات الى قاذفات بي ـ 52 التي تحلق في انتظار الأوامر بالقصف، ليقوم طاقمها باطلاق الصاروخ الذي يبلغ مداه 50 ميلا بحريا وتساعده كاميرا مثبتة في مقدمته على دقة التوجه نحو الهدف. كشفت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية من خلال حديث أجرته مع مدير مركز الأبحاث العسكرية الاسرائيلية، أنه سافر الى واشنطن قبل بدء الحرب في أفغانستان للتشاور مع الأمريكيين حول المعدات المتطورة تكنولوجيا التي يمكن أن تقدمها لهم اسرائيل وخاصة في مجالات كالتنصت والمراقبة ومطاردة الأفراد المطلوبين الأهرام 20 ديسمبر 2001. اعداد: هويدا سعيد