شدد المفكر والسياسي العراقي بيان جبر على ضرورة ان يدرك العرب والمسلمون ان مقولة صراع الحضارات انما تنتمي فكرياً إلى الفكرة الغربية، وان من يتحدثون الآن عن حرب صليبية هم سلفيون بالمعنى المسيحي للكلمة. وأوضح ان ظاهرة الإرهاب في التصور الإسلامي انما هي استثناء وليس قاعدة كما ان وجود ارهابيين في الحضارتين الإسلامية والغربية لا يعني فشل الحضارتين في التعايش واقامة علاقات سياسية واقتصادية وتبادل للمعارف. وأكد جبر على ان شن ما تسمى بالحرب الصليبية خطوة بعيدة في حسابات السياسة الدولية الراهنة الا ان ذلك لا يمكن ان يعني ترك الحبل على الغارب واطلاق يد إسرائيل باستخدامها العنف والتصفية واستمرار الاحتلال والعبث بقرارات الشرعية الدولية التي هي مطالبة أيضاً بتحديد مفهوم واضح للإرهاب الذي يمارس على نطاق واسع في الشرق الأوسط والعالم. وأكد المفكر العراقي في اشارة إلى امكانية اعتبار الحرب الامريكية في افغانستان مرحلة متقدمة من العولمة، ان العولمة لا تأتي على أكوام جثث الضحايا وانقاض البيوت والبنيات الاساسية للشعوب المحرومة المغلوبة على أمرها، موضحاً ان الاستهدافات الأمريكية لافغانستان اذا كانت عمليات لانتاج العولمة فهي استهدافات خاطئة في كل شيء. وشدد جبر على ان الطرف المعني أساساً بحوار الثقافات هو الإنسان ذاته ومحاولة استكشاف ابعاد التسامح والخير التي يختزنها في اعماقه، مؤكداً على ان هذه هي الخطوة الأولى المطلوبة في المرحلة المقبلة. وحول الانجازات التي حققها العرب منذ بداية الصراع مع الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال الإسرائيلي أكد جبر ان اكبر الانجازات هو عدم التساهل بشأن التفريق بين الإرهاب والمقاومة ورفض الصاق تهمة الإرهاب بحق حركة المقاومة الوطنية التي تمكنت من طرد العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان. وإلى نص الحوار: ـ يرى الكثير من الخبراء والمحللين ان الهجوم الأمريكي البريطاني على افغانستان قد اعاد طرح مقولة: صراع الحضارات بدلاً من حوار الحضارات، كيف تنظرون إلى هذا التغيير؟ ـ في تصوري ان عمر مقولة صراع الحضارات ينتمي تاريخياً إلى الفكرة الغربية، وهي ظاهرة متأصلة في المشروع الفكري الغربي وفي مفاصل المجتمع قبل ان تكون فكرة عالمية كلية، وحين طرح العالم الأمريكي صموئيل هنتجنتون تلك المقولة، فقد كان يطلق في الواقع من اساسيات تلك الفكرة المتأصلة في تضاعيف المجتمع الغربي ولم يكن يعكس طبيعتها العالمية الكلية لذا ارى لزاما التأكيد على ان صراع الحضارات المطروح في الغرب هي حالة طارئة في الوضع العربي والإسلامي الراهن لاسيما اذا قاربنا بين اساسيات الواقع الإسلامي وخلفياته التشريعية والقانونية والحضارية والقرآنية، فالاسلام في احرج مراحل خلافه مع القوى الجاهلية كان يحث الجماعة الإسلامية ومجتمع الدعوة الى العمل بقواعد الحوار بالمفاهيم ـ الحوار الحضاري الصادق على خلفية الآية القرآنية الكريمة «ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن» هذا الأمر يؤكد ايمان الإسلام والجماعة الإسلامية بالآخر وقدرة هذا الايمان في الاختراق الحضاري وايجاد توليفة عالمية تؤمن بالجدل المعرفي والثقافي والحضاري وتعزز رصيده في الواقع بعيداً عن لغة القوة المسلحة واستخدام العنف والإرهاب والتعسف، كما ان اول آية هبطت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحث على القراءة «اقرأ» والقراءة في تفسير مهمة حوار الحضارات تعني الثقافة والعلم والتدرج في كيفية معرفة الأدوات التي تخرج الدعوة من اطار الفكر المجرد إلى الدولة القائمة بأدواتها التشريعية على العدل والمساواة والتسامح والتعايش. ومثلما أرسى الإسلام هذه القواعد المعرفية والفكرية والثقافية الخلافية بصيغته العادلة وصيغته الربانية الحقة الزم نفسه ان لايبدأ القتال واستخدام القوة مع الآخر المخالف الا اذا استخدم الآخر منطق حوار القوة. لكن الإسلام هو المبادر الأول ورائد فكرة التسوية السياسية والعسكرية، اذا بدأ الآخر بطرح فكرة الصلح «وان جنحوا للسلم فاجنح لها» وتلك من أهم مباديء استمرارية الحضارة الإسلامية كفكرة عادلة ومجتمع متحاور. ظاهرة الإرهاب في تصورنا الإسلامي استثناء وليست قاعدة ما دام طرف الحضارة الإسلامية والآخر الغربي يميلان إلى التعايش على مستوى الافراد والجماعات والشعوب والاستثناء ان لا يتغلب منطق الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على طرائق المتغيرات الطارئة التي لن يستفيد منها في كلا الحضارتين الا اعداء الحياة والانسان. ان ظاهرة وجود الإرهابيين في الحضارتين الإسلامية والغربية لا يعني فشل التجربتين في التعايش واقامة العلاقات السياسية والاقتصادية وتبادل المعرفة، لقد مضى زمن ليس بالقصير على وجود حوار فكري وحضاري عميق بين الطرفين وعودة الى تاريخ افادة العرب من التقنية والثقافات الغربية وافادة الغرب من تقنيات الحضارة الاسلامية واصالة وجود مدارس الاستشراق المتعددة لمعرفة اساسيات الحضارة الإسلامية العربية، ستضعنا في عمق الفهم الحقيقي للعلاقة بين الغرب والاسلام، مثلما لا يعني وجود جماعات إرهابية في المجتمعين ان الغرب مجتمع سياسي محارب واخر تجب ازالته، انها فكرة صهيونية تغذيها عقليات لا يسعدها استمرار التعايش الفكري والحضاري والديني بين العالم الاسلامي بمكوناته الاجتماعية ومؤسساته الدينية واصالته التاريخية وبين الغرب الراهن، كما اعتقد ان الذين روجوا ويروجون ويدفعون بمقولة «صراع الحضارات» هم من المتضررين من استمرار العلاقة وتطورها خصوصاً وقد بلغ مستوى الفهم المتبادل بين الحضارتين درجة ان يتحامل البابا على سنواته التسعين ليصلي في الكنائس الشرقية بدمشق ـ اقدم عاصمة في التاريخ ـ وان يكثف الوجود الإسلامي مؤسساته ومساجده ومراكزه الاسلامية والفكرية والحضارية في الغرب، بل وان يحدث هذا اللقاء الذي يجمع الديانتين المسيحية والإسلامية على مفارق اعادة انتاج العالم وفق ركائز الأمن والتواصل والاستمرار. ان الطبيعة البشرية في كل دين ومذهب ودولة فيها تياران يتنازعان الخير والشر. الفضيلة والخطيئة، الحق والباطل، الاسود والابيض، ودحض هذه الطبيعة بعمود صحفي او راجمة صواريخ خلاف للطبيعة البشرية ذاتها في النظر للعالم والحياة، هذه الطبيعة موجودة في الغرب مثلما هي موجودة في العالم الإسلامي وما ينطبق على وصف الجريمة في الغرب ينطبق نفس التوصيف عليه في العالم الإسلامي، لكن الحقيقة التي يفترض ان تركن اليها عمليات اعادة انتاج الحضارة الانسانية هي عدم معاقبة الشعوب والحضارات بدعوى وجود الجريمة، امتثالاً للآية القرآنية «ولا تزر وازرة وزر أخرى» والا لو يتم مقاربة هذا الموضوع في اتجاهات السلوك الغربي والعراق والصومال والعديد من المسائل المتعلقة بالأمن والعولمة والفقر والتنمية، فلا نعتقد ان العالم سيشهد الأمن والاستقرار، وسيسود العنف والإرهاب والحرب الطويلة، لان الارتكابات السياسية والاجتماعية الغربية بحق الشعوب العربية والاسلامية وقضايا المسلمين الكبيرة لاعد لها ولا حصر، رغم ان العالم الإسلامي لو توقف عند ضياع القدس بوصفها حاضرة مقدسة من حواضره ووضعها مقياساً لعلاقته بالغرب لكنا شهدنا معارك متواصلة ومستمرة لاتنتهي الا بابادة احد الطرفين. ان العالم الإسلامي ومؤسساته الخيرة ومرجعياته الدينية والفكرية والسياسية المتعددة يحتكم لمنظومة حضارية قاعدتها الحوار والجدل العقلاني خدمة لشعوبه وشعوب العالم المختلفة ويعتقد ان الطريق الأفضل لصيانة الحقوق هو الاعتراف بالاعراق والقوميات والاديان والمذاهب السياسية لذا اقول بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب ان تضع اسامة بن لادن والحضارة الاسلامية وتراثها التاريخي الطويل والمتجذر في سلة واحدة، هي سلة الاتهام والاستهداف، ولا يجب معاقبة العالم الإسلامي وشعوبه بدعوى وجود شخص متهم بالإرهاب، لأن الشخص لا يمثل حضارة طويلة عريضة تمتد بجذورها في اعماق حركة التاريخ، يجب تصحيح الخلل في نهج العلاقة مع الحضارات والشعوب والدول والاهتمام باقتناص اللحظة التاريخية الراهنة لاعادة انتاج رؤية دولية قائمة على تأديب الدكتاتوريات واسقاطها والانتصار للشعوب المظلومة المغلوبة على أمرها. تصدير الجمرة الفكرية الخبيثة ـ يتحدث الآن في الغرب عن حرب صليبية جديدة، هل تعتقدون ان ما يجري الان في العالم من أحداث وتوجيه تهم إلى الاسلام بمكافحة الإرهاب، يعد مقدمة لمثل هذه الحروب؟ ـ هؤلاء الذين يتحدثون في الغرب عن حرب صليبية هم اتجاهات «سلفية» بالمعنى المسيحي لكلمة السلفية، ومازالت فكرة التدمير والإرهاب والاستيلاء الاهوج على السيادات لانتاج الحرب الجديدة التي تحاول تلك الاتجاهات تكريسها في الواقع الانساني الدولي، كما ان هؤلاء هم المسئولون عن اشاعة الذعر والجمرة السياسية والفكرية الخبيثة، بل هم المسئولون عن جميع العمليات العسكرية المسلحة التي تجري في أكثر من منطقة في العالم، مسئولون عن الاوضاع المتوترة التي تجتاح المنطقة العربية والإسلامية بالتحديد. لا توجد حرب صليبية بالمعنى الدولي السياسي والاجتماعي والفكري بين الحضارتين الإسلامية والغربية بل هناك تنافس لاستعادة السيادة الدولية عبر نظم وايقاعات ـ وان بدت حذرة ـ لكنها محكومة بعوامل الواقعية والاتزان السياسي والحرص على تطويق مواقع التفجير والتأليب والتوتر. ان القوى السياسية الرأسية في النظام الدولي الجديد تحرص على اقامة علاقات دولية بعيدة عن الحرب، لانها تعلم مقدار الخسارات السياسية والاقتصادية والبشرية التي تتكبدها هي فضلاً عن خسارات مستقبل الخريطة الدولية، من هنا وجدنا السرعة الدولية لتطويق الإرهاب الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلة والحديث عن امكانية فض النزاع العربي الإسرائيلي عبر توكيد لغة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية. لغة الحرب الصليبية لاتخدم حتى الاطراف والجماعات السلفية المسيحية التي تغذي العنف بشعارات التحشيد والقضاء على العالم الإسلامي، وعلى الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية ان يدرك بأن سلفية اسامة بن لادن تقابلها «سلفيات» صليبية تهدف إلى استثمار السلفية الأولى لتغذيه بالثانية وتأليب الغرب واركاع قراره السياسي في اطفاء الحرائق السياسية والعسكرية الحالية لصالح قرار الحرب. لذلك يبدو ما تسمى بالحروب الصليبية خطوة بعيدة في حسابات السياسة الدولية الحالية. لكن ذلك لا يعني أبداً ترك الحبل على الغارب واطلاق يد إسرائيل في استخدامها اساليب العنف والتصفية واستمرار الاحتلال والعبث بالاتفاقيات والالتزامات الدولية كما ان استمرار الاحتلال الإسرائيلي للاراضي العربية سوف لن يأزم الاوضاع في الشرق الأوسط وحسب، بل سيزيدها تعقيداً، لذا من الافضل للاطراف الدولية المهمة في عملية السلام خصوصاً الدول التي رعت مدريد واوسلو ان لا تعطي الضوء الاخضر لإسرائيل في استباحة الاراضي الفلسطينية أو ان تغض الطرف عن وحشيتها ضد الأهداف المشروعة التي اقرها المجتمع الدولي والشرعية الدولية وفي مقدمتها تطبيق القرارين 242 و338 والارض مقابل السلام واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. من جانب آخر الشرعية الدولية ذاتها مطالبة بتحديد مفهوم الإرهاب الذي يمارس على نطاق واسع في الشرق الأوسط والعالم وتتدخل بصورة شاملة واساسية في الصراع الدائر بافغانستان حالياً، وفي الوقت الذي تمارس الولايات المتحدة مهمتها في ضرب «الإرهاب» بافغانستان نجد إسرائيل تتمادى في رفع شعار مكافحة الإرهاب عبر استمرار الاحتلال في الوقت الذي تحشد الولايات المتحدة كل طاقاتها العسكرية لضرب أهداف مدنية وتشريد الملايين من ابناء الشعب الافغاني بنفس الدعوى، اننا نستغرب الطريقة التي تمارس فيها واشنطن مكافحة الإرهاب فتلقي صاروخاً بقيمة اربعة ملايين دولار على بيوت طينية في كابول وقندهار لا تساوي اربعين دولاراً. هذا الاستغراب هو المسئول عن عمليات الشحن المستمرة التي يظهرها الشارع الإسلامي والعربي والغضب العارم الذي يجتاح النظم السياسية ما يبدو وكأنه حرب ضد العالم الإسلامي وليست حرب مكافحة للإرهاب. العولمة وهم بثياب الحضارة ـ هل يمكن اعتبار الحرب الأمريكية في افغانستان مرحلة متقدمة لتكريس العولمة التي جرى الحديث عنها على نطاق واسع «أي عولمات القوة» في المنظور الأمريكي؟ ـ اية عولمة هذه التي تأتي على أكوام جثث الضحايا والبيوت والبنية القاعدية للشعوب المحرومة المغلوبة على أمرها؟ اذا كانت العولمة الدولية هي تلك التي نرى لهيبها في افغانستان فان الطريق إلى عالم «القرية الصغيرة» سيكون عالم الفوضى والخراب والإرهاب المستمر، بل ان تلك «القرية الصغيرة» التي يبشر بها في الغرب ستتحول إلى معتقلات كبيرة تضم الشعوب التي لابد من ازاحتها عن خريطة الحياة، وهي نظرية لا يمكن ان تسود مادام مطلب الحياة قائماً عند هذه الشعوب. ومادامت ارادة الحياة عندها اقوى من ارادات الازاحة والالغاء. الاستهدافات الأمريكية لافغانستان اذا كانت عمليات لانتاج العولمة، فهي استهدافات خاطئة في الزمان والمكان والاولويات، بامكان الغرب ان يختار أفضل الاولويات القابلة للتطبيق على طريق اشاعة فكرة العولمة العادلة، مثل القضاء على الفقر والفاقة والجوع والموت الجماعي وتحسين الدخول الفردية والجماعية ونبذ العنف وتحسين المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والصحي في الدول الفقيرة والغاء القيود على التجارة واطلاق الاقتصادات القومية دون ضوابط ما يسمى بمنظمة التجارة الدولية «الجات» وشرطتها التي تجوب المحيطات والبحار، هذه اولويات مريحة وعادلة وتجعل كل القوى السياسية التي تشتغل بهذه الاولويات قوى خيرة وعادلة في نظر الشعوب والحكومات، ما نراه اليوم في افغانستان هو استخدام خاطيء للعولمة، وتوظيف للمفهوم في غير مكانه. العولمة تعني التنمية وتسريع الاتصالات والتواصل الحضاري بين الشعوب لا الدمار والعنف والابادة والتصفيات وبناء مخيمات اللاجئين المليونية على الحدود. ان صورة العولمة الدولية الحالية اضرار بالتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية البشرية، وهي بهذا الشكل وهم يتلبس بثياب الحضارة والتقدم، لا علاقة له بالوعي الحقيقي للعولمة الحديثة، ان استعراض القوة العسكرية في افغانستان انتحار للتكنولوجيا الصناعية التي بشر بها في عصر ما بعد القرية الصغيرة، ولن يأتي زمن يعيش فيه الانسان مناخ العولمة اذا استمرت عمليات الابادة دون رادع اخلاقي أو سياسي دولي، أخيراً اقول ان القفز على مهمات العولمة التنموية والفكرية ومعالجة آفات الاحتلال والسيطرة المقيتة والبدء بعولمة القوة انتحار سياسي للمشروع وفشل ذريع للذين يبشرون العالم بالجنة على الأرض فيما الأرض الإسلامية في كابول وقندهار ومزار شريف تحرق بقنابل وصواريخ وطائرات زعامات العولمة. الثقافة ركيزة حوار الحضارات ـ تم مؤخراً طرح مقولة الحوار الثقافي بين الدول والشعوب كبديل عن رسائل العنف والقوة كيف تنظرون إلى مثل هذا المشروع في ضوء ما يجري الآن على الصعيد العالمي؟ ـ في الحقيقة نحن مع أي نوع من الحوار يسهم في اعادة انتاج الأمن والاستقرار والهدوء لهذه المنطقة المشتعلة منذ خمسين عاماً على الأقل، أي منذ ان احتلت القدس وجيء بقوافل اليهود من ايرلندا والولايات المتحدة الأمريكية على ظهر السفن البريطانية ولاشك ان الحوار الثقافي هو الحوار الحضاري بمعنى من المعاني بل ان الثقافة تمثل ركيزة أي حوار حضاري يقوم على امتلاك الحقيقة والعيش بأمان، وطرح الدكتور بشار الأسد جاء في اللحظة التاريخية المناسبة لينسجم مع الدعوات الحضارية في المنطقة العربية ويضيف بعداً جديداً لابعاد المعركة التي لابد ان يخوضها المجتمع الانساني ضد الإرهاب والعنف والقتل وتصفية الحياة. ان العامل الثقافي يمكن ان يلعب دوراً اساسياً في الاحتكام لمنطق المشتركات بين الشعوب وهي مشتركات تغذي التنوع الهائل الذي تختزنه ثلاثة اديان مهمة في العالم اضافة إلى وجود هذا العدد الكبير من الاتجاهات الفكرية والانسانية والمعرفية، كل ذلك يمكن ان ينتج قواسم مشتركة تؤسس نظرية عمل دولية لمكافحة اية سموم عنفية مضادة لمستقبل الناس وامنهم، انني اعتقد ان الثقافة الانسانية من الغني والتكيف والتقاط المؤشرات الواقعية لأمان الحياة والشعوب بحيث يكون الاحتكام اليها دليلاً على غنى المواقف السياسية ونضج صناع الدول واستعادة موضوعية لقيم الاديان والثقافات في تأسيس المناخ الدولي الذي يشعر فيه الجميع بالاستقرار والأمان. الديمقراطية محور كل نشاط ـ يقف العالم الثالث على اعتاب مرحلة تاريخية جديدة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هل مازلتم عند موقفكم بشأن مقاييس التقدم والتخلف في العالم؟ ـ لم نطرح أي مقاييس في السابق بشأن التقدم لكي نتحول إلى مقاييس اخرى، ومن ناحيتنا نعتقد ان لكل مرحلة تاريخية سماتها وعناصرها وملامحها مثلما لها تحدياتها ومخاطرها، وفي المقابل لابد من تفعيل دور الأمة في المشاركة السياسية والمزيد من الديمقراطية والانفتاح على الآخر وتعميق المعرفة الحقيقية لتأسيس مجتمع عربي مدني لديه ما يعينه على اقامة مدنيته عبر وجود حوافز التاريخ والتراث والحضارة وتجربته في اقامة الدولة ناهيك عن الثروات والامكانيات النفطية والثقافية. ان الديمقراطية محور كل نشاط، لانها تتيح للفرد والجماعة تحقيق اكبر قدر من الابداع السياسي والاقتصادي وفي تفعيل المجالات التي تحتاج إلى خبرة الآخر المعني بالمشاركة وهو الجمهور، وبغير الديمقراطية وهامش الحرية، فسيبقى الوضع العربي على ما هو عليه فيما يبقى اللوبي الصهيوني واعداء الحياة والأمة يتخذون من غياب الديمقراطية غطاء لتمرير مخططات استهداف الدولة في العالم العربي والإسلامي. الإنسان أولاً ـ بالنسبة لمشروع حوار الحضارات في رأيكم من هي الاطراف الاساسية التي يفترض فيها ان تبدأ مثل هذا الحوار؟ هل هم الحكومات أم الافراد، ام الهيئات والمنظمات الاهلية والاجتماعية في الدول المعنية؟ ـ الطرف الاساسي المعني بحوار الحضارات في العالم هو الانسان ذاته، ومحاولة اكتشاف ابعاد الخير والتسامح والفطرة التوحيدية التي يختزنها في اعماقه، هذه هي الخطوة الاولى المطلوبة في المرحلة المقبلة، والا لو لم يتم التركيز على تربية الانسان الجديد فما قيمة المؤسسات والدول والمنظمات والمدارس والجامعات، انها كانتونات لا تقدم للإنسان الا بالمقدار الذي تأخذه منه، ولذا نعتقد ان الدول اذا كانت صادقة مع شعوبها فعليها مسئولية التوجه نحو الإنسان وتطهير ذاته مع عوامل العنف والإرهاب والجريمة، ولا يتم ذلك الا من خلال طهارة النظام السياسي والاجتماعي. ان المرحلة المقبلة اذا لم تتفادى هذه المنزلقات فان العالم مقبل على دورة هي الاشد من دورات الجريمة والإرهاب. انقسام العالم العربي ـ في ضوء ما يجري على الصعيد العالمي يبدو العرب وكأنهم في موقف المتفرج ازاء هذا الذي يجري، برأيكم كيف يمكن تفعيل الدور العربي خلال هذه المرحلة؟ ـ العرب مشتتون موزعون على اتجاهات ومنقسمون على وحدات سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية ولايبدو في الافق امكانية تحقق الوحدة السياسية، وقد زادت الظروف العسكرية والسياسية التي مرت بها المنطقة خلال التسعينيات بما فيها احتلال النظام العراقي للكويت الموقف العربي حراجة وانقساماً ومازالت المنطقة للآن تضمد جراح غزو الكويت، لأن هذا الجرح غير ملامح خريطة الوحدة المفترضة وانتج مفاهيم ومعادلات ومقولات واتفاقيات وفهماً عربياً للعالم وللازمات العربية مختلفاً، ولم تستطع كل القمم التي عقدتها الجامعة العربية من تخفيف حدة احتقان المواقف السياسية بل لم تستطع الاتفاق حول تسمية ما حدث عام 1990 وهذا الأمر الخطير سيلقي بظلاله على مستقبل العلاقات العربية العربية بالعمق ويجعل من امكانية الاتفاق على وحدة مفترضة من المستحيلات. لكون العرب ليسوا متفرجين في الواقع، يكفيهم ما يعانون من مشاكل وأزمات، وهي مشاكل وأزمات معقدة وتاريخية وجذرية ومدوية تبدأ من مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي وتداعياته وانهياراته في الوضع العربي العام ولا تنتهي عند المعارك الحدودية والنزاعات السياسية وقد نتج عن هذه المعارك خلافات حالت وتحول دائماً دون تحقيق وحدة التصدي للمشروع المقبل، وهو مقبل مخيف ان لم نقف ضده بجميع الوسائل فسنشهد انهيارات اكبر بكثير من انهيارات ما بعد حرب الخليج الثانية بل حتى ما بعد ضياع فلسطين. يجب ان يستعيد الوضع العربي والقرار الرسمي العربي عافيته وحيويته السياسية الوطنية في الداخل والقومية في الخارج مع اشادتنا بالأصوات العربية الرائدة التي تتبنى وتدعو دائما للتضامن العربي في دمشق والقاهرة والرياض. انجاز الـ 50 عاماً ـ تطرح الدوائر الصهيونية في العالم صراع الاديان والحضارات بدلاً من الحوار وتمارس إسرائيل دوراً خطيراً على هذا المستوى كيف تقيمون التوجه العربي بشقيه الرسمي والشعبي حيال ما يجري في العالم من أحداث ومتغيرات ستكون لها نتائج وآثار كبيرة وخطيرة على مستقبل العرب انفسهم. ـ اكبر انجاز حققه القرار الرسمي العربي خلال خمسين عاماً من الصراع مع الحركة الصهيونية والدولة الاحتلالية الإسرائيلية هو عدم تساهله بشأن التفريق بين المقاومة والإرهاب ورفض الصاق تهمة الإرهاب بحق حركة المقاومة الإسلامية الوطنية التي تمكنت بارادة مجاهديها ومناضليها والتفاف شعبها خلفها من طرد العدو الصهيوني وتحقيق انتصار العرب الأول في المعركة التاريخية مع الصهيونية. ان انتصار المقاومة في لبنان ضد العدو وطرده من الجنوب والبقاع الغربي انتصار لارادة العرب وللقرار العربي الذي لم يجامل الإدارة الأمريكية برفض الانصياع للنظرية الإسرائيلية باتهام المقاومة بالإرهاب وهو تحول يجب ان يعمق الصلة بين حركة المقاومة الوطنية الإسلامية العربية في لبنان والقرار الرسمي العربي. انني ادعو إلى مزيد من الالتفاف حول مشروع المقاومة اللبنانية وتلاحم أكبر مع مطالبها السيادية والوطنية خصوصاً مطلب استرجاع مزارع شبعا، لانه ترجمة حقيقية للوقوف ضد الإرهاب الصهيوني والموقف الميداني والوطني الرشيد واتكاء على طرف يملك قرار الميدان ويمتلك خبرة التعاطي مع النظرية الإسرائيلية العسكرية، وأخيراً يملك مفاتيح «تأديب» إسرائيل على الأرض بعد ان اظهرت السنوات الخمسون الماضية عجز الجانب العربي في تأديب هذا الذئب. الإسلام مرجعية المقاومة الوطنية ـ يلاحظ ان الحركات الدينية هي التي تتصدى لمشاريع الاحتلال الإسرائيلي سواء في جنوب لبنان أو فلسطين «حزب الله، حماس، الجهاد» هل يمكن لهذا الوضع ان يكرس صراع الاديان في المنطقة والعالم لاسيما ان هناك في إسرائيل تياراً دينياً عنصرياً وله نفوذ كبير ممثلاً بشارون وغيره وبالتالي فان هذا يطرح مسألة صراع الاديان بشكل حاد وجاد هذه المرة؟ ـ من الخطأ اعتبار المعركة التي خاضها حزب الله مع الكيان الصهيوني توصيفة لصراع الاديان، الحزب قاتل احتلال الصهيونية السياسية ولم يقاتل اليهودية كدين، والصهيونية لا علاقة لها بالديانة الموسوية، هنا ادعو إلى عدم التمادي في تكريس ذلك في الإعلام العربي، بل ادعو إلى معرفة تفاصيل المعركة المفتوحة التي نخوضها مع الصهيونية. لو كان هناك تيار ديني عقائدي في إسرائيل قادر على حماية «الدويلة» العبرية لما استطاعت المقاومة الإسلامية الوطنية من هزيمة هذا التيار الذي كان يبكي على جنوده لئلا ينقرض الدم الأزرق وتنتهي اسطورة السامية في تل أبيب!! الوجودات الإسلامية «حزب الله، حماس، الجهاد» ينطلقون من عمق حضاري قرآني اسلامي عادل ومن دولة إسلامية عمرها 1400 سنة ومن تاريخ جهادي مليء بالثورات والانتفاضات وقوافل الشهداء ومن وعي نوراني ـ رباني عميق تختزنه الادبيات الإسلامية مدعوم بالمصلحين والرواد والانبياء والرسل والصادقين والاستشهاديين ومن عزيمة محمدية قادرة على دحر الصهيونية واقامة دولة العدل الفلسطيني. المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين هي مقاومة وطنية قومية إسلامية شريفة ومخلصة ومن الخطأ الكبير احالة صراعها مع الصهيونية إلى شكل من اشكال الحروب الدينية وحتى لو اعتبرنا الحرب الراهنة التي تخوضها المقاومة حرباً دينية، فما العيب في ذلك، واين الخطأ، اذا كان هؤلاء المقاومون الاستشهاديون ينطلقون لتحرير الأمة من القلق والتعسف والظلم والاحتلال والهيمنة والفوقية الإسرائيلية، ينبعثون من الشريعة وحركية الحضارة الإسلامية ضد جاهليات عنصرية معاصرة لا تفهم غير لغة القوة. تحية للمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، انهم فرسان الزمن العربي الإسلامي المقبل، فرسان الحضارة الإسلامية التي ستنبعث من بين القصف والإرهاب والعنف والعنصرية لتقيم دولتها الانسانية العزيزة. حوار: يوسف البجيرمي