اعلنت الولايات المتحدة الحرب ضد الارهاب منذ عقدين على الاقل وتأكيداً لمتابعتها لهذه الحرب حرصت على اصدار قوائم سنوية تتضمن اسماء دول داعمة للارهاب وقوائم باسماء منظمات وشخصيات ارهابية مطلوبة للعدالة الامريكية، ورغم اعلانها عن هذه الحرب وما رصدته لها من امكانات وما بذلته من جهود مالية وعسكرية، وما نفذته من عمليات مضادة فقد كان حصادها قليلا جدا كما تأكد ذلك خلال الزلزال الجوي الذي دمر برجي مركز التجارة العالمية وجزءا من مبنى البنتاجون والذي كاد يعصف بأبنية مهمة اخرى. ان اسوأ انواع الحروب واكثرها قسوة وكلفة واقلها فائدة هي تلك التي يخوضها معلوم ضد مجهول، والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الآن ضد الارهاب هي الانموذج القمة لهذا النوع من الحرب فقد بدأت امريكا هذه الحرب قبل عقدين وتخوضها الآن بكل ما تملك من قوة لحسمها بسرعة، إلا ان الوقائع كلها تشير الى امكانية التوالد والانتشار اكثر في اجوائها فالانتشار العسكري الامريكي في مناطق اوسع يتيح فرصا افضل للخصم المجهول «الارهاب» لشن الحرب ضد القوات الامريكية وتكبيدها خسائرة كبيرة مقابل خسائره القليلة او الصغيرة. في السابق في زمن الاستعمار، جاء الرد على الاستعمار والقائمين به عبر الكفاح المسلح والنضال السياسي الذي خاضته حركات التحرر الوطني ضد المستعمر الى ان تم طرد الاستعمار والحصول على الاستقلال وبناء الدولة الوطنية المستقلة وبعد التخلص من الاستعمار وانتهاء دور الحركات الوطنية جاء دور الحركات الثورية في زمن الحرب الباردة والدعم السوفييتي والصيني للتخلص من الانظمة غير الثورية، واليوم حيث يسود عصر الهيمنة الامبريالية، وعلى رأسها الهيمنة الامريكية، وبعد ان انتهى دور حركات التحرر الوطني ودور الحركات الثورية. يأتي ما يوصف بالارهاب ليكون بمثابة الرد على هذه الهيمنة بوصفها هيمنة ساحقة، فهل هو حقا كذلك؟ هل هو ارهاب وهل هو الرد؟ ففي زمن كفاح حركات التحرر ضد الاستعمار حرص المستعمرون على وصف كفاح تلك الحركات ضد احتلالهم بأنه عصيان وتخريب وارهاب وبأنه رد على رسالة التمدين التي يحملونها الى الشعوب المتخلفة التي يستعمرون والاوصاف نفسها ايضا قيلت في وصف كفاح الحركات الثورية وفي الحالتين شن المستعمرون وحماة الانظمة غير الثورية حروبا بشعة وقاسية ضد الوطنيين والثوريين في مختلف انحاء العالم، لكن تلك الحروب لم تحل في النهاية دون انتصار الحركات الوطنية واستقلال بلدانها ودون انتصار العديد من الحركات الثورية وتسلمها السلطات في بلدانها، إلا ان ابرز النتائج المؤلمة لتلك الحروب كانت: 1 ـ الافقار المدقع والشامل لعشرات من الدول المتخلفة اصلا حيث زادت تخلفا على تخلف واصبح من شبه المستحيل نهضتها في عصر تطور عاصف تشهده دول الشمال. 2 ـ ان الدول المتقدمة «دول الهيمنة» كفت عن استراتيجية الاستعمار القديم المباشر واكتفت عبر استراتيجيات جديدة بالتحكم عن بعد بسياسات الدول المتخلفة وتكييفها بما يتلاءم مع استراتيجيات ومصالح الدول المهيمنة الكبرى، وقد ابدعت تلك الدول ما يمكن وصفه بنظام الهيمنة الدولي وفرضته على الدول والشعوب المتخلفة. وزادت في العقد الاخير من مركزية هذا النظام «امريكا» وشدة قبضته وسيطرته واستغلاله، بحيث لم يعد بامكان حتى الدول القليلة الرافضة لهذا النظام مقاومته ولا التعبير عن رفضها له لئلا تتهم بأنها دول مارقة او دول داعمة للارهاب ولئلا تفرض عليها اجراءات الحصار والمقاطعة من قبل قيادة نظام الهيمنة الدولي. تحتل الولايات المتحدة قمة نظام الهيمنة وتأتي دونها دول الغرب ثم دول الشرق المتقدمة ثم الدول المتخلفة الكبرى ودونها الدول المتخلفة الصغرى اما قاعدة النظام فهي الشعوب التي تعاني الامرين من ويلات كل طبقة من طبقات هذا النظام المترابط بقوة من ادنى سلطاته الى السلطة الاعلى فيه: الولايات المتحدة، وقد وجدت القوى الشعبية الرافضة لهذا النظام نفسها امام احد خيارين: 1 ـ المواجهة مع السلطات الدنيا في النظام «الانظمة» بوصفها الاداة المحلية الحاكمة باسمه. 2 ـ المواجهة مع القوة المحتلة لقمة النظام. يبدو ان هذه القوى الموسومة بالارهاب لجأت الى الخيار الثاني بعد ان اختبرت الخيار الاول وفشلت فيه. فالمواجهة مع السلطات الدنيا «الانظمة» شبه مستحيلة بسبب شدة قمع هذه السلطات وما يمكن ان تقود اليه من قتل لشعوبها وتدمير لما تبقى من امكاناتها، بينما المواجهة مع رأس النظام ستدفع بامريكا الى النزول من عليائها وخوض الحرب ضد اشباح كما في زمن الاستعمار المباشر او سيضطرها ذلك الى اعادة النظر في مناهج وآليات وادوات نظام الهيمنة بما يخفف من شدته وشدة ترابطه وبما يتيح فرصا افضل امام المناضلين ضد الظلم ومن اجل العدل. الحرب الدولية التي تعتزم الولايات المتحدة شنها ضد منظمات وخلايا الارهاب لا تشبه سوى الحرب الدولية المعلنة ضد السرطان، فكما ان خلايا السرطان ينتجها الجسم ذاته كذلك خلايا الارهاب ينتجها النظام الدولي ذاته ولن تنجح الحرب ضد هذا او ذاك حتى يتوقف الجسم والنظام عن انتاج هكذا خلايا، ولن يتوقف عن ذلك إلا متى احسنا تغذيته وبناءه ومداواته. لعل الاهم من الحرب على الارهاب والارهابيين هو اعلان الحرب على اسباب الارهاب، فالحرب المعلنة حاليا لن تقضي لا على الارهاب ولا على الارهابيين مهما حققت من نتائج باهرة في بعض المواقع طالما ان اسباب الارهاب ودوافعه لاتزال قائمة، فهذه الحرب قد توفر مزيداً من الاسباب والدوافع لانتاج انواع جديدة من الارهاب المستهدف للولايات المتحدة ومصالحها ومصالح الدول الداعمة لها خصوصا وان العديد من العواصم تسودها مخاوف من ارهاب كيماوي وبيولوجي وحتى نووي. واذا ما اعلن الرئيس الامريكي الحرب على اسباب الارهاب لاجتثاثها فإن العالم كله، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا سيكون معه قلبا وقالبا بكل ما اوتي من قوة وشجاعة وامكانية راهنة ومستقبلية فالعالم بقدر ما ينشد التخلص من الارهابيين فإنه ينشد اكثر التخلص من اسباب الارهاب ويتمنى ان لا تنشأ اسباب جديدة تستدعي انواعا جديدة منه، وفي انتظار ذلك تبدو الحاجة ماسة لعقد مؤتمر دولي في اطار الامم المتحدة او عقد دورة خاصة لجمعيتها العمومية للوصول الى تعريف موحد للارهاب ولتحديد اسبابه ودوافعه وللاتفاق على سبل وطرائق معالجة هذه الاسباب ووضع الخطط والبرامج اللازمة. يبدو الحرمان السياسي والاقتصادي كسبب رئيسي أول للارهاب، اما السبب الرئيسي الثاني فيكمن في الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى وفي التسلط الجائز والشامل الذي تمارسه عشرات من الانظمة ضد مواطنيها. اما الهدف الرئيسي المعلن لكل المنظمات والحركات الموصوفة بالارهاب فهو العدل الشامل، والمساواة الشاملة، سواء كان ضمن دول محددة او ضمن اسرة المجتمع الدولي كله، وما لم تعالج اسباب الارهاب وما لم تشن حرب دولية شاملة لاجتثاث هذه الاسباب والتخلص منها فإن المجتمع الدولي مهدد بالفعل بارهاب اشمل واقسى من كل ما عرف حتى الآن من اعمال عنف تم تصنيفها كأعمال ارهابية، فالارهاب بات ظاهرة دولية، لا يهدد الولايات المتحدة والدول الغربية فقط بل يهدد الجميع، دول الشرق والغرب ودول الشمال والجنوب، ومقاومته والقضاء عليه لا يمكن ان تقوم به دولة او مجموعة من الدول مهما بلغت قوتها بل تتطلب اتفاقا وتحالفا من جميع الدول يكون المبتدأ فيه اسبابه كي يصبح بالامكان التخلص من خبره ونتائجه. يقول نعوم تشومسكي ان مقاومة الارهاب تفرض تخفيض مستوى العنف لا زيادته والسبيل الى خفض مستوى الرعب والعنف يكون بعدم الاسهام في توليده ومن ثم التفكير بالتوجهات السياسية التي خلفت الارضية المناسبة لدعم مرتكبيه احيانا. ان اعلان الحرب على الارهابيين كما هو حاصل الآن قد لا تكون إلا بمثابة رد على الارهاب بارهاب اقوى، او هي بمثابة ارهاب الاقوياء في مواجهة ارهاب الضعفاء، واذا ما اتسعت هذه الحرب وشملت مزيداً من الدول والقوى والمنظمات الضعيفة اصلاً فإن ارهاب الضعفاء مرشح ليزداد قوة وشمولا هو الآخر، الامر الذي يعني ان المجتمع الدولي مرشح لخوض فترة عصيبة من حروب الارهاب والارهاب المضاد قد تكون مماثلة في طولها لطول فترة الحرب الباردة. لقد انتصرت واشنطن والغرب في الحرب الباردة التي استغرقت نحو اربعة عقود دفعت خلالها امريكا والمجتمع الدولي كله اثمانا باهظة، فهل تنتظر امريكا نصراً كارثياً آخر في الحرب ضد الارهاب ام تبادر ومعها كل اطراف المجتمع الدولي الى حرب عادلة عنوانها الحرب على اسباب الارهاب. بقلم: عمر كيلاني ـ كاتب سوري