لايزال من الصعب على الحكومات العربية والاسلامية التي اعلنت تأييدها للحملة الامريكية ضد الارهاب، ان توفق بين مفهومها للارهاب، وبين المفهوم الذي تطرحه الولايات المتحدة وتحاول تعميمه على دول العالم، ليغدو الاساس السياسي والقانوني الملزم لحكوماتها، ليس فقط في تقديم المساعدة والتعاون المعلوماتي واللوجستي للحملة الامريكية ولكن ايضا على حكومات هذه الدول ان تخوض هي بنفسها حروبا داخلية ضد من تحددهم الولايات المتحدة كارهابيين. ومنذ الوهلة الاولى لاعلان بدء الحملة ضد الارهاب بعد احداث 11 سبتمبر من العام الماضي في نيويورك وواشنطن، استطاعت الولايات المتحدة ان تحشر الحكومات العربية والاسلامية، والى حد كبير المجتمع الدولي بأسره في الزاوية الضيقة، وحصر دورها في تلقي الطلبات الامريكية واتخاذ التدابير الاجرائية لتنفيذها، وما لم تفعل ذلك، فإنها تضع نفسها تحت طائلة الاشتباه بدعم الارهابيين وايوائهم، وبالتالي تكون عرضة للعقوبات الامريكية، بما في ذلك خطر توجيه ضربات عسكرية لها، على غرار ما حدث مع افغانستان، التي حرصت الولايات المتحدة ان تقدم من خلالها نموذجاً لمصير اي بلد يرفض الاذعان للمطالب الامريكية. وللمرة الثانية بعد المدير الاسبق لوكالة الاستخبارات الامريكية فوستر دالاس، استخدم الرئيس الامريكي الحالي جورج دبليو بوش تعبير من ليس معنا فهو ضدنا، وخاطب دول العالم دون استثناء محدداً: ان من لم ينحاز الى صف الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب فإنه ينحاز الى الارهابيين ويكون قد اختار مصيره. وبهذا النوع من التعبيرات المقتضبة حسم الرئيس بوش الموقف، وقبل ذلك وبعده انتقلت الادارة الامريكية مباشرة الى مسرح العمل العسكري في افغانستان، والى العمل في المسرح السياسي من خلال مجلس الامن الدولي، الذي اقر حزمة من الاجراءات المتعلقة بوقف تمويل الاعمال الارهابية ومحاربتها، كما نص عليها قرار المجلس رقم 1373 الذي صدر تحت عنوان «مكافحة الارهاب» وبعد ذلك اصدر المجلس «المعايير التطبيقية» للقرار، التي حددها في 13 بنداً وضعت على صورة استفسارات مركبة، على الحكومات المختلفة الاجابة عليها، كما شكل المجلس «لجنة خاصة» برئاسة البريطاني جيرمي جرينستوك لمتابعة تجاوب الدول مع القرار والذي وضع تحت «البند السابع» من ميثاق الامم المتحدة الذي يتيح استعمال القوة العسكرية ضد الدول «الممتنعة». لم تتح الولايات المتحدة اية فرصة للمنافسة واغلقت الابواب في وجه دعاة التفاوض حول تعريف الارهاب، وسارت قدماً نحو تنفيذ الاهداف التي حددتها للحملة ضد الارهاب، غير عابئة بما صدر من ملاحظات عن عدد من الدول الكبرى «روسيا، فرنسا، الصين» حول ضرورة الاتفاق على اهداف الحملة، والمسئوليات المشتركة بشأنها واهمية ان تتم تحت راية الامم المتحدة، واستناداً الى قرارات الشرعية الدولية، وعندما اورد الرئيس الفرنسي شيراك عددا من التحفظات على ما كانت الولايات المتحدة قد بدأت بتنفيذه في افغانستان، رد الرئيس بوش عليه بحزم مخيرا فرنسا بين الانضمام لحملة الولايات المتحدة او ان تلوذ بالصمت، وتتوقف عن التهرب من خلال ايراد اعذار واهية لا معنى لها. لقد كان قبول الدول صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الامن بالقرار 1373 دليلاً على حالة الهلع التي سادت العالم، جراء هياج امريكا وغضبها، وكانت روسيا اكثر الدول احساساً بالخطر الى درجة ان الكرملين لم يستبعد قيام المسئولين في واشنطن باعمال جنونية مدمرة، عواقبها وخيمة على العالم كله، ولاتقاء هذا النوع من الاعمال ابلغت وزارة الدفاع الروسية، المسئولين في البنتاجون انها خفضت الجاهزية القتالية للقوات المسلحة الروسية الى درجة الصفر، بما في ذلك الصواريخ النووية المعدة للردع الاستراتيجي. وبطبيعة الحال، لم يكن من المتوقع ان تبدو الدول العربية والاسلامية بحال افضل، ولم توات الشجاعة واحدة منها لرفض التعريف الامريكي للارهاب والاعتذار صراحة عن الالتزام بالقائمة الامريكية المحددة للقوى الارهابية فما تواطأ عليه الاقوياء لا يستطيع الضعفاء رفضه.. لكن الملفت للنظر ان عدداً من الدول العربية والاسلامية التي صدرت بحقها اشارات واضحة او مبطنة من قبل المسئولين الامريكيين، تشير الى تورطها في توفير ملاذات للعناصر الارهابية، مثل باكستان والسودان واليمن لم تذعن لتنفيذ ما طلبته امريكا فحسب بل ركضت ركضاً الى خوض معارك عسكرية وسياسية داخلية، في محاولة لنفي التهم الموجهة اليها، ولكي تثبت انها احرص من الولايات المتحدة نفسها على محاربة الارهاب، فباكستان عللت لنفسها هذا الاذعان بحجة حماية قنبلتها النووية التي غدت هدفا بعد ان كانت وسيلة والحكومة السودانية، استطاعت في زمن قصير ان تمنح الولايات المتحدة كل مخزونها من المعلومات التي تجمعت لديها في الفترة السابقة اثناء ما كانت تدعيه من حمل لواء المشروع الاسلامي العالمي، وتؤكد بين الفينة والاخرى، لسبب او بدون سبب استعدادها لتنفيذ اي دور يطلب منها، ومثل السودان، وربما اكثر فعلت الحكومة اليمنية، التي افرغت خزائن معلوماتها عن الجماعات الارهابية، وجردت الحملات العسكرية لملاحقة الارهابيين المختبئين في عدد من المحافظات، وسقط جراء ذلك عشرات القتلى من الجنود ومن المواطنين الابرياء، في حين لم يقتل ارهابي واحد او يتم القبض عليه. يمكن القول الآن ان حروباً داخلية قد بدأت فعلاً في عدد من الدول العربية والاسلامية ضد الجماعات الارهابية نيابة عن امريكا وبتشجيع وضغط منها، ولم تحتفظ هذه الدول بحقها في التفاوض حول ما عليها قبوله من المطالب الامريكية، وما لا تستطيع قبوله منها لاسباب تتعلق بدساتيرها وقوانينها، وخصوصية اوضاعها الوطنية والتزاماتها القومية والاقليمية وعندما حاول الرئيس اليمني علي عبدالله صالح اثناء زيارته لواشنطن نهاية شهر نوفمبر الماضي ان يشرح صعوبة تنفيذ بعض المطالب الامريكية، لاسباب تتعلق بالدستور والقوانين في اليمن، اجابه المسئولون الامريكيون ان هذا الامر لا يعنيهم، وما يعنيهم هو ان تنفذ الحكومة اليمنية ما يطلب منها، ولهذا اخذوا وعداً بتنفيذ محتوى الاتفاقيات الامنية المطروحة، دون الحاجة للتوقيع عليها. ان الزمن يمضي وما كان يبدو في البداية مجاراة للغضب الامريكي برغبة التخفيف من حدته والعمل لاحتوائه، يتحول شيئا فشيئا الى سياسات مطبقة على الارض، والى حد ما بدأت تتراجع المطالب الدولية حول ضرورة الاتفاق على تعريف الارهاب، وتحديد معايير مشتركة ومقنعة للتمييز بين الاعمال الارهابية وبين الاعمال التي تدخل في اطار ممارسة حق المقاومة، وغدت الولايات المتحدة تتصرف على اساس ان ليس مهماً ان تقتنع الدول بتنفيذ ما يطلب منها، وانما عليها ان تنفذ فحسب وفقاً للمفهوم الامريكي للارهاب، ووفقا للخطوات المرسومة في واشنطن لمجرى الحملة الدولية لمحاربة الارهاب، فبعد قرار مجلس الامن الدولي رقم 1373 تحت عنوان مكافحة الارهاب وضعت معايير جديدة لما هو ملزم للدول، تقوم على تجاوز القوانين الوطنية للدول الاعضاء في المنظمة الدولية، وكذا عدم مراعاة الاصول المتبعة فيها عند اقرار السياسات والتشريعات التي تتطلب موافقة البرلمانات الوطنية عليها، وخاصة على المعاهدات والبروتوكلات، التي توقعها الدول مع بعضها البعض. وتتوقع الدوائر السياسية في كافة البلدان التي وضعها القرار على المحك، ان توجه ارباكات سياسية واقتصادية ضخمة، حيث وصف نائب الرئيس السوري السيد عبدالحليم خدام القرار، بأنه قانون طواريء دولي، يذهب عمليا الى الحد من سيادة الدول، ويجعلها تحت وصاية مجلس الامن، وربما تحت وصاية بعض اعضائه، مما يفتح الابواب امام حروب متعددة، وهذا الوضع لا يغير طبيعة النظام الدولي القائم فحسب، بل يدخل العالم الى نفق خطير من الازمات والتوترات وسيادة حالة من الهيمنة الدولية، هي اقرب في مضمونها الى الحقبة الاستعمارية، ولكن بمقاييس اكثر حدة وضراوة. ان العالم في الوقت الراهن، مهيأ اكثر من أي وقت مضى للدخول في صراع شامل وحاسم ضد الارهاب، والى حد كبير تراكمت القناعات لدى الدول بضرورة خوض هذه المعركة على نحو مدروس ومنسق وبتضافر كافة الجهود على النطاق العالمي وتستطيع العديد من الدول العربية والاسلامية ان تجزم بأن ما تراكم لديها من خبرات وتصورات حول كيفية خوض هذه المعركة، وتوجيهها نحو المكامن الحقيقية التي ينطلق منها الارهاب، تكفي اذا ما وضعت في اطار خطة دولية ومفهوم عالمي موحد، ان تضمن للمعركة درجات قصوى من الفعالية بما يمكنها من تحقيق اهدافها خلال زمن قصير، وبأقل التكاليف، غير ان ما تفعله الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر الماضي، يحول بين دول العالم قاطبة وبين ان تنجز مهمة القضاء على الارهاب باختلاف وتنوع اسبابه ودوافعه، وتعدد الذرائع والمسوغات الفكرية والدينية التي ينشط على اساسها الايمان بها. وهنا يغدو السؤال ملحاً حول حقيقة الموقف الامريكي القائم على عدم التجاوب مع الدعوات العالمية لوضع تعريف متفق عليه للارهاب وتحديد اشكاله ووضع مفهوم عالمي موحد لمجريات المعركة ضده، تشترك كافة اطراف المجتمع الدولي في تحمل مسئوليات تنفيذه. ان الزعم بخشية الولايات المتحدة من وجود تحريض عالمي محدد للارهاب، من ان ذلك قد يرغمها على اعادة النظر بسياساتها المساندة للكيان الصهيوني المدان باقتراف اعمال ارهابية واضحة، وفقا للمعايير المعتمدة من قبل غالبية دول العالم، لم يعد لوحده كافياً لتفسير حقيقة الموقف الامريكي الممانع عن وضع تعريف منصف للارهاب من ناحية والضاغط لتفجير حرب عالمية ضد الارهاب من ناحية ثانية، وهذا الاعتقاد يقودنا مباشرة الى التساؤل حول طبيعة النظام الامريكي القائم وما يصدر عنه من سياسات وما حدده لنفسه من اهداف ومصالح. لقد نجم عن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي مأساة انسانية فظيعة، غير ان هذه المأساة غدت افدح واشمل بالنظر الى انها هيأت لليمين الامريكي ـ الذي تسلم الحكم في الولايات المتحدة بحسم التنافس في الانتخابات الرئاسة الاخيرة لصالح جورج بوش الابن، المرشح عن الحزب الجمهوري فرصة استغلال هذه المأساة لتسويق سياساته القائمة على فرض اشكال فجة من الهيمنة على الاوضاع الدولية، التي سادها الاختلال ، وغاب عنها وجود المنافسين الاقوياء القادرين على فرض حالة من التوازن الضرورية لحفظ وجود ومصالح الاطراف الضعيفة أو الاقل قوة، وبالتالي تضاؤل الفرصة امام امكانية تعميم حالة معقولة من التوازن والتكافؤ في العلاقات الدولية، كما ان الادارة اليمينية الجديدة وجدت في هذه المأساة غطاءً ملائماً لتنفيذ سياسات العودة الى سباق التسلح، وفرض منطق القوة العسكرية المتفوقة للدولة الاعظم الوحيدة، بعد ان انفردت بالسيطرة على قمة العالم حيث نجد في استخدام وسائل القوة العسكرية في توسيع مصالحها وتأمينها وسيلة مناسبة للحد من المميزات السياسية والاقتصادية المتنامية للقوى والتكتلات الدولية الاخرى، علاوة على ما توفره هذه الوسيلة من فرص النشاط امام المجمع الصناعي العسكري الامريكي، المدعو لممارسة دور اقتصادي اكبر، في ظل بروز مؤشرات الركود لدى القطاعات الاقتصادية الاخرى في الولايات المتحدة. ولاشك ان المؤشرات الاقتصادية السلبية تجعل راسم السياسة في البيت الابيض اقل استعداداً لقبول التزامات جديدة امام المجتمع الدولي، ترفع نصيب الولايات المتحدة من حجم المساعدات الاقتصادية للبلدان الفقيرة، وحل مشكلات ديونها وتعثر التنمية فيها، في اطار مكافحة الفقر كواحد من الاسباب المولدة للارهاب، وهي التزامات ستكون طبيعية في حالة طرح موضوع الارهاب للبحث والدراسة وتحديد المفهوم والتعريف بمشاركة كافة الاطراف الدولية. ان اليمين الامريكي يبحث عن حلول قسرية للازمات الداخلية والخارجية على حد سواء، وبذلك يمهد الطريق لظهور موجة جديدة من العنف والارهاب تستخدم الذرائع والمبررات القديمة، وليس بعيداً ان تتوفر لها ذرائع ومبررات جديدة. بقلم: علي محمد الصراري ـ كاتب يمني