تبدو عملية الخلط بين مفهومي الارهاب والمقاومة مقصودة من الناحية السياسية لأن هناك العديد من القوى لا تريد الفصل بين هذه المفاهيم بحيث تظل الأعمال والممارسات غير الشرعية والمخالفة لأبسط حقوق الانسان قائمة ومسوغة على الصعيد العالمي. وعلى الرغم من ان القانون الدولي ومباديء وميثاق الأمم المتحدة قد فرقت بوضوح بين الارهاب الذي يعني القتل من أجل القتل وبين المقاومة التي تعد حقا مشروعا بالنسبة للدول والشعوب التي تواجه الاحتلال، فقد أكدت مباديء المنظمة الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن انه لا يجوز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة وأعطت للدول والشعوب الواقع عليها مثل هذا الاحتلال أو العدوان اللجوء الى مختلف الوسائل من أجل انهاء معاناتها واستعادة أراضيها المحتلة. وتعد اسرائيل احدى أبرز الدول في العالم التي تصر على الخلط بين مفهومي الارهاب والمقاومة لأنها أصلا تمارس نوعا من الارهاب المنظم الذي يرفضه المجتمع الدولي. المؤتمر الدولي لقد طرحت الكثير من الدعوات التي تطالب بعقد مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة من أجل تحديد معنى الارهاب ووضع ضوابط لمفهومه السياسي وبالتالي تفريقه عن المقاومة، وقد ازدادت هذه الدعوات واتسع نطاقها في أعقاب الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الامريكية يوم الحادي عشر من سبتمبر الماضي حيث أدركت معظم شعوب العالم ودوله ان تلك الاحادث قد تدفع بالجانب الامريكي الى القيام بأفعال خطيرة يمكن ان تهدد الأمن والسلم الدوليين، كما حدث في أفغانستان، وكما يمكن ان يحدث في مناطق اخرى من العالم مثل الشرق الأوسط ومع ذلك فإن الادارة الامريكية تجاهلت تلك الدعوات ورفضت التجاوب مع التوجهات السياسية التي أخذت تضغط لعقد مؤتمر دولي كهذا، وتصر الولايات المتحدة على الاستمرار في لعبة الخلط بين مفهومي الارهاب والمقاومة، الأمر الذي دفعها الى اعتبار كل عمليات المقاومة المشروعة ضد الاحتلال بأنها حركات ومنظمات ارهابية ومن خلال هذا المنطق الخطير باشرت الولايات المتحدة الى الدفاع عن اسرائيل ومنع المجتمع الدولي من توجيه أي ادانة لها على الجرائم الدموية التي اقترفتها وتقترفها ضد ابناء الشعب الفلسطيني، كما حدث عندما استخدمت واشنطن حق الفيتو أواخر العام الماضي لمنع مجلس الأمن من ادانة اسرائيل أو توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. موقف سياسي ولا حاجة للتأكيد ان سبب رفض الولايات المتحدة لعقد مؤتمر دولي لتعريف الارهاب يعكس موقفا سياسيا بالدرجة الأولى ذلك انه في حال انعقاد مؤتمر كهذا فإن بلدان العالم الثالث ستكون قادرة على تصحيح الكثير من الاخطاء والملابسات التي أحيطت بالارهاب والمقاومة وبالتالي فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها معزولة داخل المؤتر لأنها إن هي عارضت الطروحات التي ستطالب بوضع تعريف دقيق لمعنى الارهاب فإنها ستظهر أمام الرأي العام العالمي وكأنها تدافع عن الارهاب وتجد له المسوغات. كما ان عقد مؤتمر دولي سيوجه إدانة مباشرة الى الكثير من العمليات العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة في عدد من مناطق العالم ولاسيما في العراق والصومال ويوغسلافيا، ففي المحصلة فإن فشل هذه العمليات سينطبق عليها أي تعريف لمفهوم الارهاب وبالتالي فإن واشنطن ستكون عرضة للادانة المباشرة من قبل المجتمع الدولي. والى جانب ذلك فإن أي تعريف محدد وواضح لمسألة الارهاب سينال اسرائيل بالتأكيد لأن الجرائم وعمليات القتل والتدمير التي تنفذها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة هي نوع من الارهاب الرسمي والمنظم، وبالتالي فإن واشنطن لا تريد لحليفتها تل أبيب ان تقع في أي موقف يمكن ان يشكل قوة ضغط عليها. وأخيرا وليس آخرا، فإن عقد مؤتمر دولي لتحديد مفهوم الارهاب سيقيد كثيرا من التصرفات والسياسات الامريكية على الصعيد الدولي لأن الولايات المتحدة ستكون مجبرة ـ في هذه الحالة ـ على الحصول على إذن مسبق من مجلس الأمن لاستخدام القوة في أي مكان من العالم، الأمر الذي سيحد كثيرا من آفاق وأبعاد حملة مكافحة ما يسمى بالارهاب التي تقودها الولايات المتحدة في الوقت الراهن. التغيير قادم ولكن الى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة مقاومة هذا الاجماع العالمي الذي يطالب ويلح على عقد مؤتمر دولي بشأن الارهاب؟ وهل يمكن لواشنطن ان تجاري الى ما لا نهاية المواقف والسياسات العدوانية والارهابية التي تصدر عن اسرائيل؟ ومن المؤكد ان تنامي الطلب الدولي الداعي الى الاسراع في عقد المؤتمر الدولي لتعريف الارهاب وفشل الولايات المتحدة في الصاق تهمة الارهاب بالعرب والمسلمين سيؤديان الى حدوث تغيير حقيقي في الموقف الأمريكي بالذات، فقد برزت في الآونة الأخيرة معادلة سياسية دولية جديدة تضم روسيا ودول الاتحاد الأوروبي والصين وبلدان العالم الثالث باتت ترتكز الى التطلع المشروع نحو عقد مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة ويصل الى قرارات حاسمة وواضحة فيما يتعلق بمفهوم الارهاب والمقاومة والواضح ان هذه المعادلة لن تتوقف عند حدودها الراهنة، بل لابد ان تتحول خلال وقت قريب الى فعل ساخط ومؤتمر يمكن ان يهييء الظروف والاجواء أمام الامم المتحدة لكي تبدأ بتوجيه الدعوات الرسمية الى القادة السياسيين في العالم من أجل حضور المؤتمر الدولي ولن يكون بمقدور الولايات المتحدة ان تعارض لوحدها مثل هذا الزخم العالمي لأن الخسارة السياسية ستكون كبيرة جدا بالنسبة لها. وعليه فإن من المأمول ان يشهد العام الجديد خطوات وتطورات مهمة على صعيد التحرك الدولي لعقد مؤتمر خاص بالارهاب والوصول الى تعريف عالمي محدد لمفهوم الارهاب ووضع حد لهذه الألاعيب السياسية المكشوفة وعمليات الضغط والابتزاز التي تمارسها الولايات المتحدة ضد بلدان العالم الثالث. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري