بدلاً عن الازدهار سلة لغذاء العالم كما كان الأمل معقوداً على السودان تحول الوطن صاحب الامكانات الزراعية المهولة سلة لمبادرات العالم. الحرب الاهلية المزمنة في الجنوب والتي تعتبر اقدم حرب في إفريقيا استنزفت السودان كثيراً وطويلاً. استمرار الحرب لا يعني عجز السودانيين ازاء اخمادها وايجاد مخرج للأزمة التي تشعلها. في عهد جعفر نميري أفلح السودانيون وحدهم في اطفاء نار تلك الحرب في مطلع الستينيات بعد استبدال حوار المنطق بالبنادق. المفارقة ان نميري الذي تحقق هذا الانجاز الاستثنائي في عهده هو الذي انقلب عليه في سياق سياسته البراجماتية لتشتعل الغابات مجدداً بالتمرد على الدولة المركزية. في الديمقراطية الثالثة اعيد فتح خطوط الحوار السوداني ـ السوداني من اجل الخروج من مستنقع الحرب الاهلية. انقلاب البشير صادر تلك الفرصة كما صادر الديمقراطية. النظام الجديد صب زيتاً على النار عندما اسبغ نزعة جهادية على قمع التمرد. الصراع الذي كان يتخذ اطباعاً متباينة اصبح بمثابة حرب دينية.لاخلاف على ان دوافع الحرب الاهلية السودانية تنطوي على عناصر اثنية واقتصادية حسب اعترافات اهل البيت غير ان اضافة الطابع الديني كان دوماً تحريضاً خارجياً وفق رؤية السودانيين انفسهم. لما لم تقنع اعلانات العفو الرئاسي المتتالية الجنوبيين على إلقاء السلاح قبل النظام المبادرات التي بدأت تستهدف ايجاد تسوية سلمية للصراع الدامي. حينما شكلت المعارضة الشمالية تحالفاً مع حركة قرنق صارت المسألة السودانية اكثر تعقيداً اذ رهنت المعارضة السلام بالديمقراطية. في محاولة لفض الاشتباك بين النظام والمعارضة نهض عدد من الشخصيات السودانية بمبادرات غايتها المصالحة بين النظام والمعارضة. بين اكثر من عشر شخصيات قدموا مساهمات في هذا المجال نذكر الدكتور عبدالحميد صالح، دفع الله الحاج يوسف، ود. الجزولي دفع الله. د. حسين ابو صالح، د. كامل الطيب، هؤلاء تحركوا فرادى وهناك مجموعات كذلك مثل اساتذة جامعة الخرطوم، المحامون، مجموعة بقيادة ابيل الير، اخرى يتزعمها اللواء عبدالماجد حامد خليل. نحن لا نعرف حقيقة المدى الذي قطعته هذه المبادرات ولكن نعرف ان مآلها كان الى الفشل. ربما لانها قصدت مصالحة الخصوم ولم تستهدف معالجة جذور الأزمة. قد يكون لان الذين يقبعون على السلطة في الخرطوم لايريدون مقاسمتها فما بالك بتداولها. مع انهم مثل ـ وهم يقبضون على السلطة ـ مثل القابض على دينه. سلة المبادرات لم تقتصر على السودانيين. فثمة جهات خارجية غمست اصابعها في السلة فرادى وزرافات. السودانيون سمعوا عن المبادرة الاريترية والليبية، التي أصبحت مشتركة بدخول مصر عليها كما سمعوا عن النيجيرية والأمريكية وألفوا الحديث عن دول الايجاد وشركائها. كل هذه المبادرات اما ابتلعها المستنقع السوداني او انتهت إلى مصير مساهمات الافراد والمجموعات السودانية الى الاخفاق. جميع المبادرات بشأن السودان تعلو وتخبو والحرب دائرة والضائقة مستحكمة. وفود تهبط وتقلع والسودان يراوح مكانه. الرهان يوماً كان على السودان ان يصبح سلة غذاء العالم بما يملك من موارد طبيعية قوامها الارض الخصبة الشاسعة والمياه العذبة الغزيرة والموقع الجغرافي المتميز لكنه تحول إلى سلة للمبادرات ولا نريد وصفها بالمهملات. عمر العمر