ما حدث فى أمريكا فى 11 ديسمبر نقطه تحول كبرى فى تاريخ الأمم فى أمريكا وفى غيرها، العالم اليوم مهدد بكارثة أحدثتها ردة الفعل العنيفة من دوله كانت تدعي أن أرضها وأجواءها لن تمسها يد البشر!! حفاظا على الهيبة والثقة فى النفس بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في توظيف كل قدراتها الاعلامية والاقتصادية والدبلوماسية والاستخباراتية للتمهيد لمرحلة جديدة يعاد فيها ترتيب العالم وفق أسس مدروسة ومبرمجة، قبل أحداث سبتمبر في نيويورك وواشنطن كان الاهتمام الأمريكي مركزا على البعد الاقتصادي (الاقتصاد الحر ـ تحرير الأسواق ـ فتح الحدود أمام التدفقات المالية) المتغيرات التي حدثت في تلك المرحلة كان لها تأثير مباشر على مظهرين أساسيين من مظاهر الدولة الحديثة هما السيادة والحدود الاقليمية، تماشياً مع هذه التطورات سعت الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الى تشجيع قيام أنظمة لها مواصفات خاصة ومخطط لها كونيا، أنظمة تسهل مهمة الدوران الحر لرؤوس الأموال والسلع والخدمات، لضمان استمرارية هذه التحولات وشموليتها بدأت عمليات انتقال جزئي لبعض مكونات السيادة من الدولة الى مؤسسات فوق الدولة في سياق أصبحت الغلبة فيه لقوى السوق الرأسمالي الكوني لذلك ليس غريبا أن لا يتحدث الوفد الأمريكي المفاوض الذي زار السودان مؤخراً عن الديمقراطية فهي عمليا ليست لها أولوية في سياساتها وعلاقاتها مع الدول الأخرى ففي ظل المواطنة الاقتصادية وهيمنة الاقتصاد على السياسة أصبح للمؤسسات الدولية، والشركات العملاقة متعددة الجنسية حق مساءلة الحكومات وتوجيه سياساتها حكومات كثيرة لا تتم مساءلتها وفق الأسس والمؤسسات المنتخبة لسبب بسيط هو أن هذه الشعوب مغيبة تماما. السمسار العالمي جورج سورس يرى أن المسار الرأسمالي غير المسار الديمقراطي الأول عينه على الثورة وهدفه المصلحة الخاصة أما الثاني فهدفه الجمهور والانتخابات والتداول السلمي للسلطة. الدول الكبرى وفي كل العصور تغير من وسائلها وتكتيكاتها بهدف الحفاظ على مصالحها في الماضي كان التعامل يتم عبر حملات عسكرية يتم بعدها استعمار الشعوب واذلالها الآن تتبع أساليب جديدة ووسائل مرنة ومغلفة (اعلامية واستخباراتية) الغرض من ورائها تهيئة المسرح الدولي لمرحلة جديدة. المرونة لا تعني التخلي نهائيا عن الوسائل العسكرية وما حدث في أفغانستان يؤكد أن البندقية ما زالت مشرعة وقابلة للانطلاق في أي لحظة فهي شبيهة للعلاج بالجراحة. المعادلة ليست سهلة خاصة ولأمريكا أكثر من خطاب ولها معايير مزدوجة تتحدث عن الديمقراطية وتعمل على دعم وتقوية الأنظمة القمعية وعن الحريات وتقف بجانب الاستعمار الاستيطاني في فلسطين المحتلة وتمده بالمال والسلاح لضرب الشعب الفلسطيني وتدميره لهذه الأسباب اتجهت السياسات الأمريكية الى الحكومات محاولة فرض ارادتها عليها وهي تعلم سلفا أن أغلب حكومات العالم الثالث ليست له قاعدة شعبية تستمد منها شرعيتها وهي أي الحكومات محتاجة للبقاء والاستمرارية الى استخدام العنف لقهر شعوبها أو الاعتماد على دعم خارجي لضمان وجودها. في مقال لمجلة نيوزويك طرح سؤال مباشر عن مستقبل المنطقة العربية والسؤال موجه أساسا لأصحاب القرار السياسي في أمريكا والغرب عموما السؤال هو كيف يتم انقاذ العالم العربي؟ القوى السياسية البديلة للأنظمة القائمة في نظر أمريكا محسوبة على التيارات المتطرفة أما الأنظمة فهي في الغالب أكثر استعدادا للانفتاح والتحديث من المعارضين لها. ربما لهذا السبب يقول البعض ان وقوف أمريكا مع التحول الديمقراطي في بلدان العالم الثالث أمر مشكوك فيه والتعامل مع الحكومات أسهل والخيارات المطروحة لها محدودة أجملها الرئيس دبليو بوش في جملة واحدة هي على كل الدول أن تختار هل هي معنا أم مع الارهاب؟ التحالف مع أمريكا أو تحمل تبعات الخيار الثاني. احدث هذا التهديد زلزالا عنيفا داخل الأنظمة خاصة التي تفصلها عن شعوبها فجوة كبيرة في أيام قليلة تغيرت الشعارات وذابت الثوابت وتبدلت لغة الخطاب البعض بلا خجل تنكر للمبررات التي جاء من أجلها للسلطة والبعض فضل السكوت والتعامل بعيدا عن الأضواء مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية علما بأن الحملة الأمريكية ضد الارهاب لها أبعاد أخرى غير العمل العسكري ـ تخفيف مصادر التمويل وتعديل القوانين المدنية بهدف تشديد الرقابة على المشتبه بأن لهم صلة ما بتنظيمات ارهابية والأنظمة الحاكمة في الدول العربية مستودع للمعلومات لضخامة أجهزتها الأمنية ومعرفتها الدقيقة لكل المنظمات المسماة ارهابية حسب التصنيف الأمريكي، وجود أرضية مشتركة فتح آفاق جديدة لعلاقات أمريكا بالحكومات وعلى حساب شعوبها. السودان والمشروع الأمريكي الاهتمام الأمريكي بالسودان لا يمكن عزله عن سياسات الولايات المتحدة على المستوى الكوني ولا عن الحملة المكثفة ضد الارهاب وتوجهات بعض الدول المصنفة أمريكيا بعلاقتها وبدعمها لمنظمات ارهابية ولأمريكا في الشهور الأخيرة وجود أمني واستخباراتي كبير في السودان مكنها من الوصول الى كل ما تريده من معلومات وظفت ببراعة في شن حرب نفسية واعلامية ضد النظام الحاكم في السودان بهدف خلخلة بنيته التنظيمية واحداث شروخ فيها تمهيدا لدخوله مرحلة تم الترتيب لها وفق مشروع طرحه المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي للسلام في السودان. الدكتور غازي صلاح الدين مستشار السيد رئيس الجمهورية للسلام بشر الشعب السوداني بهذه المرحلة في مؤتمره الصحفي الأخير. اذ قال معلقا على الاتفاق مع الوفد الأمريكي. المرحلة المقبلة سوف تؤثر على المستقبل السياسي في البلاد. الأمريكان أنفسهم لم يسألونا عن الديمقراطية والحكومة لا تهدف لتغيب القوى السياسية وهناك معطيات جديدة وعلى القوى السياسية أن تتحرك تجاه هذه المعطيات ولن ينتظرها أحد. هذه الاتفاقية ستفرز معطيات جديدة ستساهم في بلورة الديمقراطية التعددية ولكنها ليست بالضرورة تعددية أسياد الديمقراطية الذين لم يؤسسوا للديمقراطية والديمقراطية لا تعني بالضرورة عودة أشخاص بعينهم الى الحكم. الأزمة السودانية حادة ومعقدة، حادة لتصاعد العنف فيها ومعقدة لتعدد أطرافها وقضاياها لذلك يصعب على الأطراف الخارجية الالمام بتفاصيلها وتعريجاتها ويصعب أيضا ان لم يكن مستحيلا أن يحتكر طرف أو أثنين قرار حلها بعيدا عن الأطراف الأخرى لهذا رفض العقلاء الحلول الثنائية والجزئية فهي أقل من الجرعة اللازمة لمعالجة الأزمة قد تحدث تهدئة ولكنها في النهاية لن تزيل أسباب الأزمة هنا يكمن الفرق بين الأطراف التي تسعى لايجاد حلول جذرية ودائمة والذين لهم مصالح ذاتية في الحلول الثنائية. أما الرأي العام الخارجي فله نظرة مختلفة تحركها عاملان هما الحرب ومعاناة المواطنين في مناطق العمليات لهذا تحرك الرأي العام في أمريكا وفي غيرها بهدف ايقاف الحرب الأهلية في السودان بدوافع انسانية تصاعدت الضغوط على الادارة الأمريكية من الكونجرس اللوبي الديني وهي بدورها أي الادارة الأمريكية مارست ضغوطا مكثفة على حكومة السودانية والحركة الشعبية مستخدمة كل ما هو متاح لها للوصول الى صيغة اتفاق يبدأ تطبيقه في منطقة جبال النوبة. انشغال الرأي العام بالمأساة الانسانية لا يعني أن ايقاف الحرب فقط هو الحل الناجع لكل مشاكل السودان المعقدة، نعم للسلام ولكن للحرب أسبابها وهي موجودة وكامنة في مناطق أخرى في انتظار أن تنفجر في يوم ما. والمعالجة التامة لا تتم بالمسكنات ومخاطبة ما أفرزته الحرب الأهلية في السودان المعالجة المطلوبة يجب أن تخاطب القضايا الحقيقية، الولايات المتحدة استجابة للضغوط الممارسة عليها من الكونجرس وانشغالها بقضايا كثيرة ومتنوعة لم تكن مهمومة باسباب الحرب. الحركة كما هو متوقع استجابت دون تحفظ للمشروع الأمريكي ولها أسبابها والنقاط الواردة في المشروع وثيقة اتهام ضد النظام الحاكم في السودان والولايات المتحدة في وضع مختلف عن الدول التي طرحت المبادرات السابقة أمريكا في موقع الحكم والأمر وليس الوسيط وهذا ما أشار اليه العقيد جون قرنق بقوله نريد التحكيم في هذه القضية ولا نريد أن تلعب أمريكا دور الوسيط الآن وبهذا المفهوم تحولت القضية السياسية الى قضية قانونية وتحولت أمريكا من راعية للحوار الى قاضي يصدر الأحكام وما على الأطراف الا التنفيذ. تفاصيل المشروع الأمريكي طرحت مقترحات دانفورث نقاط محددة هي: 1ـ انشاء برنامج شامل للاغاثة والتنمية متواصل ومتاح لكل المواطنين في جبال النوبة ووقف الاعتداءات باشراف دولي 2ـ تطوير وتنفيذ سلسلة من المبادرات الانسانية تنفذ في المناطق المتصارعة حولها عبر ملاذات آمنة 3ـ وضع حد لقصف الأهداف المدنية والانسانية بما في ذلك القصف الجوي والهجمات بالهليكوبتر وهجمات المدفعية وانشاء آلية اختبار مدعومة ومعترف بها دوليا، الهدف هنا محدد وهو أن تقوم منظمة مستقل ذات عمل متفرد يموله المانحون الدوليون بالتحرك باستقلالية وتقديم تقاريرها للمانحين والأطراف والأمم المتحدة 4ـ ابطال الرق والاختطاف والاسترقاق القصري للنساء والأطفال الذي تمارسه المليشيات التي تدعمها الحكومة وذلك خلال حملة حكومية منظمة ضد هذه الممارسة وانشاء آلية اختبار ومراقبة دولية ـ لانقاذ هذه النقطة تحدثت المقترحات عن الالتزام الصارم من جانب الحكومة بمكافحة الاختطاف والاسترقاق القصري وأن تقوم بمعاقبة المتورطين في مثل هذه العمليات اللاانسانية، اضافة لتكوين لجنة لمراقبة واذالة الممارسات بهدف استئصالها. أما عن ترتيبات وقف اطلاق النار عرض الجانب الأمريكي مشروع متدرج لوقف اطلاق النار مكون من ثلاث مراحل يتم عبرها وقف اطلاق النار والفصل بين القوات مع تمكن لجنة المراقبة من القيام بالمهام الآتية: 1ـ أن تظل قوات الطرفين في مواقعها الحالية مع التزامها بعدم الشروع في أي أعمال عسكرية 2ـ وقف أي تحرك عسكري يمكن أن يفسر منطقيا من قبل الأطراف بأنه مضر بالاتفاقية التحركات الواجب رفعها هي: ـ المناورات العسكرية ودوريات المواجهة على بعد أكثر من ثلاثة كيلومترات من النطاق الثابتة ـ العمليات العسكرية ضد الأهداف العسكرية والاقتصادية والمدنية ـ وقف كل التقارير الصحفية والمعادية والدعاية المضادة والمنبعثة من وكالات الاعلام التي تسيطر عليها أطراف الاتفاقية ـ تكوين لكنة مراقبة مشتركة ـ تفويض كبار القادة العسكريين بأن يمدوا لجنة الرقابة بالمعلومات الآتية: 1ـ الحجم الكلي لكل القوى العسكرية بما في ذلك التنظيم والعدد الحقيقي وموقع هذه القوى. 2ـ خرائط موضح عليها مواقع الجيش والمواقع اللوجستية. في نهاية المرحلة الثالثة يتم تسريح كل القوات المسلحة التابعة للأطراف وتنشأ قوة جديدة تحت قيادة قيادة عسكرية مؤقتة مشتركة. المشروع الأمريكي في الميزان 1ـ أثار اختبار المشروع الأمريكي لمنطقة جبال النوبة الكثير من الأسئلة لم تتم الاجابة عنها حتى هذه اللحظة والحكومة مارست حواراتها مع الوفد الفني الأمريكي في تكتم شديد حتى الاتفاق الذي تم عبر الوفد الأمريكي بينها وبين الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة عرفه الجمهور السودان من البيان الذي أصدرته السفارة الأمريكية في الخرطوم. 2ـ جبال النوبة لها موقع مميز وتاريخ مشرف تجاوزت به محيطها الاقليمي الى المحيط الأوسع (الوطني) دعمت الثورة المهدية وقادت حركة اللواء الأبيض والمقاومة ضد الانجليز واحتل رموز منها مواقع قيادية على المستوى القومي الأب فيليب غبوش فاز في قلب العاصمة في انتخابات 86 والسيد الحبيب سرنوب مساعد رئيس حزب الأمة والعضو بمجلس الحزب القيادي تولى حقيبة وزارة الطاقة وقبلهم حسيب وأبو راس و امين فلين والقائمة طويلة. وجبال النوبة سودان مصغر محاولة عزلها والتعامل معها عبر مشروع أمريكي لم تعرف حتى اللحظة أبعاده أمر يحتاج الى التفكير الجاد والتعمق في كل بنوده والتعامل معه بحذر شديد. 3ـ لم تهتم الحكومة في حوارتها مع الطرف الأمريكي بالبعد القومي للقضية وبما قد يترتب على الدخول في معادلة جديدة وغير متوازنة الهدف من ورائها صياغة المنطقة وفق أسس بعيدة عن المصلحة العامة مشروع بهذا الحجم والأهمية لا يمكن أن تختزل الأطراف المشاركة في اقرارة في الحكومة والحركة الشعبية (قطاع جبال النوبة) كان من الواجب طرحه على الرأي العام عبر وسائل الاعلام واشراك بنوك التفكر والجامعات ومراكز البحوث والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في الحوار حوله. الحكومة وللأسف تعاملت مع المشروع بسرية حتى أبناء جبال النوبة المناصرين لها والعائدين الى صفوفها لم تشركهم الا بعد أن تم الاتفاق والدليل هو أن طرفي الاتفاق هما الحركة الشعبية (قطاع جبال النوبة) والحكومة. 4ـ الجانب الايجابي هو الاهتمام بالاغاثة التنمية لو تم التركيز عليه والتعامل معه بشفافية مطلقة مع تأجيل الجانب السياسي لأهل المنطقة للتقرير حوله في المستقبل لكانت النتائج أفضل و المخاوف اقل. 5ـ تحفظت الحكومة في محور أسماه الاتفاق العبودية والاختطاف والاستعباد القصري وأعلنت رفضها لوجود الاسترقاق بالرغم من موافقتها على تسهيل ودعم زيارة بعثة دولية تقودها الولايات المتحدة. خاتمة أهل مكة أدرى بشعابها، مشاكل السودان لن تحل بمبادرات خارجية في غياب الارادة السودانية يجب أن نعترف بقصورنا الذاتي وبأن الحل يبدأ من الداخل وبعناصر الداخل،الحوار مع أمريكا ومع غيرها مهم ولكنه مكمل ومؤكد لما يتفق عليه أهل السودان. لقد تضررت البلاد كثيرا من الصراع حول السلطة وتشتت الصف الوطني (فقدان المصداقية ـ سيطرت المصالح الذاتية ـ التنصل من المسئوليات الجماعية ـ تضخيم الذات ونفي الآخر ـ محاولة قطف الثمار قبل نضجها) لكل هذه العوامل وغيرها أصبح السودان كرة في أرجل لاعبين اقليميين ودوليين دون أن يكون لأبنائه حق اتخاذ القرار المستقل في مصيره انها الكارثة أن تكون لنا مرجعية غير الشعب السوداني. بقلم: د. ابراهيم الأمين