الوجود الصهيوني في آسيا الوسطى أحد العوامل التي سيكون لها دور كبير في صياغة مستقبل آسيا الوسطى وكذا مستقبل الكيان الصهيوني، ورغم أهمية المعلومات في رسم صورة هذا الوجود ومستقبله فإن وضعه في سياقه الصحيح لا يقل أهمية عن الاستزادة من المعلومات. نشرت «البيان» في أعداد 4-1 و8-1 12-1 - 2002 دراسة مهمة من 3 أجزاء عنوانها أبعاد التغلغل الصهيوني في آسيا الوسطى للدكتور محمد فراج أبو النور. الوجود الصهيوني في جمهوريات آسيا الوسطى لم يحدث فجأة ولم يتم في جنح الظلام ، بل كانت الوفود الرسمية الصهيونية تتوالى حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي على عواصم جمهوريات أسيا الوسطى حاملة مشروعات محددة وتمت دراستها جيدا لتحقق أهداف الطرفين من العلاقة. والتحذير من خطورة مخططات الكيان الصهيوني ليس جديدا. وفي حوار أجرته معه جريدة «الأهرام» القاهرية 9/6/1995 روى الدكتور محمد عبد الهادي رئيس الهيئة القومية المصرية للاستشعار عن بعد ، مستشار وزير البحث العلمي المصري سابقا كيف بذر الصهاينة بذور هذا الوجود، حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. ففي عام 1990 قام عزرا وايزمان ـ وكان وقتها وزيرا للبحث العلمي ـ بزيارة موسكو وأعلن أن بلاده مهتمة بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي في مجالات الفضاء، ولعمق الأزمة الاقتصادية ، وافق الرئيس السوفييتي ميخائيل جورباتشوف على عرض تقدمت به مجموعة من المستثمرين الصهاينة العاملين لحساب الكيان الصهيوني لشراء مساحات من المجمع الفضائي في «بياكونور» بجمهورية كازاخستان وإثر هذا سافرت مجموعة من العلماء الصهاينة رفيعي المستوى لدراسة أساليب العمل في المجمع. المصالح لا اللوبي ويستند هذا الوجود إلى مفاهيم راسخة في مقدمتها أن وجود أقلية يهودية في أي من هذه البلدان يعني أن هذه الأقلية تقوم بدور تآمري لتعزيز الوجود الصهيوني فيه بشكل آلي ، وهو مفهوم رائج لدرجة أن الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين طلب مساعدة الكيان الصهيوني ليفوز بأصوات مليوني يهودي روسي في الانتخابات مهددا بأن فشله يعني وضع قيود على هجرة اليهود بينما تشير الحقائق إلى أن دولة مثل أوزبكستان مثلا تربطها علاقات قوية بالكيان الصهيوني رغم أن عدد أكبر الأقليات اليهودية فيها ، يهود سمرقند ، لا يزيد على 1000 يهودي من أصل 15000 هو تعدادهم عام 1989 ، والحي اليهودي الذي كانوا يقطنونه وكان يدعى المحلة أصبح اليوم يعج بالغجر القادمين من الهند حيث باتوا يشغلون بيوت اليهود المهجورة . وحسب التصورات الصهيونية فإن ما مجمله 37000 من اليهود في آسيا الوسطى مسجلون على أساس أنهم يحققون متطلبات الهجرة إلى إسرائيل وأن ثلثيهم يتواجدون في أوزبكستان ، وأما الثلث الباقي فهو منتشر في أنحاء متفرقة من الدول الإسلامية الأربع في آسيا الوسطى ، فلو أن هذا النفوذ الصهيوني كان مرتبطا حتما بوجود أقليات يهودية لكانت سياسات التهجير التي يتبعها الكيان الصهيوني تهديدا مباشرا لهذا النفوذ ، وهو ما يكشف درجة التناقض الكامنة في التفسيرات التي يتداولها كثير من المحللين. كما أن هذا الوجود ليس منفصلا عن مخطط عام يشمل شبكة من التحالفات المتساندة لعل أهمها العلاقات بين الكيان الصهيوني وكلا من الهند والصين ، كما أنها ترتبط بعلاقات مع بعض فصائل ما كان يسمى التحالف الشمالي الأفغاني وهذه العلاقات قامت على إدراك صهيوني دقيق لحاجات كل دولة على حدة من العلاقات معها وكان القاسم المشترك الأعظم في هذه المنظومة أن تقدم نفسها بوصفها دولة ذات خبرات متميزة في مواجهة الأصولية الإسلامية التي تعتبرها معظم دول المنطقة من الصين حتى البلقان خطرا جسيما يهدد استقرارها. العدو المشترك وفي وجود عدو مشترك تقاربت المسافات كثيرا بين الفرقاء ، ومنذ عام كشفت نشرة «تيك ديبكا» العسكرية الإسرائيلية في تقرير لها ـ حول التغلغل الإسرائيلي في جمهوريات وسط آسيا الإسلامية ـ النقاب عن تواجد خبراء عسكريين ورجال استخبارات إسرائيليين حاليا في «بشكيك» عاصمة جمهورية قيرغيزستان الإسلامية؛ وذلك لمساعدة الجيش الروسي في إنشاء وتدريب جيش تدخل سريع لمحاربة المسلمين في المنطقة من أربع فرق عسكرية: روسية وقيرغيزية وكازاخية وطاجيكية. وقد شهدت الفترة الأخيرة ـ طبقا لما أكده التقرير الذي أذيع الثلاثاء 1-5-2001- تعاونا روسيا إسرائيليا في إطار ما يسمى بـ «محاربة التطرف الإسلامي» الأمر الذي تكلل بالتوقيع على عدد من الاتفاقيات الأمنية والاستخباراتية المشتركة التي يتبادل في إطارها خبراء الأمن والمخابرات الروس والإسرائيليون الزيارات بشكل متواصل وعلى فترات قصيرة ، وتنص هذه الاتفاقيات على القيام بعمليات مشتركة بين الاستخبارات الروسية والموساد الإسرائيلي لمكافحة ما يسمى بـ «الإرهاب» وبخاصة في الشيشان وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية ، والاستفادة من الخبرة الإسرائيلية الطويلة في هذا المجال، فضلا عن إنشاء بنك للمعلومات حول الحركات والجماعات التي يصفها الروس والإسرائيليون بالإرهابية ومواقعها ومصادر تمويلها، وتبادل المعلومات والخبرات بدون تحفظ. تركيا وإسرائيل وعلى الجانب الآخر ينطلق حكام أسيا الوسطى في علاقتهم مع الكيان الصهيوني من تصور أنه طريق الوصول للغرب الذي يشكل النفوذ الصهيوني فيه قوة مهمة ، ويرى الخبراء أن دول آسيا الوسطى والقوقاز عشية انتهاء الحرب الباردة واضمحلال الاتحاد السوفييتي ونيل استقلالها هرعت هذه الدول مسرعة في بذل مساعيها لاستجلاب المعونات الاقتصادية والاستثمارات التي كانت في أشد حاجة إليها وأنها تعجلت تعزيز العلاقات مع القوى الكبرى، كما أعطت أهمية خاصة لتوطيد العلاقات مع إسرائيل وجذب مساعداتها؛ معتبرة إياها بوابة الغرب وصداقته ومن هنا بادروا بتوطيد العلاقات الدبلوماسية على وجه السرعة. وقد استفاد الكيان الصهيوني استفادة مزدوجة من تدخله في آسيا الوسطى ، فبينما كانت تركيا تحاول لعب دور كبير كقوة إقليمية لها قدرة على التأثير في هذه المنطقة ، فضلت التحالف مع الكيان لمواجهة التنافس الإيراني ، وفي الوقت نفسه ، وفرت للصهاينة غطاء إسلاميا لدخول المنطقة ، بينما الدور التركي من ناحية أخرى يمنح الكيان الصهيوني مزيدا من أسباب التفوق العسكري على العرب ، مقابل أن يبيع الكيان الصهيوني لتركيا وهم أنه قادر على إدخالها الاتحاد الأوروبي ، وجعلها أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية بنفوذ اللوبي الصهيوني. الغياب العربي و الحديث عن الحضور الصهيوني يستدعي بالضرورة الحديث عن الغياب العربي وهو ظاهرة يشتبك فيها السياسي بالديني بدرجة كبيرة ، فمنذ بداية وجودهم في هذه المنطقة سعى الصهاينة للبحث عن غطاء إسلامي وهو ما وفرته لهم تركيا ، كما أنها استغلت حالة الصراع السياسي الذي تشهده دول هذه المنطقة بين أنظمتها السياسية وحركات معارضة مسلحة ـ غالبا إسلامية ـ ترى الأنظمة السياسية الحاكمة في آسيا الوسطى ، كأنظمة علمانية ، استمرارا للنظام الشيوعي السوفييتي . وقد عزف الكيان الصهيوني على هذا الوتر واتكأ على مخاوف حكومات هذه الدول ليبعدها عن احتمال بناء علاقات قوية مع العالم العربي والإسلامي بوصفه المحيط الطبيعي لحركة هذه الدول. ولا شك في أن إعلام «مناهضة الإرهاب» الذي صدرت معظم أدبياته من عواصم عربية عانت من وجود معارضة أصولية مسلحة فيها قدم للكيان الصهيوني المادة الخام التي ساعدته على رسم صورة للمنطقة العربية تتجسد فيها أكثر الأشياء إخافة لحكومات هذه المنطقة كما أن محاولة تصوير هذا العنف بوصفه مجرد جريمة منظمة لم تؤد إليها أسباب سياسية أضر بصورة الإسلام والعرب على السواء أكبر الضرر ، وبخاصة أن صورة هذه التنظيمات في أجهزة إعلام هذه الدول خضعت لعمليات تضخيم متعمدة كان هدفها كسب تعاطف العالم ، لكن الآثار البعيدة لهذا الخطاب الإعلامي ستترك تأثيراتها السلبية في أسيا الوسطى وغيرها. وثمة مؤشرات على وجود مخططات مشتركة غربية ـ صهيونية تستهدف الاستفادة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر والعدوان الأمريكي على أفغانستان لتحميل العرب المسئولية الكاملة عما لحق بأفغانستان من دمار ، وهو ما يعني بناء حاجز من الكراهية والخوف بين هذه المنطقة وبين كل ما هو عربي. فالوجود الصهيوني في هذه المنطقة لا يهمنا من حيث كونه هزيمة لنا في سباق مصالح ، فنحن لم ندخل هذا السباق حتى نخسره ، لكن ما يهمنا منه نتائجه السياسية وبخاصة عندما يوضع في إطار تصور أشمل هو علاقات الكيان الصهيوني في آسيا وهي علاقات يمتد بفضلها نفوذ تل أبيب من أنقرة حتى بكين ، وبدل أن ننظر إلى هذا الوجود مكتفين بالوصف و التحليل و التحذير ينبغي أن يكون هناك تحرك عربي لأجل إنهاء حالة غيابنا عن هذه المنطقة ، فوجود الكيان الصهيوني فيها ليس المشكلة بل غيابنا. بقلم: ممدوح الشيخ ـ كاتب مصري