على كثرة المآزق التي عبرها ياسر عرفات في مشواره الطويل والشاق من اطلاق الثورة إلى بناء الدولة يجد مأزقه الحالي اكثر استحكاماً. الخناق الذي يحيط بالرئيس الفلسطيني هذه المرة فوق كونه متعدد الاطواق السياسية يبدو الاكثر شراسة. في وقت واحد تضافرت جهود عناصر متباينة المشارب والدوافع بغية الاجهاز على عرفات وتصفيته سياسياً أو مادياً. أكثر من تيار يتحرك برغبة مكثفة لابعاد عرفات عن المسرح السياسي. هذه غاية واحدة لمنطلقات متعددة. الرئيس الفلسطيني يدرك بالطبع ـ أكثر من غيره ـ الدوافع الدموية التي تتمكن من شارون رغبة في تصفية عرفات معنوياً ومادياً. رؤية الرئيس الفلسطيني النافذة عبر تجربته المتراكمة في التعامل مع الإسرائيليين عامة وشارون خاصة جعلته يحتمل في البداية التحرش الذي بلغ درجة الاذلال من قبل السفاح الإسرائيلي. حالة الصبر تحولت إلى ضرب من العجز الذليل فيما بعد. عرفات يدرك ان شارون يرمي من تدمير المنازل على هذا النحو الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من الاخلاقية التوراتية إلى هدمها فوق رأس عرفات وسلطته أكثر من رغبته في دفع ساكنيها إلى العراء في ليالي الشتاء القارس. احاطة مقر الرئيس الفلسطيني بفوهات الدبابات تتجاوز هذه المرة مجرد التحرش والضغط عليه. رئيس الوزراء الإسرائيلي يعلم ان عرفات ذهب على طريق اعتقال عناصر فلسطينية أبعد مما يستطيع. حماقات شارون يمكن ان تستهدف مقر الرئيس الفلسطيني في رام الله ببساطة في محاولة للتعبير عن الاطاطة بالسلطة. شارون يدرك ان رأس عرفات سيكلفه غالياً. الفصائل الفلسطينية في حالة اجماع غير معلن للانقضاض على سلطة الحكم الذاتي رغبة في تصفية الوضع القائم على اوسلو باعتباره تسوية دون طموحات الشعب الفلسطيني. أكثر من ذلك المعارضة الفلسطينية تحمل سلطة عرفات الوضع المأزوم الحالي. السلطة في عيون المعارضة ليست أكثر من جندي للاحتلال. اذا كان لابد من ابعاد عرفات عن المسرح السياسي بتجاوز المأزق الفلسطيني الراهن فالمعارضة لا تمانع. ثمة تيار داخل سلطة عرفات يتحرك هو الآخر رغبة في ابعاد الرئيس عن المسرح وهو تيار يجمع فريقين. فريق يريد للرئيس الاحتفاظ بموقع رمزي على ان يتولى الفريق إدارة المعركة مع شارون والمعارضة وفقاً لرؤيته المبنية على اوسلو. فريق آخر يريد الانقلاب على عرفات بابعاده نهائياً عن المسرح السياسي مع الاحتفاظ له بحق الخاتمة المشرف. هؤلاء تستهويهم تجربة نهاية بورقيبة في تونس، لا احد يستطيع انكار الدور التاريخي للزعيم الوطني. هذا الفريق يجد في هذا الأسلوب مخرجاً من المأزق المستحكم حول الجميع فقط يفضلون تغييراً ناعماً لا يخدش أحداً. هذه أمنية مستحيلة في غمار الأحداث الدامية. العقبة الأساسية التي تعرقل حركة هذا الفريق تتمثل في فشلهم ازاء الاجماع على بديل مناسب لعرفات. من المؤكد ان الرئيس الفلسطيني يعرف وهو في محبسه الإسرائيلي بكل هذه المخططات. لا أحد غير عرفات يجد نفسه محشوراً في زاوية ضيقة يستقطع من عجزه حرية للاخرين. عمر العمر