من المحتمل ان تتطور قصة انهيار شركة النفط العملاقة اينرون من مجرد قضية مالية تتعلق بسوء الإدارة إلى فضيحة سياسية كبيرة على اسماء كبيرة في ادارتي الرئيسين جورج بوش وبيل كلينتون. وقد يكون من المفيد أولاً القاء بعض الضوء على الجانب المالي في انهيار اينرون، أي لماذا حقاً انهارت الشركة؟ وكيف تسنى لمؤسسة بهذه الفخامة وبهذا القدر من النجاح خلال السنوات السابقة ان تتداعى بين عشية وضحاها؟ وذلك قبل التطرق إلى الجوانب السياسية في هذه القضية، اي إلى العلاقة بين انهيار الشركة من جهة وكل من ادارتي كلينتون وبوش من الجهة الأخرى. ويمكن تلخيص الجانب الإداري في مأساة اينرون بالعودة إلى اقتراح «غير تقليدي» طرحه احد مديري الشركة عام 1997 لتجنب عقبة حالت آنذاك دون توسع استثمارات الشركة، في ذلك الوقت كانت اينرون تسعى إلى اشراك صندوق تقاعد الموظفين الحكوميين في ولاية كاليفورنيا ـ الذي يسمى من باب الاختصار «كالبيرز» ـ في عدد من مشروعاتها الجديدة. كان صندوق «كالبيرز» شريكا لاينرون بالفعل منذ العام 1993 ـ في مشروع يتعلق باستثمارات الغاز الطبيعي يسمى مشروع «جيدي». وكان «كالبيرز» قد دفع مقابل ذلك 250 مليون دولار اتت له بأرباح طيبة. إلا ان مديري «كالبيرز» ـ ولاسباب تتعلق بهم ـ رفضوا الانتقال إلى أي مشروع اكبر من اينرون قبل بيع حصتهم في «جيدي». وبدا ان حذر مديري كالبيرز مبالغ فيه بعض الشيء، فقد كان «جيدي» يربح وكانت اوضاعه مستقرة إلى حد كبير. الا ان المديرين اصروا على موقفهم بدعوى ان اللائحة الداخلية للصندوق لا تتيح لهم القيام بمثل هذه الخطوة مع نفس الشريك. وهناك تفتق ذهن أحد مديري اينرون عن فكرة بدت آنذاك «بريئة» ومفيدة في الوقت ذاته. فحيث ان «جيدي» يربح، فلماذا لا يشكل هذا المدير لنفسه شركة جانبية صغيرة مع بعض اصدقائه على الورق ليشتري «جيدي» من «كالبيرز»، وبذلك يزيح العقبة التي تعترض اشراك كالبيرز في مشروع ثان اوسع نطاقاً مع اينرون. ووافقت ادارة اينرون وتم تشكيل الشركة الجانبية الصغيرة تحت اسم «تشيكو» في نوفمبر 1997. ولضمان الا يتحول الامر إلى امر شخصي، اي إلى استثمار فردي من قبل المدير واصدقائه بما في ذلك من احتمالات للارباح وللمخاطر، فان اينرون وقعت عقد شراكة مع تشيكو التي ما لبثت ان اشترت حصة «كالبيرز» في مشروع جيدي ودفعت مقابل ذلك 383 مليون دولار. أي ان «كالبيرز» استرد استثماره الاصلي ـ 250 مليون دولار ـ بالاضافة إلى ارباح بلغت 133 مليون دولار. ولكن كيف حصل المدير صاحب الفكرة على هذا المبلغ؟ أي كيف تمكنت الشركة الجديدة تشيكو من دفع 383 مليون دولار لشراء حصة كالبيرز؟ دبر مديرو اينرون الأمر باحكام. فقد طلبت تشيكو قرضاً من بنك باركليز في لندن بمبلغ 239 مليون دولار. ولما كانت تشيكو بلا تاريخ، فقد ضمنتها اينرون في الحصول على هذا القرض. من جهة أخرى حصلت تشيكو على قرض آخر ـ من مشروع جيدي نفسه الذي تنوي شراءه ـ بمبلغ 132 مليون دولار، وتم تدبير الباقي ـ حسب نص القانون ـ من المصادر الذاتية، أي بحد لا يقل عن 3% كما يطلب القانون الأمريكي. وقدم ذلك المديرون والشركاء الجدد في تشيكو. قد تؤدي عملية من هذا النوع إلى نقاش في فقه القانون حول ما اذا كانت اينرون قد تجاوزت القواعد في مناورتها، فقد كانت عملية معقدة الشيء. الا ان ذلك كان سيظل على نقاشاً قانونياً، أي لا يتماشى مع الفلوس» بعبارة اخرى لم يكن من شأن ذلك كله ان يزيد او يقلل من أرباح اينرون أو خسائرها. فالعمليات عمضي في مسارها المألوف مع بعض التعديلات المعقدة في الاسماء والصفات القانونية فحسب. الالتفاف على القانون ولكن الأمر لم يكن كذلك بسبب واحد بدا تافهاً و لا يستحق الاهتمام.. ذلك هو قصة الـ 3% هذه. فالقانون الأمريكي ينص على قيام المستثمرين المستقلين بدفع 3% على الأقل من المبلغ المستثمر. ولما كان المدير صاحب الاقتراح ويدعى مايكل كوبر لا يريد دفع هذا المبلغ الذي يصل في تلك الحالة إلى 11 مليون دولار، فإنه اتفق مع صديقه ويليام دودسون على اقتراض المبلغ «بصورة سرية» ان جاز الأمر. قال كوبر لزملائه في إدارة اينرون انه لا يستطيع ان يدفع 11 مليون دولار. وكان على مديري اينرون ان يبلغوه آنذاك ان هذا الشرط لا يشبه تشكيل تشيكو وشراء جيدي، فهو شرط صريح وواضح بحكم نص القانون. ولكن المديرين قالوا له ان بوسعهم تدبير طريقة ما لتجاوز دفع المبلغ. وقام هؤلاء المديرون بالاتصال ببنك باركليز، وقدموا للبنك ضمانة مالية لاقراض كوبر ودودسون قسماً من الـ 32% رغم ان القانون ينص على ان هذه النسبة يجب ان تأتي من المال الخاص للاثنين معاً وليس من أي قروض أخرى. وتبدو كل التفصيلات ثانوية وجانبية، الا انها كانت السبب الحقيقي في انهيار الشركة. ذلك بان عدم وفاء كوبر ودودسون بشرط دفع الـ 3% يعني ان اينرون هي التي دفعتها بالنيابة عنهما، وقد كان ذلك في واقع الأمر هو ما حدث فحيث ان اينرون قدمت ضمانة مالية لباركليز لاقراض كوبر ودودسون فإن ذلك يعني ان اينرون هي التي قدمت الـ 11 مليون دولار. فاذا تم الاقرار بذلك قانوناً فان دين «تشيكو» يجب ان يحسب على أساس انه دين اينرون. بعبارة اخرى يجب وضع مبلغ الـ 383 مليون دولار التي دفعتها تشيكو لشراء حصة كالبيرز ضمن قائمة ديون اينرون وذلك على أساس ان تشيكو ستصبح كائناً وهمياً من زاوية انه لم يف بشرط الـ 3%. المشكلة هنا ان اينرون لم تضع ذلك في ديونها، بل انها حسبت الناتج عن بيع «جيدي» باعتباره أرباحاً، وظهر ذلك في تقاريرها السنوية منذ العام 1997 على نحو جعل اسهم الشركة تحلق في سماء وول ستريت حتى باتت من أفضل الاسهم تداولاً في سوق الأوراق المالية الأمريكية. وفي أكتوبر الماضي، وبسبب تدقيق الحسابات الداخلية للشركة، تبين ان اينرون تضمن قرضاً لكوبر ودودسون، وانها بالتالي تعد مالكة علية لتشيكو بما لها وما عليها. وقام محاسبو الشركة الذين ارادوا اخلاء مسئولياتهم القانونية. بابلاغ مكتب المحاسبة الخارجي ارثر آندرسون بالأمر. وعندما فحص ارثر اندرسون القصة ـ والعجيب انه لم يفعل ذلك قبل هذا التاريخ ـ قال ان الوضع يعد وضعاً غير قانوني، وان على الشركة ان تضيف إلى ديونها مبلغ الـ 383 مليون دولار بالاضافة إلى الـ 11 مليون دولار وإلى نفقات ثانوية اخرى جعلت من المبلغ الاجمالي 400 مليون دولار. وكان اضافة ذلك إلى ديون الشركة يعني الانتقاص إلى حد كبير من ارباحها. ولابد لذلك من ان يقود الى انهيار سعر السهم الشركة التي سيرى المستثمرون انها «خسرت» بين عشية وضحاها 400 مليون دولار. وحاول مديرو اينرون العثور على حل سياسي للأزمة عبر الاتصال بالمسئولين في واشنطن وبالبنوك وبالجميع لتجنب كارثة اضافة 400 مليون دولار إلى الديون، ولكن لم يكن هناك بد من القيام بذلك من الوجهة القانونية. وحين اعلنت الشركة ذلك فقد المستثمرون أي ثقة لديهم في إدارة هذه الشركة التي تسجل خسائر قيمتها 400 مليون دولار في ليلة واحدة، والتي اخفت الحقائق عن المستثمرين، وتلاعبت بدفاترها، ولم تسجل ديونها بدقة عاماً بعد الاخر. وهكذا انهارت اسعار اسهم اينرون، لتنهار معها الشركة بأكملها. المسئولون في ارثر اندرسون يقولون الآن ان سجلات اينرون في خزائنهم وكمبيوترات الشركة تعرضت للتلاعب على نحو ما، وان قدراً منها فقد بصورة مجهولة. اما من الوجهة السياسية فسوف نورد هنا اكثر الروايات اتزاناً حتى لا نقع في اخطاء المبالغات التي تصاحب هذا النمط من الفضائح في العادة. وأكثر الروايات اتزاناً هي رواية مؤسسة «جودوسيال ووتش» وهي مؤسسة عامة تضم عدداً بارزاً من القضاة والمحامين وتتولى مراقبة اداء النظام القضائي الامريكي من على الخطوط الجانبية، كما انها ترصد مخالفات الساة للقوانين اذا ما حدثت. فبعد التقارير التي افادت بأن مديري اينرون اتصلوا بالبيت الأبيض عندما اتضح حجم تبعات الاخطاء التي ارتكبوها منذ 1997، وانهم حاولوا استخدام علاقاتهم السياسية لتعديل مسار الأمور، قال مدير «جوديسيال ووتش» لاري كلايمان ان اينرون قدمت تبرعات سخية لحملات المدعي العام الامريكي جون اشكروفت السياسية، وان اشكروفت هو المكلف الان بالتحقيق في اي مخالفات محتملة قد تكون اينرون قد ارتكبتها. وقال كلايمان «لقد طلب اشكروفت قانونياً ابعاده هو عن التحقيق في فضيحة اينرون. ونحن نعتقد انه تصرف صحيح، ولكن هل يمكن ضمان ان يلتزم مرؤوسو اشكروفت في وزارة العدل بالنزاهة وهم يعرفون ان رئيسهم كان على صلة وطيدة بالشركة التي يحققون في ممارساتها؟ تبرعات للرؤساء وكانت عشرات التقارير الأمريكية قد اوضحت ان اينرون قدمت تبرعات سخية لكل من بوش وكلينتون، ولنحو نصف عدد اعضاء الكونجرس. الا ان احدا لم يعثر بعد على دليل قاطع يوضح ان الشركة استخدمت نفوذها السياسي الضخم لاغراض مخالفة للقانون. رغم ذلك فان لكلايمان و«جوديسيال ووتش» رأي آخر، اذا قالت المؤسسة في بيان اصدرته ان هناك بعض القرائن التي توضح ان إدارة الرئيس كلينتون باعت بعض المقاعد في وزارة التجارة لشركة اينرون ـ أي انها قبلت بتعيين من تريدهم بالشركة في هذه المقاعد ـ مقابل تبرعات مالية قدمت إلى حملة الرئيس السابق الانتخابية. وقال كلايمان «لدينا مثلاً واقعة سفر مدير اينرون كينيث لاي إلى الهند برفقة وزير التجارة الراحل رون براون في عام 1995، واتفاق الاثنين على ان تقدم الإدارة معونة كبيرة إلى مشروعات الطاقة بالهند بحيث يجري تمويل هذه المعونة إلى اينرون التي ستتولى تنفيذ تلك المشروعات. لقد حصلت الشركة بذلك على مئات الملايين من الدولارات على هيئة أرباح بواسطة قرار سياسي من الإدارة السابقة. ولم يكن بوسعها ان تحصل على ذلك بدون ان تدفع الثمن. والثمن هو تبرعاتها السخية لحملة كلينتون عام 1996. والمعروف ان اينرون التي تتخذ من تكساس مقراً لها هي الممول الأول لحملة جورج بوش الرئاسية. وقال كلايمان «نعرف الآن ان رئيس اينرون لورانس ويلي اتصل بمساعد وزير التجارة لشئون التمويل الداخلي بيتر فيشر في أكتوبر الماضي ما يتراوح بين 8 إلى 10 مرات، وانه طلب منه التدخل لدى البنوك والمقرضين. ولا نعرف حتى الآن ما اذا كان فيشر قد تدخل. ولكن الأمر يستحق بدء تحقيق مستقل عن وزارة العدل التي يقودها جون اشكروفت، احد اصدقاء اينرون القدامى: اننا نرى ضرورة تعيين محقق خاص في قضية اينرون باسرها. ويقول كلايمان «لقد باع مديرو اينرون حصتهم من اسهم الشركة قبل الانهيار وذلك بأسعار مرتفعة. ولم يتمكن الموظفون أو صغار المستثمرين من بيع ما لديهم من أسهم لانهم لم يعرفوا مسبقاً بما يحدث. وهكذا خسر كثيرون مدخراتهم في ضربة واحدة. ونريد ان نعرف اذا كان البيت الأبيض تابع ذلك كله عن كثب فماذا فعل حقاً لحماية مصالح صغار المستثمرين. مديرو اينرون يقولون انهم لم يخرقوا القانون، وان مكالماتهم الهاتفية مع وزير الخزانة بول اونيل وحاكم المصرف المركزي الان برينسبان كانت لابلاغهم بتطورات الموقف فحسب، ورغم ان القضية حبلى بالاحتمالات. فان آفاق تحليقها قد تكون محدودة في نهاية المطاف، اذ ان المؤكد ان الإدارة الديمقراطية السابقة متورطة بدورها، ويعني ذلك ان الديمقراطيين سيلقمون حجراً فلا يتمكن أحد منهم من انتقاد الإدارة الحالية فضلاً عن ذلك فان مديري اينرون انفسهم لن يتطوعوا بما يؤدي إلى الاضرار بالإدارة الحالية، ذلك ان هؤلاء المديرين انفسهم لم يخسروا. لقد ربحوا الملايين من تصفية حصتهم من الأسهم قبل انهيار الشركة. اما صغار المستثمرين فانهم ـ كما هي العادة في كل مكان ـ بلا صوت. انهم دائماً الضحايا الصامتون. فضلاً عن ذلك كله فإن شعبية الرئيس بوش الان بلغت 84%، وهي لم تتوقف عن التحليق إلى آفاق لم يصلها أي رئيس أمريكي من قبل وذلك منذ احداث 11 سبتمبر. وفي مناخ كهذا يصعب النيل من البيت الأبيض عن طريق اينرون أو غير اينرون. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز: