ستظل الاحداث التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في ذلك اليوم المشهود في تاريخ العالم، الحادي عشر من سبتمبر 2001، نقطة تحول بارزة في التاريخ الحديث، ولا يرجع ذلك فحسب الى حجم ذلك العمل الارهابي ـ رغم سقوط آلاف الضحايا، ولا الى الجرأة والبساطة المتناهيتين التي تم بهما ارتكاب تلك الجريمة الشنعاء، ولكنها ترجع بالاضافة الى كل ذلك الى ان التنظيمات التي خططت ونفذت، ونجحت فيما خططت ونفذت ـ ان ثبت على وجه اليقين كما يبدو الآن ان «القاعدة» هي الفاعل ـ تنظيمات ضئيلة ضعيفة الموارد لا تقارن من قريب او بعيد بجبروت الدولة العظمى، لنقل الدولة العظمى الوحيدة، التي تمتلك اقوى جيش واقوى ترسانة واقوى اجهزة المخابرات واكبر واقوى اقتصاد في العالم واقوى ما شئت من صفات، وبدا الامر وكأنه شيء يضاف الى اعاجيب العالم السبع، وان كان هذا اعجوبة دامية حزينة، دفع ثمنها الوف ممن لا علاقة لهم بصراع او قضية. بضعة افراد، قلوا او كثروا، وبوسائل اقرب الى البدائية، استطاعوا ان يلحقوا دمارا غير مسبوق بعملاق تكفي نظرته لبث الرعب في القلوب. وعندما نتأمل في دلالة احداث تلك اللحظات المشهودة، وما اعقبها من ردود أفعال وتحالفات دولية، وحملة تأديبية ربما لم يعرف العالم لها مثيلا في تاريخ قديم او حديث، ودمار طال افغانستان بوديانها وتلالها، ولم يبق فيها اخضر او يابس، وقصص البؤس البشري التي تصفع اعين المشاهد لقنوات الفضاء، مما فاض الحديث عنه ولم يعد من مجال لتكراره، قد تظهر امامنا بعض العلامات البارزة في هذا الفصل المريع من تاريخ الانسانية في السنوات الاولى من قرن جديد، بعض هذه العلامات يبرز خيبة الماضي، وبعضها مؤشر لما يمكن ان يجعل المستقبل اكثر امنا. العلامة الاولى التي لا يخطئها البصر ان انهيار البرجين التوأمين في مركز التجارة العالمي، ومعه الدمار الذي حاق بمبنى البنتاجون في واشنطن، تنبيه يكاد يصم الاذان الى ان القوة العسكرية والهيمنة السياسية والجبروت الاقتصادي لا تكفل في حد ذاتها دفاعا ضد الارهاب، وان مواجهة تنظيمات تلجأ الى وسائل غير متوقعة، كما حدث في 11 سبتمبر ـ يختلف عن مواجهة قوى عسكرية تحسب لعددها وعدتها الحسابات، وتسبق اعمالها انذارات وتحذيرات، ولم تستطع الامكانيات الهائلة ـ او التي يفترض انها هائلة ـ لاجهزة المخابرات الامريكية والاجهزة الغربية عموما ان ترصد تحركات تحمل ادنى نذير بما حدث، لذلك لابد ان يكون للتأمين ضد ما يمكن وصفه بالاعمال الارهابية من طريق آخر، لن يكفي وجود ما يمكن وصفه بانه استراتيجية امنية، لابد من استراتيجية سياسية، ولابد من نظرة اكثر واقعية وانصافا الى المظالم التي تنتشر كبقع سوداء على وجه العدالة الانسانية، هذه البقع السوداء ليست مبررا بحال لقتل الابرياء بالجملة، ولكنها كثيرا ما تختطف كقناع يحتمي وراءه اصحاب رؤى متطرفة واحلام قاتمة يسعون الى فرضها على الانسانية. تصحيح المظالم عملية تحتاج الى ايجاد المناخ الذي يمكن في ظله تعريف العدالة في المجتمع الدولي ووضع اسسها. العدالة في مجتمع قومي لا تحول دون وقوع الجرائم، ولكنها على الاقل ترسم طريقا واضحا يحدد المسئولية والعقاب. العدالة في المجتمع الدولي لن تحول كلية دون وقوع احداث تندرج تحت وصف الارهاب، ولكنها ستكفل رادعا محدد المعالم، المجتمع دون عدالة عرضة للفوضى واعمال العنف دون رادع. التحدي الذي يواجه العالم المتحضر في القرن الواحد والعشرين هو الاتفاق على اسس العدالة في مجتمع دولي. العلامة الثانية في احداث سبتمبر وما بعدها هي ان ضراوة ومفاجأة ما حدث اعطت لدعاوى الانتقام الغلبة على توخي العدالة. الادارة الامريكية ـ بعد ايام من التصريحات العصبية تناثرت فيها تعبيرات ذات ماض مظلم مثل المسيرة الصليبية وغيرها ـ اعلنت ان مرتكبي تلك الجريمة لابد ان يقدموا للعدالة، او ان تنتقل العدالة اليهم على حد تعبير الرئيس الامريكي، وبعد اسابيع قليلة بدأ القصف الجوي لافغانستان. وستظل الولايات المتحدة لسنوات عديدة مطالبة بان تثبت للعالم انه كان تحت يدها الدليل الدامغ الذي لا يقبل شكا او ترددا بان الفاعل هو «القاعدة»، والا ستكون حملتها التأديبية ضد واحد من اكثر بلاد العالم بؤسا وفقرا عملا يتعارض تعارضا صارخا مع مسئوليتها كدولة عظمى، ولا يكفي بحال لتبرير تلك الحملة الشرسة ان يكون لدى واشنطن ذلك الدليل الآن، او حتى بعد ايام قلائل من بدء ضربتها، لا يمكن ايقاع العقاب ثم البحث عن الدليل، ولا يكفي بحال ان يظهر الدليل وان يقتنع به العالم بعد ذلك، ستظل الضربة الامريكية علامة تساؤل على مدى سيطرة مشاعر الانتقام دون دليل على مباديء العدالة. ولم تقتصر غلبة النظرة الانتقامية على ايقاع العقاب اولا ثم البحث عن الدليل فيما بعد، بل بدت واضحة في هذه القوى التدميرية الهائلة، التي استخدم بعضها للمرة الاولى، وفي الاهداف المدنية التي طالها الدمار، وتظهر الآن في المعاملة التي لا يمكن قبولها او توقعها من دولة عظمى من المفروض انها حامية وراعية للقيم الانسانية، المعاملة التي يلقاها افراد القاعدة الذين وقعوا في ايدي القوات الامريكية او سلموا اليها، تم نقلهم مخدرين مكممين مكبلين في الطائرات في رحلة تستغرق اكثر من عشرين ساعة، وحبسهم في اقفاص حديدية في قاعدة تستأجرها الولايات المتحدة، اي ليست ارضا امريكية، في كوبا، والهدف الا يكون من حقهم الاستنجاد بالضوابط التي تكفلها القوانين الامريكية حتى لعتاة المجرمين، بل والاعلان بان هؤلاء ليسوا اسرى حرب ولا تسري عليهم المواثيق الدولية لمعاملة الاسرى، ولسنا هنا في مضمار التفسير القانوني لوضع هؤلاء الذين وقعوا في الاسر، ولكن على اي حال لابد ان يترك ذلك التفسير للقضاء وليس لوزارة الدفاع الامريكية، والخطر الاكبر هو ان السماح لمشاعر الانتقام بان تحل محل مباديء العدالة ربما يسهم في تربة خطرة تنمو فيها شرور جديدة. العلامة الثالثة التي لابد للعالم المتحضر ان يراها في وضوح وجلاء هي ان مظلمة ازدواجية المعايير التي تشكو منها الشعوب المغلوبة على امرها، صاحبة الحقوق الضائعة، مظلمة حقيقية ولن تختفي، وستظل تؤرق ضمير العالم. وقد ينتبه العالم من ارقه ليجد امامه كوارث جديدة، ازدواجية المعايير شكوى ضج بها الشرفاء في العالم ولم تجد غير آذان صماء. ان ما حدث في 11 من سبتمبر جريمة بكل المعايير، وما سبقته من اعمال ارهابية، تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام، قتل السياح في الاقصر وغيرها، كل هذه جرائم تستحق الملاحقة والعقاب، الى جانبها جرائم اخرى راح ويروح ضحيتها ابرياء، بعضهم اطفال لم يدروا بعد كم هو قاتم عالم المعايير المزدوجة وكم هو ظالم حماية هذا العالم وابقائه، جرائم اخرى لا يرتكبها افراد يحتاجون الى ادلة لاثبات تورطهم، بل ترتكبها دولة وترفع يدها ملطخة بالدم في زهو وصلف، الجرائم التي ترتكبها اسرائيل ليلا ونهارا ضد الشعب الفلسطيني الاعزل، اعمال الاغتيال التي تخطط لها الحكومة الاسرائيلية وبررها صراحة دون مواربة، اجتياح المناطق الآمنة في ظلمات الليل ودك بيوتها وتشريد اهلها بدعوى او اخرى. والولايات المتحدة التي تستخدم نفوذها وجبروتها في حشد العالم وراءها ضد الارهاب بعد ان ذاقت ويلاته في سبتمبر تقتصر احيانا على الاعراب عن الاسف، وتستخدم جبروت الفيتو لمنع مجلس الامن، ليس من انزال العقاب بالمجرمين، بل من مجرد ارسال مراقبين دوليين ليكونوا عينا للمجتمع الدولي، ناهيك عن اغداق المال والسلاح على الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس الارهاب ضد شعب اعزل عيانا بيانا دون خوف من عقاب. لم يعد من المقبول ان تستمر الولايات المتحدة، وتستمر معها دول الغرب بدرجة او اخرى، في هذا المعيار المزودج، وفي الاستخفاف بشكاوى الشعوب التي تعاني من هذا الظلم البين، وتطالب في الوقت نفسه بالوقوف مع الغرب في حمايته من الارهاب، العدالة هي الحماية الحقيقية ضد الارهاب، والعدالة وازدواج المعايير نقيضان لا يجتمعان. المبدأ الذي اعلنه الرئيس بوش واراد من العالم بشرقه وغربه ان يسير وراءه، وهو اعتبار الدولة التي تحمي الارهابيين مسئولة عن اعمال الارهاب، وعليها ان تسلمهم للعدالة والا فهو الويل والثبور، اين هذا المبدأ من الحماية الامريكية المستمرة للارهاب الاسرائيلي الذي يمارس في وضح النهار؟ الحملة الضارية التي شنتها الولايات المتحدة ضد افغانستان بدأت في الاسبوع الاول من اكتوبر من العام الماضي، ولا تزال مستمرة، ولا يمكن لاحد ان يتنبأ بنهايتها، وان كانت قد قضت على حكم طالبان ونقلت مقاتلي القاعدة الى سجن امريكي في كوبا، الا انها لم تحقق بعد اهدافها كاملة، وقد تنتقل ملاحقة «الارهاب» الى بلاد اخرى، وقد تستمر تلك الحملة سنوات طوال، ولكن المعركة الحقيقية لاستئصال جذور الارهاب من العلاقات الدولية ستبدأ عندما يقر المجتمع الدولي مباديء للعدالة الاجتماعية، وعندما تخضع اعمال الدول كبيرها وصغيرها لحكم القانون، وعندما يودع العالم مبدأ ازدواجية المعايير الذي يفرق بين ارهاب وآخر، قد يحتاج ذلك الى سنوات اطول بكثير مما قد تستغرقه الحملة الامريكية، ولكنه سيفتح الطريق نحو عالم اكثر امنا. بقلم: محمد خليل ـ كاتب مصري مقيم في لندن