من بين التعاريف الشهيرة للإرهاب، بوجه عام، ما قدمه ويلكنسون الذي اعتبره: «نتاج العنف المتطرف الذي يرتكب من أجل الوصول إلى أهداف سياسية معينة مع إمكانية التضحية من أجلها بكافة المعتقدات الإنسانية والقيم الخلقية». وجاء تعريف ثورنتون للإرهاب قاصرا على: «استخدام الرعب في عمل رمزي الغاية منه هو التأثير على السلوك السياسي بوسائل غير اعتيادية تستلزم اللجوء إلى التهديد أو العنف». واعتبر وولتر أن «الإرهاب: هو عملية رعب ذات ثلاثة عناصر، أولها فعل العنف أو التهديد باستخدامه، والثاني ردود الفعل العاطفية والنفسية لدى الضحايا، والثالث هو التأثيرات المتوقعة على المجتمع من جراء العملية». ووضع قانون العقوبات المصري للإرهاب تعريفا محدداً في المادة 86 بأنه: «كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجاني لتنفيذ مشروع إجرامي فردي أو جماعي يُخل بالنظام العام، ويعرض أمن المجتمع للخطر بإيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم وتعريض حياتهم وحرياتهم للخطر وإلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو الأموال أو المباني أو بالأملاك العامة والخاصة، أو احتلالها أو منع ممارسة السلطات العامة أو استخدام دور العبادة ومعاهد العلم، أو تعطيل تطبيق الدستور أو اللوائح». أما الأمريكيون فقد عرفوا في مراجعهم العسكرية الإرهاب بأنه ذلك: «الاستخدام المحسوب للعنف أو التهديد باستخدامه لإكراه المواطنين أو الحكومات أو الأفراد على تلبية مطالب الإرهابيين التي قد تكون سياسية أو دينية أو أيديولوجية في طبيعتها، ويشمل الأعمال الإجرامية التي قد تكون رمزية في طابعها أو مقصودة لإحداث خسائر بشرية أو مادية». وجاء المؤتمر الثالث لتوحيد قانون العقوبات تحت إشراف الجمعية الدولية لقانون العقوبات في بروكسل ليضع تعريفا محدداً للإرهاب الدولي بأنه: «الاستخدام المتعمد لوسائل ارتكاب أفعال تعرض حياة الأفراد أيا كانت جنسياتهم للخطر أو الدمار، وكذا ممتلكاتهم المادية، من خلال الحرق والتفجير والإغراق وإشعال المواد الضارة واستخدام المواد الخانقة، وإثارة الفوضى في وسائل النقل والمواصلات، وإعاقة خدمات المرافق العامة وتلويث المياه والحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية». وبات واضحا أن مسئوليات الدول عن الإرهاب الدولي ومواجهته يجب أن تترتب على أساس معاهدة دولية تبرم في إطار الأمم المتحدة، وتحدد مفاهيم وتعريف وأوجه نشاط جماعات ومنظمات الإرهاب. ومن ثم وضعت لجنة الإرهاب الدولي التابعة للأمم المتحدة تعريفا واضحا في مشروع الاتفاقية الموحدة لمواجهة الإرهاب الدولي عام 1980 تعتبر فيه أن: «الإرهاب الدولي عمل من أعمال العنف الخطيرة أو التهديد بها يصدر من فرد أو جماعة ويوجه ضد أشخاص أو منظمات أو مواقع حكومية أو وسائل النقل والمواصلات أو الجمهور العام دون تمييز اللون أو الجنس أو الجنسية بقصد التهديد أو إلحاق الخسائر المادية أو إفساد علاقات الصداقة بين الدول، أو ابتزاز تنازلات معينة من الدول في أية صورة، ومحاولة ارتكاب هذا العنف أو التحريض عليه يشكل أيضا جريمة الإرهاب الدولي». ثم قدمت لجنة القانون الدولي في مؤتمرها الثاني في مارس عام 1984 تعريفا للإرهاب الدولي بأنه يشمل: «أعمال العنف التي تحتوي على عنصر دولي، وتوجه ضد المدنيين الأبرياء، أو من يتمتعون بحماية دولية، والتي تنتهك القواعد الدولية وتثير الفوضى والاضطراب في بنية المجتمع الدولي سواء في زمن السلم أو وقت الحرب». خلاصة القول إن هناك اختلافا بين مفهوم الإرهاب في الإسلام الذي يعني الإعداد والاستعداد الذي يردع العدو فيحول بينه وبين العدوان فلا يقع عنف ولا يحدث قتال، وبين مفهوم الإرهاب في الغرب أو في أغلب القوانين الوضعية في دولنا العربية الذي يشمل العنف المرفوض والاستخدام العمدي للقوة لتحقيق مقاصد غير مشروعة دينيا أو تخالف القيم الإنسانية والأعراف الدولية أو تخرق القانون الوضعي. ونحن ندين هنا التصريحات غير المسئولة التي نسبت إلى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، وادعت أن مبادئ الإسلام الأساسية تحرض على التصلب والعنف، وتشجع على استخدام القوة في إدارة المنازعات!! الولايات المتحدة ومفاهيم الإرهاب بعد اغتيال ملك يوغوسلافيا ورئيس وزراء فرنسا في مرسيليا في 9 أكتوبر 1934 أسفرت الجهود الدولية عن إبرام اتفاقية جنيف لمنع ومعاقبة الإرهاب عام 1937، لكن واشنطن رفضت الانضمام إليها، مع أن الاتفاقية قد أدانت الإرهاب الذي يقوض الاستقرار الدولي، واعتبرته أبرز صور العنف السياسي في العلاقات الدولية والإنسانية معاً، بل وجريمة سياسية وأسلوبا غير مشروع تستخدمه بعض الدول في إكراه خصومها على الانصياع لما تفرضه عليهم من أوضاع سياسية جديدة. ولم تنضم الولايات المتحدة إلى اتفاقية الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات التي أبرمت في طوكيو في 14 سبتمبر 1963، أو إلى اتفاقية قمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات التي وقعت في لاهاي في 16 ديسمبر 1970، أو حتى إلى اتفاقية قمع جرائم الاعتداء على سلامة الطيران المدني المبرمة في مونتريال في23 سبتمبر 1971. وخلال حرب يونيو 1967 مارست الولايات المتحدة سلبية مقيتة إزاء إجبار إسرائيل لمئات الآلاف من الفلسطينيين على النزوح الجماعي من الضفة الغربية وغزة إلى دول الطوق العربية مما يثبت أن الاحتلال هو أسوأ صور إرهاب الدولة بغير منازع. وبعد تلك الحرب واحتلال إسرائيل للضفة الغربية لنهر الأردن وغزة، بدا واضحا أن الولايات المتحدة تشجع الدولة الصهيونية على التوسع الاستيطاني الاستعماري في الأراضي الفلسطينية، وعلى توسيع مساحة القدس الشرقية إلى نحو اثني عشر ضعفا بإضافة المستوطنات إليها في إطار مخطط تهويد حقيقي للقدس بشطريها مع أن الغالبية العظمى في المجتمع الدولي لم تعترف بعد لإسرائيل بالسيادة على القدس الغربية ذاتها. وامتد التجاهل الأمريكي إلى محاولات تخريب المسجد الأقصى وإحراقه، وإلى جميع الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة عام 1967. ومارست فيها إرهاب الدولة ضد الأشخاص المدنيين، وهي جرائم حرمتها اتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة في 12 أغسطس 1949، وشملت الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية وأخذ الرهائن، وتنفيذ العقوبات دون محاكمات، والاعتقال بغير اتهام ومصادرة الممتلكات والأراضي الزراعية وبخاصة في الضفة الغربية لنهر الأردن. وفي حقبة السبعينيات تزايدت الأعمال الإرهابية في أمريكا الشمالية وأوروبا، وشكلت نحو 64% من حوادث الإرهاب في العالم أجمع، وتأكد أن هناك دولا، بعضها عظمى كالاتحاد السوفييتي السابق أو كبرى كبريطانيا، قد خططت وأدارت عمليات إرهابية ضد دول عدة في العالم الثالث بوجه عام، وفي بريطانيا بصفة خاصة. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة رفضت الانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب لعام 1977، وصمتت في سلبية تامة إزاء تورط بعض الدول الحليفة أو التابعة لها في إرهاب الدولة، وبدا أنها تشجع بعض المنظمات المناهضة في دول معينة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لاستخدام العنف كأحد وسائل الصراع السياسي على المستوى الداخلي ضد نظم الحكم التي لا ترضى واشنطن عن توجهاتها وأيديولوجياتها. الكفاح المسلح في نظر الأمم المتحدة إن الأمم المتحدة بغير جدال تفرق بين الكفاح المسلح لحركات التحرير الوطني والإرهاب الدولي، ووضح ذلك سواء في دورة الجمعية العامة السابعة والعشرين عام 1972 وقرارها رقم 3034 الذي أبدت فيه قلقها من تزايد أنشطة الإرهاب وأيدت حق جميع الشعوب الخاضعة لأنظمة استعمارية أو عنصرية في ممارسة كافة أساليب الكفاح من أجل الحرية والاستقلال الوطني بما فيها الكفاح المسلح. وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة المعني نفسه بقرارها رقم 14732 الصادر في 16 ديسمبر 1977، ثم في قرارها رقم 5146 بتاريخ 9 ديسمبر 1991 الذي كررت فيه التأكيد على حق الشعوب المطلق في الكفاح المشروع لتقرير المصير والاستقلال. لكن الولايات المتحدة التي أصابت ـ إلى يومنا هذا ـ الأمم المتحدة بالعجز إزاء مواجهة الإرهاب الدولي في إطار مخططها لتهميش دور المنظمة الدولية في الصراعات المعاصرة وبخاصة في مناطق المصالح الحيوية الأمريكية، بدأت تخلط بين الإرهاب والكفاح المسلح لحركات التحرير الوطني، وقيدت مشروعية المقاومة الوطنية المسلحة لتقصرها على مهاجمة أهداف عسكرية صرفة لقوات الاحتلال وبشرط عدم استهداف المدنيين حتى ولو كانوا في مستوطنات استعمارية أمنية داخل الأراضي المحتلة. ومن منطلق الانحياز الأمريكي شبه المطلق إلى جانب إسرائيل منذ قيامها عام 1948 إلى عامنا هذا، وبمنطق أسبقية التحالف الأمريكي الإسرائيلي على اعتبارات التعاون الاستراتيجي مع بعض الدول العربية، أو احترام التزامات القانون الدولي العام والخاص، تجاهلت واشنطن مجرد انتقاد إسرائيل فيما ترتكبه من جرائم ضد الإنسانية في فلسطين المحتلة من إبادة جماعية، وتمييز عنصري، بل وترقب الإدارة الأمريكية حاليا في سلبية عجيبة خطة الفصل العنصري التي يطبقها شارون في الضفة الغربية المحتلة حيث يقيم منطقة عازلة تمتد من جنين إلى طولكرم يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين!! وعندما اعتمد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في روما في 17 يوليو 1998 كأداة لمحاكمة المتهمين بجرائم الحرب وبانتهاكات القانون الإنساني الدولي الموجهة ضد السلام وأمن البشرية، ومن بينها بالطبع جرائم الإرهاب، عارضت الولايات المتحدة وإسرائيل إنشاء هذه المحكمة ولا تزال واشنطن تعيق تشكيلها على الرغم من الحاجة الماسة إليها كآلية للمسئولية الجنائية الدولية ووسيلة للحفاظ على الأمن الجماعي للنظام الدولي، ولظهور المسئولية والعدالة كقيم دولية معترف بها لإعادة السلام المفقود في مرحلة التحول إلى نظام دولي جديد. ازدواجية المعايير على الرغم من الدعم العربي غير المحدود من جانب الدول العربية للولايات المتحدة في حملتها ضد نظام طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، فإن الإدارة الأمريكية ضربت عرض الحائط بوعودها لتنشيط مسارات التسوية السلمية في الصراع العربي الإسرائيلي، والتعاطف مع قيام دولة فلسطينية في المستقبل القريب. ورفضت واشنطن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر الماضي بشأن حق جميع النازحين نتيجة الأعمال القتالية التي نشبت في يونيو 1967 وفيما بعد في العودة إلى ديارهم في الضفة الغربية انهر الأردن وغزة والجولان. واعتبرت الولايات المتحدة أن القمع الإسرائيلي الدموي والوحشي للانتفاضة الفلسطينية الثانية يقع في إطار الدفاع الشرعي عن النفس حتى لو شمل قصف المدنيين الأبرياء بالقنابل والصواريخ من طائرات القتال والهليوكبتر المسلحة، أو هدم الأحياء السكنية على من فيها من بشر، أو التهجير الجماعي من أراضي الأجداد والآباء أو الاغتيال المدبر لرموز المقاومة والاعتقال العشوائي للمواطنين العزل في إطار القهر المعنوي والإرهاب النفسي للشعب الفلسطيني كله، وهي كلها جرائم حرب وضد الإنسانية وتكفي لمحاكمة شارون وعصابته أمام المحكمة الجنائية الدولية. وكان ظلما بينا أن تضع واشنطن منظمات حماس والجهاد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجناح العسكري لفتح، وحرس الرئيس الفلسطيني على قوائم الإرهاب التي تترصدها للقضاء عليها، وأن تضغط بكل قواها على عرفات لتفكيك بنية هذه المنظمات قبل تفعيل تفاهمات تينيت لوقف إطلاق النار أو تقرير ميتشيل لعودة الأوضاع في الأراضي المحتلة إلى ما كانت عليه قبل بدء الانتفاضة الثانية. ولن تتخلى الولايات المتحدة عن هذه الازدواجية والخلط في النظرة للمقاومة الفلسطينية والإرهاب الإسرائيلي بغير موقف عربي حاسم تصل إليه الجامعة العربية في قمتها القادمة بعد أن ظلت طويلا تكتفي بالتأييد المعنوي والمادي المحدود لشعب عربي يتعرض لحرب إبادة حقيقية في وطنه واقتلاع مستمر من أراضيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بقلم: لواء صلاح الدين سليم محمد ـ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط