يتمتع المستشرق الأسباني دكتور كارلوس ناربيون فارونا بتجربة ثرية حيث وقف على الكثير من المحطات الثقافية والفكرية والإعلامية خاصة انه قد بدأ حياته الاكاديمية بدراسة الفلسفة واتجه بعدها لدراسة الادب العربي وزار مصر واقام فيها مراسلاً لوكالة الانباء الاسبانية واستقر اخيراً في دمشق، حيث يشغل حالياً منصب مدير المركز الثقافي الاسباني، وفي هذا الحوار الذي خص به جريدة «البيان» يفتح المستشرق ملفات وقضايا فكرية مهمة تتعلق بصراع الاجيال والحضارات وعلاقة الفن بالتصوف ودور الترجمة كأحد أهم وسائل الاتصال، وذلك نص الحوار: ـ هناك الكثير من الاختلاف بين النظرة الاكاديمية والنظرة العامة تجاه الثقافة العربية في الغرب.. برأيك لم هذه الازدواجية؟ ـ هذا يعود إلى كثير من الأمور اولها انه وفي السنوات العشر الأخيرة بدأنا نلاحظ اهتماماً بالثقافة واللغة العربية وخاصة على صعيد المستعربين الاسبان، حيث اصبح هناك كم كبير من الترجمة بين الطرفين وهذا أمر مشجع للغاية، لكن مع ذلك لا يمكن تحديد المسئولية خصوصاً وانه في فترة من الفترات كان هناك نوع من عدم المعرفة للطرف الاخر، فالاسبان، لم يكونوا على معرفة جيدة بالأدب العربي، كذلك العرب بالنسبة للأدب الاسباني الحديث. ـ وهل هذا الأمر ينطبق على مفهوم التصوف وقد كان لكم نشاط ملحوظ في هذا المجال؟ ـ بالنسبة الينا اقام المركز الثقافي الاسباني في دمشق حتى الآن ثماني مؤتمرات عامة أو ندوات عن التصوف بشكل عام وكانت الندوة الاخيرة عن العلاقة بين التصوف والجمال والفن، خاصة وان الجمال متنوع فهناك الجمال الروحاني الذي نشعر به كالموسيقى أو نراه كالخط والعمارة بأشكالها المختلفة، لذلك تناولنا اولاً الخط العربي لانه الوسيلة الاولى التي نقلت الينا افكار الصوفية على اعتبار ان لكل حرف دلالته الرمزية عند المتصوفة.. وعلى اعتبار ان هدف الندوة الاساسي كان التعريف بعلاقة الفن بالتصوف ونقل ما كان لدى المتصوفة بهذا الخصوص، لذلك انا سعيد جداً لان هذه المحاضرات والندوات تركت انطباعاً ايجابياً لدى عدد كبير من الذين تابعوها او شاهدوا الفعاليات المرافقة لها كالموسيقى مثلاً. فكثير من الناس يعتقدون ان التصوف مفهوم رمزي وعقلي صعب الفهم، لذلك جاءت ندوة «الفن والتصوف» لنقل افكار المتصوفة عبر اشياء ملموسة كالموسيقى والخط والعمارة. ـ البعض يرى ان حركات التصوف الاسلامي عبر العصور المتتالية اسهمت إلى جانب عوامل اخرى كثيرة في ابتعاد العرب عن ركب الحضارة والتطور.. فما رأيك بهذا الطرح؟ ـ لست مع هذه الفكرة أبداً.. فأتاتورك عندما قام بثورته اوائل القرن في تركيا أبعد الطرق الصوفية لانها كانت تمتلك القوة السياسية أيضاً، والدين لم يكن يوم من الايام ضد التطور وما يقال عن الدين الإسلامي انه متطرف كلام بعيد جداً عن الحقيقة. فالمسلم كان مع ركب التطور والحضارة ولم يكن متخلفاً أو متسلطاً و اهم شيوخ المتصوفة لم يفرضوا شيئاً أو يكونوا ضد أي شيء، حتى انهم لم يقدموا فتاوى تتنافى مع التطور لتسيير الجماهير.. واستطيع القول ان رؤية المتصوفة عبر عصورها هي رؤية موحدة تعبر عن وحدة الوجود، وهذا الوجود من الذات الالهية ولو تعمقنا في فلسفة المتصوفة لوجدنا ان الإنسان شيء من هذا الوجود. لذلك ارى ان المتصوف الذي لديه هذه الرؤية لا يمكن ان يكون متطرفاً على الاطلاق ويمكنك ان تضع هذا الكلام عنواناً عريضاً لهذا اللقاء. وانا افكر جدياً في اقامة ندوة عن الحداثة والتطوير عن طريق الصوفية، بمعنى انه كيف يمكن ان تكون المجتمعات العربية أو الإسلامية متطورة من دون ان تقلد الغرب وفي الوقت نفسه دون ان تكون عدائية أو عنصرية... فهذا حقيقة ما اطمح اليه من منطلق جديد كتأكيد ان الصوفية لم تكن في يوم من الايام ضد الحضارة والتطور. ـ وماذا عن مفهوم الاستشراق حالياً خاصة وقد بدأنا نسمع عن حركة المستشرقين الاسبان في هذا الاطار؟ ـ في السابق كان المستشرق عبارة عن رحالة يقوم بزيارة لأماكن مختارة ثم يعود إلى وطنه ليكتب مشاهداته وانطباعاته عن هذه الاماكن. لذلك لا يمكن ان نعتبر هؤلاء الرحالة مستشرقين بالمعنى الكامل للكلمة اما اليوم فقد تغير الوضع كثيراً واصبح المستشرق يتقن اولاً اللغة العربية كما انه ملم بشكل جيد بالثقافة والأدب العربي اضافة إلى حرصه على دراسة موضوع بحثه في المكان الاصلي للبحث وهذا يعطي المستشرق صفة الواقعية والصدقية بعكس الرحالة الذين كانوا طلائع لأهداف اخرى قد تكون استعمارية أو تجارية. بالاضافة إلى ذلك هناك مسألة على غاية من الأهمية وهي ان الجامعات الأوروبية عامة والاسبانية منها خاصة كان المستشرقون يدرسون اللغة العربية فيها كلغة ميتة، أما اليوم فقد تبدلت هذه النظرة نهائياً وادرك الجميع ان اللغة العربية لغة حية تنافس أي لغة عالمية أخرى. ـ ضمن هذا الاطار.. اذا كانت الاندلس فردوس العرب المفقود فهل يعتبر التراث العربي بشكل عام فردوس المستشرق حالياً؟ ـ هذا السؤال يقودني للحديث عن زيارات العرب الأولى إلى اسبانيا بدءاً من الأمير شكيب ارسلان وحسين مؤنس وغيرهما من الادباء والكتاب والباحثين حيث تردد مصطلح «الفردوس المفقود» كثيراً في كتاباتهم. واعتقد ان هذا نوع من الهوس أو النموذج الذي يصنعه عادة الخيال الشعبي، فمثلاً اسبانيا مرتبطة حالياً في مخيلة الكثيرين «بمصارعة الثيران» مع ان هذه الرياضة ليست كل شيء في اسبانيا، وعلى هذا الأساس أرى ان «الاندلس» لم تكن خالية من المشكلات، فهي لم تكن المدينة الفاضلة أو الفردوس المفقود.. ومع ذلك فقد كانت نموذجاً رائعاً للحضارة العربية المتطورة والتعايش بين الديانات السماوية الثلاثة.. من هنا استطيع القول انه يمكن الانطلاق من هذه النقطة من اجل تعايش مستقبلي. أما سؤالك عن التراث العربي بالنسبة إلى المستشرق الاسباني تحدياً، فيمكنني القول ان التراث الاندلسي شكل الرابطة الحقيقية بين اسبانيا القديمة والعالم العربي وبشكل عام يمكنك ان ترى حتى هذه الايام من وسط اسبانيا وحتى جنوبها تشابهاً في الاشكال والانماط الاجتماعية المتعددة، فالتأثيرات العربية لم تتوقف عند الأدب والفلسفة بل شملت المجتمع بأكمله. ـ لو انتقلنا للجانب الشخصي في حياتك وقد شغلت مناصب مهمة في مجال الاعلام، فكيف ترى واقع الاعلام العربي في ظل تقصيره الواضح تجاه بعض القضايا المصيرية والملحة.. الا يؤثر ذلك على صورة العرب في الغرب عموماً؟. ـ هذه المشكلة لا يمكن الحديث عنها بشكل واضح لأن الاعلام العربي لا يمتلك الاستقلالية وهو مرتبط إلى درجة كبيرة بالدولة. وانا لا اقول هذا الكلام على اعتبار ان الاعلام الغربي مستقل تماماً، بالعكس الجميع يعلم ان الإعلام الغربي مرتبط أيضاً بجهات متعددة كالمصارف والشركات وجهات خاصة أخرى. لكن وبكل صراحة أرى ان عدم استقلالية الاعلام العربي تبدو اكثر ضيقاً من استقلالية الصحافة والإعلام في الغرب ومع ذلك هناك العديد من الصحافيين العرب على مستوى جيد وقد التقيت بعدد منهم سواء في القاهرة أو دمشق، وهذا يعني ان المشكلة ليست في الاشخاص وانما في النظام الصحفي الذي يخضع عادة لتسلسل هرمي إداري طويل. ـ ولماذا اخترت رسالة الدكتوراه عن سبل المياه في القاهرة؟ ـ ما شدني لتقديم هذه الدراسة، انه لا توجد في مصر مياه جوفية صالحة للشرب، لذلك ابتدع الاهالي فكرة السبيل وهو عبارة عن بناء جميل تجر إليه المياه لسقاية الناس دون أي مقابل. وقد تناولت في دراستي هذه سبل المياه في مصر منذ بداية القرن الثاني عشر وحتى اواخر القرن التاسع عشر، أي منذ عصر المماليك مروراً بالعثمانيين وأسرة محمد علي باشا.. وقد شاهدت حوالي 90 سبيلاً واخذت كل الصور والمخطوطات عن هذه السبل في مدينة القاهرة. واجريت مقارنة حول الأساليب المعمارية والهندسية المستخدمة في بنائها كذلك طرق جر المياه اليها وما لفت انتباهي ان الكثير من هذه السبل حالياً قد تحولت إلى مدارس كما ان الكثيرين لا يعرفون ان هذه المباني الجميلة كانت في السابق سبلاً للمياه. ـ وهل هناك سبب محدد لتخصصك بالأدب العربي؟ ـ «باسماً» أعترف انني امتلك عشقاً قديماً للثقافة العربية خاصة وان علاقتي الأولى مع الأدب العربي بدأت عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري وقد سافرت حينها إلى القاهرة ومع انني درست الفلسفة في الجامعة الاسبانية إلا انني عدت لدراسة اللغة والأدب العربي.. دمشق ـ حوار: يوسف البجيرمي