قبل ان تنتهي الحرب التي تشنها امريكا حاليا على افغانستان، بدأت المرحلة الثانية من حرب ملاحقة الارهاب بوصول دفعات جند المارينز والوحدات الخاصة الامريكية الى ارض الفلبين، ومن المقرر ان تكتمل تلك الدفعات خلال اسابيع قلائل ليصل العدد الكلي للجنود الامريكيين الى 650 جنديا كلفوا بتدريب القوات الفلبينية التي لا تزال يأخذها التردد وتتهيب ملاحقة المتطرف ابو سياف ومقارعته في معتصمه بجزيرة باسيلان بحنوب الفلبين. هنالك سببان دفعا بالولايات المتحدة لاستهلال مرحلة الحرب الثانية بالفلبين، وقطب التشدد فيها ابي سياف ـ السبب الاول هو ان ابا سياف لا يزال يحتجز رهينتين امريكيتين تنتسبان للمؤسسة التبشيرية، واما السبب الثاني فهو سهولة التعامل مع الفلبين حيث انها دولة موالية لامريكا ولا ينتظر منها ان تمانع في دخول جند المارينز والوحدات الخاصة الامريكية الى اراضيها، هذا وان كان دستورها يمنع القوات الاجنبية من الدخول في اي عمل حربي هناك، وهذه ناحية تم الالتفاف حولها بنحو طريف بالقول بان القوات الامريكية ستقوم بتدريب القوات الفلبينية، وبالدخول معها الى ساحة الحرب من اجل الارشاد والتعضيد ليس الا ولن تستعمل السلاح الا اذا هوجمت من قبل المتطرفين اثناء قتال القوات الفلبينية لهم، وبالطبع فهذا عذر يمكن ان يغطي على اي اشتراك امريكي مباشر في الحرب، فطالما وجدت القوات الامريكية في ساحة الحرب فهي لن تنجو من الهجوم عليها من قبل المتطرفين، هذا الا اذا فضل هؤلاء التقهقر والهرب كما فعلت فلول القاعدة وطالبان. لماذا البدء بالفلبين؟ لقد تم تصنيف حركة ابي سياف ـ امريكيا ـ على انها امتداد لتنظيم القاعدة، وهو تصنيف يعلن لاول مرة، ومن الواضح ان النية الامريكية قد بيتت لسحق هذه الحركة تماما، لانها كما قيل ـ ربما تقوم بايواء، الهاربين من اعضاء تنظيم القاعدة من افغانستان وهؤلاء تخشى الحكومة الامريكية من افلاتهم من ايديها، رغم تكثيف وكالة الامن القومي الامريكي لاجهزة المراقبة الالكترونية بكل الاقليم الآسيوي وتخصيص الجيش الامريكي لعشر سفن حربية في المحيط الهادي وبحر العرب مهمتها مراقبة تحركات فلول القاعدة وطالبان واقتناصهم. ان من الصعب تصور وصول الهاربين من جحيم افغانستان الى جزر الفلبين النائية، ولكن الادارة الامريكية اصبحت تتعامل في شأن التطرف بأقصى الحذر، وتضع قيمة كبرى لاضعف الاحتمالات ومما يضايقها كثيرا عدم تمكنها حتى الآن من القبض على اسامة بن لادن او الملا محمد عمر، او القياديين الآخرين في القاعدة وطالبان، وبالقطع فان مما يفزعها ان يتمكن هؤلاء من تنفيذ عملية ارهابية اخرى موجعة تقصم الظهر الامريكي ولذلك لا تزال السماء الامريكية مراقبة بطلعات جوية على مدار الساعة، بلغت حتى الآن اكثرمن 13000 طلعة، بتكاليف بلغت 324 مليون دولار، وهي طلعات كثفت بشكل خاص فوق وحول بعض المباني والمنشآت التي يمكن ان تستهدفها غارات ارهابية جديدة. ورغم ان تنظيم ابي سياف تنظيم حديث التكوين، وليس له قاعدة صلبة، ولا عمق راسخ، ولا تتعدى عضويته اكثر من بضعة مئات من الاتباع الا انه مع ذلك يرعب الادارة الامريكية كثيرا بعنفه، ولذلك فان الادارة الامريكية تعطي مدى طويلا للحرب ضده فهي لا تتوقع ان تقل مدة الحرب عن ستة اشهر، وهي على استعداد لتمديدها لعام كامل اذا لزم الامر، فالمقصود كما هو واضح استئصال التنظيم، وابادة عضويته تماما، لا مجرد تشتيته وعزله ومنعه من الاستضافة المستبعدة لمتطرفي افغانستان. .. ثم الصومال ومن الفلبين ربما اتجهت الادارة الامريكية لتصويب حربها ضد الصومال واحتلاله بطريقة شبيهة باحتلالها له في اوائل التسعينيات، عندما اقدمت القوات الامريكية على قتل اكثر من الف صومالي رغم مزاعمها بانها ذهبت الى هناك في مهمة انسانية واغاثية ضالعة .ان وجود افراد القاعدة في ارض الصومال امر اكثر من مكشوف، ولكن الادارة الامريكية لا تسلم بذلك المنطق، ولا تكف عن البحث عن ادلة تثبت لجوء المطلوبين من طالبان والقاعدة الى هناك، ولذا تحلق طائرات CIA في سماء الصومال يوميا بغرض الكشف عن مواقع يمكن ان تكون لجماعات تابعة لبن لادن، حتى يتم قصفها اذا وجدت، ولعل افراد المعارضة الصومالية لحكومتها غير الموجودة هم الذين يزودون الادارة الامريكية بالمعلومات عن وجود المتطرفين وهؤلاء كغيرهم من افراد الحركات المعارضة في العالم الثالث لا يترددون في تحريض الدول الاخرى على بلادهم، وقد اوردت الصحف الامريكية انهم يتهافتون على مندوبي CIA يطلبون منهم الاموال والاعذية والهدايا لقاء توفير بعض المعلومات عن المتطرفين. التدخل غير المباشر وفيما عدا الفلبين والصومال تفضل قيادة الجيش الامريكي عدم التدخل المباشر، والاكتفاء بتوفير معلومات استخبارية لحوالي ستين قطرا، يظن ان لابن لادن بها شبكات تنظيمية ارهابية، ثم ترك حكومات تلك الاقطار تتحرك على ضوء تلك المعلومات لاعتقال او استئصال الارهابيين وقد ذكر وزير الدفاع الامريكي ان كثيرا من تلك الاقطار قد وافقت على امضاء تلك الخطة، وان بعضها قد قطع شوطا لا بأس به في ذلك المضمار، وقد طالب بقية الاقطار ان تشرع فورا في مجابهة الارهابيين. ويبدو ان الادارة الامريكية من واقع كشفها لبعض اسرار القاعدة المسجلة على اشرطة فيديو، وديسكات كمبيوتر، قد زودت بعض الاقطار منها ماليزيا وسنغافورة، ببعض المعلومات، وعلى ضوء ذلك تحركت حكومتا تلك الدولتين لاعتقال بعض المنسوبين لتلك التنظيمات فقد كان مثيرا ان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد المعروف بعدم تجاوبه مع مطالب الغرب قد سارع بالتصريح لصحيفة يابانية بان سلطات الامن الماليزية قد اكتشفت خلية تابعة لابن لادن قوامها ستين شابا ماليزيا، اعتقلوا واخضعوا للتحقيق، واما سلطات سنغافورة فقد اعلنت كشفا اضخم عن شخص يحمل جواز سفر مزور ومواد كيميائية لصنع المتفجرات وخطط ارهابية ضد السفارة الامريكية بسنغافورة بالاضافة الى اهداف اسرائيلية واسترالية هناك. وهكذا فمن المتوقع ان تستمر المرحلة الثانية من الحرب ضد الارهاب على هذا النحو، حيث ستتسابق الدول على اعلان اكتشافها لخلايا وشبكات الارهاب، وتتبارى في توجيه الضربات لها، وذلك من اجل ارضاء امريكا، ومن اجل نيل مساعداتها، وهو تدخل سيثير حفيظة الشعوب لان التدخلات العسكرية الامريكية توقع دائما اعدادا مهولة من الضحايا وسط الابرياء، باكثر مما توقع وسط المتطرفين باضعاف مضاعفة، وذلك عملا بمبدأ ان من الخير ان يموت مئة بريء، من ان يفلت مجرم واحد! الثمن البخس ان قبول اكثر هذه الاقطار الستين بالقيام بواجب مكافحة الارهاب بالنيابة عن امريكا يرضي الامريكيين كثيرا، فهو دليل الطاعة والتسليم بزعامة امريكا المطلقة للنظام الدولي وتمكنها من املاء توجيهاتها واوامرها للجميع، كما انه يقي الامريكان كثرة الاصابات وسط جنودهم اثناء الاقتحامات ويبقى على امريكا ان تدفع الثمن لهذه الاقطار الستين لقاء تقديمها لهذه الخدمات للصالح الامريكي، ولكن من المدهش ان الكونجرس الامريكي ـ القابض على المال العام ـ لا يزال مصرا على تقتيره وشحه الفظيع، اليس مدهشا ان امريكا لا تزال تتردد حتى الآن في دفع مبلغ زهيد لا يزيد عن مئة مليون دولار للنظام الحليف الذي اقامته في كابول ومع ذلك تطالبه ببسط الامن وملاحقة المتطرفين وتسيير امور الدولة ودفع رواتب ما يقارب ربع المليون من الموظفين. او ليس مدهشا ان باكستان التي استجابت لكل الشروط الامريكية ووضعت قواعدها الجوية تحت سيطرة الامريكان حيث انطلقت منها الطائرات لقصف افغانستان لم تتلق من امريكا مكافأة على ذلك الصنيع الا مبلغ خمسين مليون دولار، وعلى ذلك يمكن ان تقاس انصبة دول اخرى لم تقدم المساعدات التي قدمتها كل من حكومتي افغانستان وباكستان. ان امريكا تكرر تجربة اخرى من تجارب الشح والغباء الرأسمالي المعهود فهي تفضل ان تنفق مليارات الدولارات مباشرة في الحروب على ان تنفق بضعة ملايين لاتقاء شرها ابتداء، وقد كان درس افغانستان القديم، احرى ان ينبه الادارة الامريكية الى هذا الخطأ الذي ترتكبه حاليا، ولكن لا ينتظر بالطبع من قطب القوة المتعالي ان ينتبه الى الدروس ولا ان يصيخ الى عبر التاريخ. بقلم: د. محمد وقيع الله ـ استاذ العلاقات الدولية بالولايات المتحدة