يتجدد الحديث عن الإرهاب، تحذيرا منه، وإدانة له، وبحثا عن الوسائل الفعالة لمحاربته والقضاء عليه، كلما وقع حادث من حوادثه، يهدد أمن الناس، أو يضر بمصالحهم الاقتصادية، أو يهدد استقرار النظام السياسي القائم. ثم لا يلبث هذا الحديث أن يخفت، ويتصور الناس حكومات وشعوبا أنهم نجحوا في استئصال الإرهاب والقضاء عليه، فيسترد المجتمع إحساسه بالأمن فترة تطول أو تقصر إلى أن يقع حادث إرهابي جديد. وفي الحقيقة، فإن ظاهرة الإرهاب تشهد تطورا ضخما بصورة تستعصي على التنبؤ المسبق، ويصعب توقعها حتى في أكثر السيناريوهات تطرفا في الخيال، وعلى الرغم من أن أشكال الإرهاب وأدواته وتكتيكاته تخلف وتتطور بسرعة مع الزمن، فإن جوهر ظاهرة الإرهاب وأهدافه تظل واحدة، فالإرهاب عموما هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه من أجل إثارة الخوف والهلع في المجتمع من خلال استهداف أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو نظام الحكم ككل في المجتمع لتحقيق هدف سياسي معين، تلك هي طبيعة الإرهاب في العصور القديمة والوسطي والحديثة ،وسوف تظل كذلك مهما شهدت هذه الظاهرة من تطورات جديد في المستقبل. نمو الارهاب وحين تجاوزت الحوادث الإرهابية حدود الدولة، وامتدت إلى دول أخرى، وتزايد عددها على نحو غير مسبوق، فقد كان طبيعيا أن تبدأ الجهود الدولية لمقاومة الإرهاب بمحاولة وضع تعريف له يتفق عليه المجتمع الدولي، أو تتفق عليه الدول التي تريد الدخول في إتفاقيات ثنائية أو جماعية لمقاومته. ومع ذلك لم تفلح جهود الساسة ورجال القانون في الوصول إلى اتفاق على تعريف الإرهاب، وكان هذا الفشل تعبيرا واضحا عن تعارض المصالح وإختلاف المواقف السياسية. وظهر هذا الخلاف من جديد فور إعلان الرئيس الأمريكي بوش عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن الولايات المتحدة ستخوض حربا شاملة ضد الإرهاب، داعيا سائر الدول إلى الإنضمام للولايات المتحدة في تلك الحرب، دون أن يحدد على الإطلاق معني هذا العدو الذي تحشد لمحاربته الجيوش والطائرات والأساطيل. وتأكد إستمرار هذا الخلاف حين أصدر مجلس الأمن يوم 28 سبتمبر 2001 قراره رقم 1373 الذي دعا فيه الدول إلى الإلتزام بمحاربة الإرهاب عن طريق قطع الموارد المالية عن الأفراد والمنظمات الإرهابية، والإلتزام بعدم قبول أولئك الأفراد كلاجئين سياسيين، وإلى تعديل التشريعات الداخلية بما يتفق وبنود ذلك القرار، ورغم التفصيل الكبير الذي تميز به القرار « خمسة بنود أساسية ينقسم كل منها إلى ثلاثة أو أربعة أجزاء» فقد بقي الإرهاب مجهلا، وبقي باب الخلاف حوله مفتوحا على مصراعية. لقد حرصت أكثر الدول النامية وتلك التي تتعرض للإحتلال الأجنبي على التمييز بين جرائم الإرهاب التي تمارس داخل الدولة، أو تمتد إلى دولة أخرى تعبيرا عن موقف سياسي أو أيديولوجي،وبين العنف الذي تضطر الشعوب إلى ممارسته مقاومة للإحتلال،ودفاعا عن الاستقلال الوطني، والذي هو في جوهره استعمال لحق الدفاع الشرعي في مواجهة الاحتلال.. وهي مقاومة تجد سندها القانون فيما يقرره ميثاق الأمم المتحدة، وبينما إتخذت الدول النامية هذا الموقف، فإن أكثر الدول التي حققت النمو قد ظلت حريصة على تجنب وضع تعريف للإرهاب، حتى لا تمنح الشرعية لحركات التحرير الوطني التي تقاوم الاستعمار والاحتلال. ان العرب والمسلمين ومعهم المدافعون عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها حريصون أشد الحرص على أن ينحسر أي تعريف للإرهاب عن حركات التحرير الوطني والمشاركون فيها، الذين يضطرون إلى إستخدام العنف لمقاومة عنف آخر يتمثل في فرض الاحتلال، وما تمارسه سلطات الاحتلال من عدوان على حقوق أبناء الأقاليم الواقعة تحت ذلك الإحتلال ومن تضييق عليهم وفرض الوصاية على حياتهم كلها. ان جسامة الخطر الذي تواجه الإنسانية كلها نتيجة استشراء الإرهاب والتطور المزيف للأسلحة التي تستعملها الجماعات الإرهابية، يفرض علينا العمل على نقل بؤرة الاهتمام في تحليل أساليب الإرهاب وصوره المختلفة إلى الإهتمام بالتعرف على أسبابه ومحركاته والعمل على إزالة هذه الأسباب والمحركات. ولا يخفى أن الدراسات السياسية والاجتماعية تشير كلها إلى أن البيئة التي تنمو فيها حركات العنف والإرهاب تتميز عادة بأمور ثلاثة أولها : ضيق المنافذ المتاحة للمشاركة الديمقراطية داخل المجتمع، وهو ضيق يغري بالعمل خارج القنوات الشرعية وثانيها : غياب العدل الاجتماعي على نحو تتسع في ظله الهوة بين الأغنياء الأقوياء بسلطان الثروة، والفقراء الضعفاء بذل الحاجة والعجز عن تحقيق القدر الأدني من التطلعات المشروعة والثالث : غياب سلطان القانون والتخلي عن القدر الأدني من احترام الحقوق الأساسية للأفراد خصوصا عند توجيه الإتهام وأنزال العقاب، وما يصاحب ذلك في أحيان كثيرة من ممارسات للقهر والتعذيب، يخلق رغبة جامحة للتمرد على المجتمع كله والخروج على القانون، وتفتح للشر الذي لا آخر له أبوابا يضيق عنها خيال القائمين بهذه الممارسات، كما أنها ـ شئنا أم أبينا ـ تصيب روح الولاء والإنتماء عند كثير من الشباب في مقتل،فإذا ذكرنا أن هذه الأسباب هي المسئولة في النهاية عن نمو « فقة العزلة» و« فقة العمل السري» خارج الإطار الشرعي، أدركنا أن للقضية جانبها الثقافي والفكري الأساسي، وأن منح السلطات الأمنية وحدها مسئولية القضاء على الإرهاب ظلم لأجهزة الأمن وتفويت للفرص الحقيقية لمقاومة الإرهاب وجذورة التي يكمن بعضها في الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية. الحملة ضد الاسلام ومن مفارقات التاريخ وغرائبه أن يرتبط الإسلام في الاذهان بالعنف والإرهاب، وأن يختزل الإسلام العظيم الذي جاء به الأنبياء والمرسلون رحمة للناس وأمنا ليتحول إلى مشكلة أمنية أن الإسلام ليس في حرب مع كل ثقافة معاصرة، والمسلمون شركاء لسائر الناس والشعوب في مواجهة أخطار مشتركة جديدة، وفي السعي لإنشاء نظام جديد للعلاقات الإنسانية يقوم على التعاون والتكامل وتبادل العطاء والخبرات بدلا من نظام قديم يقوم على الأنانية والهيمنة والظلم واستبعاد الأخرين. لقد كشفت هذه الحملة المعادية للإسلام والعرب عن موقف ثقافي وسياسي بالغ الخطورة يهدد بوقوع تصدع هائل في علاقة المسلمين بالغرب المسيحي في أوروبا والولايات المتحدة وهو تصدع لايمكن تصور أثاره المدمرة على مستقبل الإنسانية أن من حقنا أن نشعر بالقلق من إنتشار تلك المفاهيم الهستيرية التي تقوم على الجهالة وعلى نظر البعض للآخر على أنه السيئ والشرير والأدني والمتخلف، الذي يستحق أن تلصق به كل التهم والنوازع الآثمة. معايير مزدوجة أما عن الحرب الأمريكية الحالية ضد الإرهاب، فيلاحظ أنه قد رسم لها مفهوما سرياليا، فالحرب معلنة على عدو غير مرئي، بلا عنوان واحد، ولا حدود، أو علم، أو نشيد قومي، ولا تجمع أفراده جنسية واحدة أو تقاليد وعادات مشتركة. كان هذا المفهوم وليد لحظة الغضب القومي الذي تفجر في نفوس الأمريكيين إثر الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن وبينما كان المزاج الأمريكي ينتقل من الغضب إلى مرحلة التفكير فيما يجب أن يفعلوه، بدأت فكرة الحرب التجريدية تتحول إلى خيارات عسكرية، لم تصل بعد إلى مفهوم الاستراتيجية الكاملة. أن اكتمال بناء الاستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة، يتوقف على مضمون العلاقة مع دول العالم - بعيدا عن التصنيف القديم للأعداء والأصدقاء - على أساس أن الحرب التي أعلنتها ضد الإرهاب هي حرب طويلة الأجل، وليست مجرد معركة عسكرية، أي أن الولايات المتحدة ستجد نفسها في حاجة لاستراتيجية جديدة تضمن لها استمرارية مساندة دول عديدة لها، حتى تستكمل الهدف الذي أعلنته لحربها ضد الإرهاب الذي غدا ظاهرة عالمية، وعدو جديد تفرض الحرب عليه تغيرات حاسمة وأساسية وعاجلة في السياسة الخارجية الأمريكية، تتطلب منها النظرة الموضوعية والعادلة في التناول، والتخلي عن المعايير المزدوجة في التعامل مع قضايا العالم. ومن ناحية أخرى كان هناك العديد من التناقضات والمفارقات التي تحيط بظاهرة الإرهاب أبرزها أن الإرهاب نادرا ما يفلح في تحقيق أهدافه السياسية الموضوعية، بل أنه يؤدي في الأغلب إلى تحقيق نتائج معاكسة تماما للأهداف التي يسعي إليها القائمون بالإرهاب، وأبسط النتائج التي يحدثها الإرهاب يتمثل في استثارة الحوافز لدي المستهدفين بالإرهاب من أجل مقاومة الإرهابيين والتصدي لهم بصورة حاسمة وإفشال مخططاتهم، ومع ذلك فإن هذه الحقيقة لم تفلح قط في وقف وإنهاء العمليات الإرهابية أو إقناع الإرهابيين بعدم جدوي عملياتهم، وهو ما يعود في الواقع إلى أن الإرهاب ربما يكون محاولة يائسة لمواجهة أوضاع داخلية أو خارجية مرفوضة من جانب الجماعات الإرهابية، وتكون قوة الرفض لهذه الأوضاع أعلى بكثير من أي حسابات عقلانية من جانب الإرهابيين، مما يجعل العمل الإرهابي هدفا في حد ذاته في بعض الأحيان، حتى إذا لم يفلح في تحقيق أي هدف سياسي آخر. وفي هذا الإطار شكلت تفجيرات واشنطن ونيويورك نقطة نوعية جديدة في ظاهرة الإرهاب حيث أخترقت هذه العملية معقل القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأسقطت عددا ضخما من الضحايا الأبرياء، وسببت دمارا هائلا وبالغ الخطورة، ولذلك فإن التأثيرات الضخمة لهذه العملية دفعت الإدارة الأمريكية إلى اعتبارها عملا من أعمال الحرب وليست عملا إرهابيا بسيطا، وتؤكد هذه العملية أن الإرهاب يمكن أن يكون أكثر خطورة من الحروب التقليدية، كما أنه ربما يكون بمثابة سلاح الضعفاء لمهاجمة خصم قوي ومتفوق اعتمادا على عناصر المفاجأة والدقة وحسن التخطيط، وأبرزت العملية أن أي دولة لا تستطيع أن تمتلك مناعة كاملة في مواجهة الإرهاب بما في ذلك الدولة العظمى الوحيدة في العالم بكل قدراتها الهائلة في مجالات المعلومات والتجسس ومكافحة الإرهاب. وبالتالي فإن الإرهاب يعتبر ظاهرة معقدة وملازمة للحياة الإنسانية وربما يكون من المبالغ فيه الحديث عن إمكانية القضاء على الإرهاب بصورة كاملة على الساحة الدولية، كما أنه ليس من الممكن أن تمتلك أي دولة مهما كانت قدراتها حصانة كاملة ضد الإرهاب، إلا أن المتصور أن فرض ظهور وترعرع الإرهاب تقل كثيرا في حالة شيوع درجة عالية من العدالة داخل المجتمعات، وعلى إمتداد الساحة الدولية، وحيث تقل دوافع الإرهاب كثيرا في هذه الحالة، كما أن الحكومات الوطنية والمجتمع الدولي يكونان أكثر قدرة بكثير في تلك الحالة على مكافحة الإرهاب وإجتثاثه، وهو ما يعني أن من الضروري معالجة الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية للإرهاب على مختلف المستويات من أجل احتوائه واستئصاله. كما أن الجهد الأمريكي لبناء تحالف دولي قوي، للقضاء على مرتكبي تلك الأعمال الإرهابية، وتعقب مصادر دخلهم السياسي والمالي، لا يغني أبدا عن الحاجة على المدي الطويل - وبعد أن يؤدي هذا التحالف مهمته - إلى بناء تعاون دولي شامل، واسع النطاق، يضم كافة بلاد العالم لمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة، والصيغة الكفيلة بتوفير هذا القبول على كافة المستويات الرسمية والشعبية، هي وضع هذا الحشد الدولي المعادي للإرهاب تحت مظلة الأمم المتحدة بصورة أو بأخري، أي بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي تحت رعاية المنظمة الدولية على مستوى القمة، لتجنب ظاهرة الإرهاب وإتخاذ سياسة تلتزم بها الدول كافة في التعامل مع الدول والمنظمات التي تمارس الإرهاب. وليس من المتصور أن تعارض أي دولة عضو في الأمم المتحدة مبدأ إتباع سياسة حازمة ضد الإرهاب، وإتخاذ إجراءات صارمة ضد من يمارسونه كما أن توصل المؤتمر الدولي إلى إتفاقية لمحاربة الإرهاب، تدين الدول والمنظمات التي ترتكب جرائم تدخل في باب الإرهاب، يسبغ على الإجراءات التي تتخذ لردع ومعاقبة المذنبين شرعية دولية واسعة وقبولا شاملا من المجتمع الدولي كله، فضلا عن أنه يضمن التحقق من الجهة التي إرتكبت هذه الجرائم قبل تنفيذ العقوبات الرادعة المتفق عليها من الجميع. بقلم : د. محمود مرتضى ـ كاتب مصري