إذا كانت الحرب الأفغانية الأخيرة قد سلطت الضوء بقوة على الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على آسيا الوسطى، فإن هذه الحرب قد كشفت بوضوح أيضا عن عمق وخطورة التغلغل الإسرائيلي في المنطقة، وعن رسوخ التحالف، وانسجام الأهداف، ودقة تنسيق المواقف والأعمال بين الولايات المتحدة وإسرائيل في تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى. وخلال أسابيع قليلة من بداية الحرب افتضح أمر مشاركة القوات الخاصة الإسرائيلية في الخطة الأمريكية لاختطاف الترسانة النووية الباكستانية في حالة وقوع انقلاب ضد حكم الجنرال مشرف.. ثم انكشف أمر اشتراك وحدات صهيونية بصورة مباشرة في القتال في أفغانستان. ثم أشارت التقارير إلى انتقال وحدات من القوات الخاصة الإسرائيلية إلى أوزبكستان لدعمها في مواجهة هجمات إرهابية محتملة بعد أن كانت تلك الوحدات قد توقفت لعدة أيام في قيرغيزستان، في محاولة للتمويه على وجهتها النهائية. وليست هذه الوقائع إلا أمثلة أخيرة بارزة تشير إلى عمق الترابط بين التغلغل الصهيوني متعدد الجوانب في آسيا الوسطى والاستراتيجية الأمريكية الهادفة للهيمنة على المنطقة. بينما يرجع التعاون الوثيق بين واشنطن وتل أبيب للتغلغل في دول آسيا الوسطى إلى سنوات طويلة مضت ..وبصورة أكثر تحديدا إلى الشهور التالية مباشرة لإنهيار الإتحاد السوفييتي في ديسمبر عام 1991. فقد تم الاتفاق على تنسيق العمل بين الطرفين في تلك المنطقة في لقاء بين الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين في عام 1992 واتفق بوش ورابين على أن يشمل التعاون بين الطرفين مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية والامنية بما فيها منع وصول أسلحة أو تكنولوجيات نووية أو تقليدية متطورة ورثتها دول آسيا الوسطى عن الإتحاد السوفييتي السابق إلى الدول العربية أو إلى دول مارقة مثل إيران. تحالف قديم وفي أواخر يوليو 1992 قام ريتشارد أرميتاج مساعد وزير الخارجية الأمريكية المسئول عن تنسيق المساعدات للجمهوريات السوفييتية السابقة بزيارة إلى تل أبيب ناقش خلالها مع المسئولين الإسرائيليين تفاصيل الاتفاق المذكور وكيفية وضعها موضع التنفيذ واتفق الطرفان على قيام الولايات المتحدة بتمويل مشروع إسرائيلي في دول آسيا الوسطى تركز في البداية، في مجالات الزراعة والري وإدارة المياه، ونقل تكنولوجيا إسرائيلية في هذه المجالات إلى تلك الدول، وتدريب خبراء من أبنائها كما اتفقا على تكوين فريق أمريكي إسرائيلي مشترك لبحث مختلف أوجه التعاون الممكنة وتنسيق الجهود في المنظمات والمؤتمرات الدولية المعنية بتقديم المنح والقروض والمساعدات الاقتصادية والفنية لدول آسيا الوسطى، ومفهوم أن الأمر يتعلق بضمان نصيب لإسرائيل في تنفيذ البرامج الدولية الهادفة لمساعدة تلك الدول. أي بضمان فرص أكبر للتغلغل الإسرائيلي في آسيا الوسطى . وأعلن أرميتاج عن وضع إمكانيات السفارات الأمريكية في مجال المعلومات والاتصالات وتوصيل الرسائل تحت تصرف إسرائيل في تلك البلدان التي لم يكن لتل أبيب سفارات فيها آنذاك مثل طاجيكستان وقيرغيزستان وتركمانستان !! وغني عن البيان أن هذا أمر غير مألوف في العلاقات الدولية.. لكنه مفهوم في ظل علاقات التحالف العضوي بين أمريكا وإسرائيل. وقد استمرت هذه الروح وتعززت خلال السنوات التالية من العمل المشترك، أو المستقل، بين البلدين في آسيا الوسطى، والتي شهدت مزيدا من التغلغل الصهيوني متعدد الجوانب في مختلف دول آسيا الوسطى. ولسنا بحاجة إلى استعراض مختلف أوجه هذا التغلغل إذ تناولتها مقالات أخرى في هذا الملف. كما تناولتها «البيان» في مناسبات عديدة انظر مثلا غنائم إسرائيل النووية في كازاخستان - 8 يناير 2002 وإسرائيل أقصر الطرق إلى قلب أمريكا - 12- يناير 2002 وحسبنا هنا أن نشير إلى أن التغلغل الصهيوني في دول آسيا الوسطى قد اقتحم مجالات بالغة الحساسية لم يكن لإسرائيل أن تقتحمها دون طلب، أو ترحيب، أو على الأقل ضوء أخضر أمريكي. ومن بين هذه المجالات التغلغل الأمني والمخابرات الإسرائيلية في بلدان مثل أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان، فضلا عن أفغانستان. وهو تغلغل تزايد بصورة ملحوظة مع بروز الخطر الأصولي في المنطقة، واكتسابه طابعا متزايد العداء للولايات المتحدة بعد خروج طالبان عن طاعة واشنطن، وخاصة بعد تحالفها مع تنظيم القاعدة، ثم تحالف الأخير مع تنظيم الجهاد، وتوجه الاثنين لضرب المصالح الأمريكية. ومن بين هذه المجالات أيضا التكنولوجيا النووية، وخاصة في كازاخستان أكثر بلدان آسيا الوسطى تقدما من الناحية العلمية، حيث أعطت الولايات المتحدة لإسرائيل الضوء الأخضر لشراء مجمع نسيلينا الضخم لمعالجة خام اليورانيوم . استراتيجيات متناغمة والواقع أن الولايات المتحدة ترحب بالدور الإسرائيلي في آسيا الوسطى وتدعمه سياسيا وماديا لأن هذا الدور يخدم مصالحها ويجيء في إطار استراتيجيات للهيمنة على المنطقة كخلفية من خلفيات الاستراتيجية الأمريكية الهادفة لمحاولة الهيمنة على العالم. وتتمثل أهم أهداف الولايات المتحدة من الهيمنة على أسيا الوسطى فيما يلي: ـ حصار روسيا وإضعافها بصورة تمنعها من استعادة دورها كقوة عظمى في المستقبل المنظور على الأقل، وعزلها عن مجالها الحيوي في آسيا الوسطى والقوقاز . ـ السيطرة على الثروات الطبيعية الضخمة لآسيا الوسطى وبحر قزوين وخاصة الثروات الهائلة من النفط والغاز، وخطوط نقلهما للأسواق العالمية . ـ تطويق الجناح الغربي للصين، القوة المرشحة لمنافسة أمريكا خلال العقود المقبلة، وضرب التحالف الناشئ بين بكين وموسكو، المناوئ لانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم . ـ استكمال تطويق إيران من الشمال والشرق تمهيدا لإخضاعها للسيطرة الأمريكية، أو ضربها إذا اقتضى الأمر وتصفية برنامجها النووي والصاروخي . ـ منع تسرب التكنولوجيا والمواد والخبرات النووية، وكذلك تكنولوجيا الصواريخ وغيرها من الأسلحة التقليدية أو فوق التقليدية المتطورة الموروثة عن العهد السوفييتي من دول آسيا الوسطى وخاصة كازاخستان وأوزبكستان إلى الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية والعراق، وكذلك إلى الدول العربية - حتى وإن كانت معتدلة - حرصا على احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي. ـ وجود نظم حكم مواكب لأمريكا والغرب عموما، تقوم على اقتصاد السوق - أو نتيجة نموه بصورة حثيثة - بما يسمح بتدفق رؤوس الأموال الأمريكية والغربية على هذه البلدان، وسيطرتها على أسواقها. ـ تصفية الحركات الأصولية الراديكالية في المنطقة بما يضمن أمن الولايات المتحدة داخل أراضيها، ومصالحها في الخارج، وكذلك أمن ومصالح حلفائها، واستقرار النظم الموالية لها في المنطقة .. وهو الهدف الذي تضاعفت أهميته في السنوات الأخيرة وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر . وإذا كان بوسع القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تطرح على نفسها مثل هذه الأهداف الكبرى - بغض النظر عن مدى النجاح في تحقيقها - بما تعنيه من تغييرات كبرى في خريطة آسيا والعالم، فإن إسرائيل - التي تدرك حدود إمكانياتها كدولة صغيرة ورغم تأييدها للأهداف الأمريكية وخدمتها لها - كان من الطبيعي أن تركز اهتمامها على تحقيق أهداف أكثر تواضعا وأقرب إلى تحقيق مصالحها المباشرة وأهدافها الخاصة، وفي مقدمتها تنشيط الهجرة اليهودية من تلك البلدان، والاستناد إلى نفوذ الجاليات اليهودية القوية فيها لتعميق التغلغل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الإسرائيلي فيها، وانتزاع مواطئ أقدام متزايدة الاتساع في أسواقها . كما تهتم إسرائيل بشدة بمنع تسرب التكنولوجيا والخبرات النووية والصاروخية، والأسلحة التقليدية المتطورة من تلك البلدان إلى الدول العربية والإسلامية وخاصة إيران والعراق ومصر وسورية، مع الحرص على عرقلة تطور علاقات الدول الأخيرة ببلدان آسيا الوسطى. ومع بروز طالبان ودعمها للمنظمات الأصولية الراديكالية في المنطقة، وتزايد مخاوف أنظمتها من هذا الخطر الزاحف، تقدمت إسرائيل لتعرض خدماتها ونقل خبرتها في العمل ضد المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس والجهاد واللبنانية حزب الله تحت دعوى نقل خبرة مكافحة الإرهاب الأصولي الأمر الذي أتاح لها فرصة كبيرة للتغلغل الأمني واسع النطاق في بلدان مثل أوزبكستان وقيرغيزستان . ولأن كل هذه الجهود تنسجم مع المصالح الأمريكية في المنطقة، فإن الولايات المتحدة اهتمت بتعزيز تعاونها وتنسيق جهودها مع إسرائيل بدرجة متزايدة طوال الفترة الماضية . وأعطى تولي مادلين أولبرايت وزارة الخارجية الأمريكية عام 1997 دفعة كبيرة جديدة لهذا التعاون، وخاصة في مواجهة الخطر الإيراني ومكافحة الإرهاب، على أن يكون التعاون وفقا لتوجيهات أولبرايت من خلال وزارات الخارجية والدفاع والمخابرات، وأن يتم تركيز الجهود الأمريكية - الإسرائيلية في تلك المرحلة على أوزبكستان بالدرجة الأولى بجعلها شريكا للغرب وخاصة أمريكا وإسرائيل في مواجهة الأصولية الإسلامية والإرهاب الدولي! والخطر الإيراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين .. وتم تكليف السفيرين الأمريكي والإسرائيلي في طشقند بمتابعة تنفيذ توجيهات أولبرايت . شريك فاعل وإذن فقد تحقق التغلغل الإسرائيلي في آسيا الوسطى في إطار الإستراتيجية الأمريكية التي لعبت فيها إسرائيل - ولاتزال - دور الشريك الأصغر لكن من الضروري هنا الإشارة إلى أن الدولة الصهيونية شريك أصغر يسعى باستمرار إلى تنظيم دوره وتوسيع مجال حركته، ولا تغيب مصالحه الخاصة أبدا عن مجال رؤيته ويؤدي دوره مستفيدا بذكاء شديد من نقاط قوية فقد وظفت إسرائيل اللوبيات اليهودية في دول آسيا الوسطى لفتح الأبواب أمام تغلغلها السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي على أساس معرفة ممتازة بأوضاع تلك الدول . وجدير بالذكر أن هذه اللوبيات منظمة بصورة ممتازة وللمخابرات الإسرائيلية تغلغل عميق داخلها منذ العهد السوفييتي من خلال جهاز خاص يتبع رئاسة الوزارة مباشرة هو جهاز الفافيت المسئول عن تنظيم هذه الجاليات، وتهجير المطلوب هجرتهم من بين أفرادها، وتجنيد الجواسيس من بينهم.. الخ ويمثل الفافيت ذراعا قوية للتغلغل الصهيوني في كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق . وهو جهاز خطير يستحق كتابة مستقلة . كما استفادت إسرائيل من علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة لتقدم نفسها - ومعها الحركة الصهيونية العالمية - كوسيط لدى أمريكا والغرب لاجتذاب رؤوس الأموال اليهودية والغربية إلى بلدان آسيا الوسطى، وتحسين صورة أنظمتها القمعية والفاسدة في الاعلام الغربي الذي تملك فيه الحركة الصهيونية نفوذا بالغ القوة، حتى أن الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف يتحدث عن إسرائيل باعتبارها «نافذتنا» على الغرب! ثم باعت الدولة الصهيونية دور اللوبيات اليهودية في الجمهوريات السوفييتية السابقة للولايات المتحدة، باعتبارها أدوات لتسهيل السيطرة الأمريكية وفتح الأبواب أمامها، والضغط على الحكومات المحلية إذا تلكأت في ذلك.. وهذا حق لا مراء فيه وورقة إسرائيلية قوية في مساومات تل أبيب مع الحليف الأمريكي للحصول على مكاسب وامتيازات إضافية في آسيا الوسطى.. ولانتزاع أمريكي ودولي لمشروعات ينفذها خبراء إسرائيليون في المنطقة، ويفتحون بها الأبواب أمام شركات بلادهم .. التي لديها بدورها ما تقدمه لدول المنطقة . وخلاصة القول أن الدعم الأمريكي للدور الإسرائيلي المتنامي في آسيا الوسطى لم يكن تعبيرا عن ضعف عاطفي مزمن من جانب العم سام تجاه الدولة الصهيونية بسبب اللوبي اليهودي الأمريكي العتيد، وإنما لأن إسرائيل عرفت كيف تنتزع لنفسها مكانا في إطار الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وكيف تصبح شريكا فاعلا، ومن ثم حليفا مفضلا للولايات المتحدة في هذه المنطقة المهمة استراتيجيا .. ولا عزاء للعرب والمسلمين. تسعى امريكا واسرائيل الى الالتفاف على بعض القوى الاقليمية والدولية والسيطرة على الثروات الطبيعية في آسيا الوسطى. بقلم: د. محمد فراج أبو النور _ كاتب مصري