التغيير الذي طرأ على خطاب العراق السياسي ينبغي مقابلته عربياً بأفضل منه وليس رده. حتى اذا رأى أصحاب النظرات الثاقبة ان تحول العراق مجرد مناورة تكتيكية فالأمر يستوجب اعتباره رؤية استراتيجية. أي سانحة من شأنها المساهمة على تجاوز حالة الانشطار والتشظي العربية التي سادت طوال احد عشر عاماً جديرة بالالتقاط. ربما نتفق دون عناء جدل على ان ملف الأسرى المفقودين الكويتيين لا يمثل قضية الأمة الاولى لكن لا خلاف على ان طي هذا الملف يشكل المحاولة الأولى لترميم الجسور بين العراق والنظام العربي. من المهم ان يخطو العراق خطوته الأولى لجهة الاجماع العربي على جسر كويتي. الأهم من ذلك ان تتدارك كل الاطراف العربية الحاجة الماسة لاعادة رص الصفوف قبل واثناء قمة بيروت حتى تخرج للناس ببيان تسترد الأمة به ثقتها المشروخة وتستعين به على مواجهة المستجدات الراهنة والمرتقبة في ظل عاصفة الحملة الأمريكية الموجهة تحت اسم مكافحة الإرهاب. بوصلة العاصفة الامريكية تستهدف الوطن العربي اكثر من غيره ان لم يكن وحده. بوش الابن استهدفنا في حملة التعبئة للاجهاز على نظام طالبان حين غازلنا بـ «دولة فلسطينية». على نقيض ذلك التعهد اطلق بوش يد السفاح شارون لتدمير بنى سلطة الحكم الذاتي. التحرش بالعراق سيتصاعد على ايقاع المفتشين الدوليين قبل عودتهم وبعدها. لم يعد النظام العراقي وحده المستهدف في المنطقة. اصابع الاتهام الأمريكية تمتد لجهة سوريا، لبنان، ليبيا، الجزائر والسودان. المحاولات اليمنية لامتصاص الهجمة الامريكية قبل اوانها لن تكون كافية. مطالب واشنطن ستتوالى. الاستفزاز الإعلامي الذي كان انطلق من دوائر أمريكية صوب مصر والسعودية يفضح الرغبة الخبيثة التي تبيتها واشنطن من اجل اعادة رسم خارطة الوطن العربي على هواها. هذا أوان تنفيذ مشروع الشرق اوسطية في المنطقة. الأمر لا يتوقف عند ادماج إسرائيل في الوطن العربي وانما تذويب الارادة العربية تماماً. مالم يعيد العرب رص صفوفهم في قمة بيروت المرتقبة للوقوف في وجه هذا المخطط سيجد العرب أنفسهم مطالبون بحلق اللحى وخلع الخمارات واغلاق مدارسهم التقليدية والغاء المناهج الإسلامية وفتح الأسواق أمام الإسرائيليين والمعسكرات أمام الجنود الأمريكيين. ما من نظام عربي يملك الحصانة امام الهجمة الأمريكية الشرسة باسم العولمة احياناً وتحت مظلة الديمقراطية احياناً أخرى وفي سياق التحديث ثالثة. ليس هناك نظام عربي قادر على الوقوف منفرداً في وجه الحملة الأمريكية. ومن ثم لابد من اعادة رص الصف العربي اذ انه الضمانة الوحيدة لصد الاستعلاء الأمريكي بوضع حدود لهذا الزلزال الذي بدأ على اثر 18 دقيقة هزت مدينة أمريكية. واشنطن تذهب تحت مظلة مكافحة الإرهاب للاطاحة بأنظمة على غرار طالبان وتدجن اخرى على نمط باكستان وزرع قواعد كما حدث في اوزبكستان. وفي هذا درس جلي للعرب. من هنا يكون مهماً جداً تطوير التغيير الذي حدث على الخطاب السياسي للعراق. عمر العمر