اعرب الامير الحسن بن طلال عن تخوفه من حدوث «شيء مفاجئ، في هذه الفترة وحتى قبل عيد الاضحى واصفا هذه الفترة بالفترة الساخنة. وقال الامير الحسن بن طلال الذي يجمع المثقفون الاردنيون والعرب على سعة ثقافته، إضافة إلى اضطلاعه على خفايا الامور في المنطقة والعالم في محاضرة له القاها مؤخرا في الجامعة الاردنية كبرى الجامعات في المملكة تحت عنوان «في المشروع النهضوي الحضاري» الذي نظمه من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة ان سلام جنوب اسيا واستقرارها هو من صميم مصلحتنا هنا في غرب اسيا، وان تجنب الازمات عن طريق الحوار المستمر والسلام المشترك اجدى بكثير من بديل الدمار المشترك الذي لا يمكن ان يحبذه أحد. لافتا الى انه لا يرى ان ما بين منطقة القاهرة ومنطقة نيودلهي جزرا معزولة فالتوتر مرتبط ببعض. وأكد الحسن أن المطلوب الان الاتفاق بالحوار بين اهل المذاهب الاسلامية على مرجعية الافتاء، مشيرا إلى أن تباين الفتاوى يضر بمصلحة الامة ويعمق سوء الفهم والخلاف مع الغير. فيما دعا إلى احياء مشروع «صندوق عالمي اسلامي للزكاة». مشددا في ذات الوقت على أن المسلمين مطالبون بتبني مواقف موحدة في منابر العالم لبناء انظمته الانسانية.. بمعنى الانخراط في ثقافة الانضواء. وشدد الحسن على ضرورة تجميع شتات الأمة في اقاليم اربعة هي: جزيرة العرب، والهلال الخصيب، ووادي النيل، والشمال الافريقي، وتشكيل مجلس لها على غرار الترويكا الاوروبية وقال إن الفكرة الخلاقة لاتعرف الحدود، ولاتتوقف عند الحواجز التي أعليناها بين اقطارنا. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية قال الحسن انها القضية الاساسية التي أشغلت طاقات العرب عموما لاكثر من نصف قرن، وطاقات الاردن خصوصا لاكثر من ثمانية عقود، مشيرا إلى أن هذه القضية ما فتئت تتفاقم، حتى باتت تهدد بنسف حوارنا مع الاخر من اساسه. وقال إن حصر الفكر السياسي العربي في هذا الصراع الممتد ساهم في شل قدرات الامة على التخطيط للمستقبل، وعلى الابداع ومواكبة العصر بكل تجلياته ومستجداته، معربا عن اسفه في ان الحلول المقترحة لهذه القضية المعقدة المركبة لاتتعدى نطاق القرارين المشهورين 242 و338، واصفا مايطرح منها للتنفيذ بأنها حلول «مساحية» تبدأ بالمشروع الامني الذي وضعته لجنة ميتشل، وتنتهي بالتفاوض على الاراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية المنشودة. وشدد على ان جوهر القضية يبقى في الكيفية التي تبلور فيها الدول المضيفة للشعب الفلسطيني المهجر مفهوم تقرير المصير له على اساس مبدأ التمسك بالحقوق المشروعة، وهي حق العودة والتعويض، وبالمقابل تقرير المصير لهذه الدول نفسها على مبدأ ان لا تتوقف عملية بناء الاوطان بسبب الاجندة التي تفرضها اسرائيل بسياسة الامر الواقع. واشار إلى مبادرته في مطلع السبعينيات من القرن الفائت لدراسة الاستعمار (او ما سمي بعد ذلك الاستيطان) الاسرائيلي في الاراضي المحتلة، مؤكدا انه انتهى الى ان اعداد المستعمرين اليهود في الاراضي الفلسطينية المحتلة ستصل في نهاية القرن الماضي الى مستويات لا يمكن الا ان تضع سقفا للوجود الفلسطيني على ترابه الوطني. وقال إن الرسالة الاردنية هي رسالة الرباط، أي المقر، حملها اصحاب الضمائر الحية المنتمون للوجدان العربي الاردني الذي تكون بالدماء والتضحية عبر عقود من السنين. فالاردن هو ارض الرباط، ارض المقر، ولن يكون ابدا المعبر او الممر بين اسرائيل والنفط الحيوي للدول الصناعية، وهي الدول نفسها التي قسمت العالم الى منطقة سلام او «دار سلام» ومنطقة ازمات «او دار حرب»، ووضعتنا في المنطقة او الدار الثانية، الجهاد الاكبر وفي هذا السياق اكد الامير الحسن على انه قد آن الاوان لحث الجماهير على الجهاد الاكبر الذي قال عنه انه يغني النفس بمكتنزات الدين الحنيف، ويرتقي بها الى فهم قيمه واحكامه، والسمو بها لاستيعاب المحبة التي يكنها الخالق للمخلوق والتكريم الذي اسبغه سبحانه وتعالى على الانسان. وتابع قائلا: ومن ثم نبدأ بتربية النشء على قيم العدالة والاستقامة والمحبة والحق، وعلى حقن منابرنا الثقافية بالفكر الاخلاقي الذي تغنيه التعددية، وينيره التنوع الحضاري، وتزينه الاصالة المستنيرة، فننطلق من كل هذا الانضواء في التكوين الحضاري المعاصر وفي خيمة الأمم التي تقاربت وتفاهمت، مسقطة حواجزها الحدودية وفاتحة اسواقها في منظومة عالمية لم يسبق لها مثيل. وشدد الامير انه في سياق الجهاد الاكبر مع النفس، لابد من فهم عميق لهذا الجديد الذي غزا العالم، فجعل من كوكبنا قرية عالمية، حتى اصبح يسيرا على المرء أن يتفاعل مع ارجاء المعمورة ويحصل على طوفان من معلومات بلمسة حاسوب. مشيرا إلى أن هذا الغزو الانساني لتخوم الفضاء وتخوم الذرة وما دونها من شأنه أن يزيد ايماننا بعظمة الخالق الواحد القهار. وقال ليس بالامكان في عالم اليوم ان نعيش في عزلة عن الامم الاخرى، فالتبادل السلعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي امر حتمي، والحوار الاخلاقي يمهد الطريق لحوارات ثقافية ولتفاهمات سياسية، تقطع الطريق على التطرف والمتطرفين، وتشد من ازر المستضعفين والمهمشين، وبهذه الحوارات يعلو الحق وتترسخ القيم. واضاف: اذ نتحاور مع الغير، لا بد من تحديد هويتنا. فأنا عربي مسلم، ارى ان الدعوة الاسلامية هي في الاساس دعوة للعدل والانصاف. واعرف ان مفهوم الامن الديني اضحى في بعض الدول العربية والاسلامية مفهوما وطنيا من خلال استحواذ الدولة على المبادرات الشعبية والمؤسسات الاهلية، ومنها المؤسسات الاسلامية كالزكاة والوقف. وقد عمل تدخل الدولة هذا على تقليص المبادرات الاهلية او المدنية، مع ان الانسان هو الاساس في هذه المؤسسات. وفي اشارته إلى مشروع «صندوق عالمي اسلامي للزكاة» قال انه قبل ما يقارب اربعة اعوام، ذكرت القمة الاسلامية المنعقدة في طهران بمشروع بقي دفينا اكثر من عشرة اعوام هذا الصندوق الذي يقوم على الاسس الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما تناقل الينا من أئمة المسلمين الكبار وعلمائهم، داعيا إلى احياء هذا المشروع الجليل. فالفقر عدو الانسان والأمن والسلام، وقد جعل الاسلام فريضة الزكاة وسيلة مؤثرة لمحاربة هذه الآفة ومسبباتها. وقال انه بذلك نضرب المثل في التكافل والتعاون. فنحن نتحدث غالبا عن العربي و«الآخر»، فماذا عن العربي والعربي الآخر؟ ماذا عن العربي والمسلم الآخر؟ ويذكر الامير أن سمعة العرب والمسلمين تتعرض اليوم لأشد الحملات ضراوة، وقال بات مجرد ذكر كلمة «الارهاب» عند البعض يصور وكأنه عربي أو اسلامي المنشأ حيث تستنفرنا هذه الظاهرة كي نتصدى لها بالعمل المستنير الدؤوب والحوار الموصول. في حين أشار إلى أن حضارتنا التي تدعو للسلم والتسامح، واحترام الانسان والدفاع عن وقاره وحقوقه، لايمكن أن يكون ابناؤها ادوات لقتل الابرياء والعزل والمدنيين معربا عن المه ان العالم لا يدرك ان الارهاب يقتل ويشرد من المسلمين اكثر من غيرهم. وشدد الامير الحسن على أن المسلمين مطالبون اليوم جميعا بالعمل على تقديم الصور الازهى والابهى عن العرب والمسلمين، وان هذا يقتضي ان نتبنى مواقف موحدة في منابر العالم لبناء انظمته الانسانية، والبيئية، والاقتصادية، والتجارية المعتمدة على التعددية، أي الانخراط في ثقافة الانضواء. وقال: من هنا يأتي حديثي القديم المتجدد عن الحاجة الى مصفوفة شاملة من الموضوعات والقيم التي تدخل ضمن اطار القانون الانساني الدولي وحقوق الانسان، من جهة، واخلاقيات التضامن الانساني، من جهة اخرى فكل موضوع يتعلق بالنزاعات بين البشر انفسهم، او بين الانسان والطبيعة، او الكوارث الطبيعية وتلك من صنع الانسان، يندرج في موضع ما ضمن هذه المصفوفة. كسر طوق العزلة وطالب الحسن الامة الاسلامية والعربية إلى جمع شتاتها على حد وصفه، وكسر طوق العزلة الذي ـ بحسب قول الامير ـ ضربناه حولها او ضرب حولنا، فكفانا اعتدادا بالقطرية التي كوتنا حتى تنكرت بعض اقطارنا لبعضها الآخر. وقال علينا ان نوظف طاقاتنا لازالة العقبات التي تقف حائلا دون تعاوننا، نحن ابناء الامة الواحدة، وان نبدأ بالتعامل الجدي مع التحديات. ويمكننا في هذا الصدد ان نشحن المنظمات العربية غير الحكومية، والاتحادات المهنية، ومنابر الفكر والثقافة العربية، لتفعيل التنسيق العربي وتمهيد الطريق للعمل العربي المشترك. واضاف كل ذلك دون المساس بفكرة الوحدة العربية الاندماجية الرومانسية، يمكن تجميع شتات الأمة في اقاليم اربعة هي: جزيرة العرب، والهلال الخصيب، ووادي النيل، والشمال الافريقي، وتشكيل مجلس لها على غرار الترويكا الاوروبية. فالفكرة الخلاقة لا تعرف الحدود، ولا تتوقف عند الحواجز التي أعليناها بين اقطارنا. معتبرا انه قد آن الاوان لكي نستحدث منابر فكرية واخرى اهلية للتفاعل مع سائر الشعوب الاسلامية للوصول الى فهم معطيات الدين الحنيف ومقتضياته، وللاتفاق بالحوار بين اهل المذاهب الاسلامية على المرجعية الفقهية ومرجعية الافتاء، مشيرا إلى العالم الاسلامي العربي شهد في الآونة الاخيرة تباين الفتاوى مما يضر بمصلحة الامة ويعمق سوء الفهم والخلاف مع الغير. وتابع قائلا انه ليس سرا ان اقطار العالم الاسلامي تحتوي على معظم احتياطات النفط والغاز في العالم، وهي المصدرة الرئيسية للنفط الى الدول الصناعية المتقدمة. كما انني لا افشي سرا اذا قلت: ان غالبية اقطارنا مستوردة للمياه باستيرادها للغذاء، حتى ان بعضها يعجز عن تلبية طلبات سكانها لمياه الشرب، وبعضا آخر يعمد الى تحلية مياه البحر. كذلك شهدنا في الآونة الاخيرة كيف تحولت البلدان المتقدمة الى معاملة الماء سلعة تباع وتشترى وتطبق عليها قوانين السوق، في الوقت الذي ينفرد فيه الماء دون غيره من السلع الطبيعية او المصنعة بكونه الاساس في كل شيء حي. واشار إلى أن اقتفاء اثر نجاحات تحققت للأمم الاوروبية في اذكاء روح التعاون بينها لا يعيب الامة الاسلامية والعربية، وقال أن هذه الروح وصلت بعد اقل من نصف قرن الى ما هي عليه من اتحاد اطلق منذ اسبوعين عملة موحدة للتداول في اسواقه. مشيرا إلى أن التعاون الاوروبي بعد الحرب العالمية الثانية بدأ بتجربة مجموعة الفحم والصلب التي تشكلت من أمم لا يتجاوز عددها اصابع اليد الواحدة. والتأمت حول تلك النواة امم اوروبية اخرى شكلت السوق الاوروبية المشتركة واضاف مع ان العولمة تركز في المقام الاول على التجارة والاقتصاد وتحرير الاسواق، الا ان لها ابعادا اجتماعية خطيرة، فهي وجهان: احدهما يشمل المعايير المادية بكل ابعادها، والآخر يشمل المعايير الاجتماعية والديموجرافية. واعرب الحسن عن خشيته ازاء ما يخبئه المستقبل للعراق الذي يركز عليه الحصار الدولي بالذات. وتساءل هل سيواجه مخططا على غرار ما تعرضت له افغانستان من تحالفات لاسقاط نظام الحكم؟ وهل سيفضي ذلك مرة اخرى إلى نظام دولي جديد؟ ألا تدفعنا هذه التساؤلات والمخاوف الى اعتماد الحوار وسيلة للتفاهم وتضييق المساحات امام مدارس التطرف من جميع الملل والنحل؟ عمان ـ لقمان اسكندر: