خلال تكريمه في مكتبة الاسكندرية، بحضور لفيف من المفكرين والكتاب العرب، القى المفكر العربي الدكتور هشام شرابي كلمة عن «أزمة الخطاب العلماني»، أكد فيها ان كافة مجتمعات واقطار الوطن العربي تعيش حالياً أزمة تتصاعد وترقد وتشتد وتخفت، لكن صفتها الأهم ديمومتها. وأضاف انه في «حالة الركود نعيش الأزمة حياة عادية.. كل بمفرده في غفلة عن حياته.. ركضاً وراء العيش أو الثراء أو المركز الاجتماعي.. فقط عند احتدام الأزمة وتحولها إلى حالة غير عادية تصبح الأزمة اختياراً جماعياً يجمعنا لمجابهة وضع راهن يتوجب اصلاحه، في هذا المنظور تظهر الأزمات الاجتماعية بكونها أسلوب التاريخ في تغيير الواقع». هذه هي بداية تصور هشام شرابي عن أزمة المجتمع العربي في لحظتها الراهنة وفي جذورها التاريخية، ويكاد يكون فكر شرابي كله منصبا في تحليل ازمة المجتمع العربي في تداعياتها المختلفة والبحث عن حلول لهذه الازمة، فشرابي وهو فلسطيني الأصل يعيش في الولايات المتحدة ويعمل استاذا لتاريخ الفكر الحديث في جامعة جورج تاون في واشنطن أصدر العديد من المؤلفات التي اثرت الساحة الفكرية العربية ابرزها.. (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، وهو كتاب يركز في أشكال البنية القرابية والقبلية التي تحكم مسيرة المجتمع العربي حتى الآن. ومن كتبه المهمة: (الوعي والتغيير) و(الإنسان العربي والتحدي الحضاري)، و(التربية والتثقيف الاجتماعي)، و(النظام الابوي واشكالية تخلف المجتمع العربي). أما كتابه (المثقفون العرب والغرب) فانه يتناول بالتحليل العلاقة الاشكالية بين النخبة العربية والحضارة الغربية خلال الفترة من 1875 إلى 1914، وبشكل عام يرى شرابي ان العلاقة بين المثقفين العرب والغرب لا تزال علاقة ملتبسة قائمة على الشد والجذب، ويرى انه عندما نتفهم هذا الغرب، ونتعرف عليه بالتجربة والمعاناة المباشرتين، كما تفهمه وتعرف عليه الكثير من المثقفين العرب في هذا الجيل، يصبح بامكاننا فك الارتباط به والاستقلال عنه دون عزله أو الغائه، وفي نهاية المطاف ـ كما يقول شرابي ـ لا مهرب لنا من الغرب الا بمواجهته والتصدي له خاصة واننا مازلنا الطرف المهمش في نظامه الجديد الا اننا قادرون على النضال ضده والثبات في وجهه الى ان نتحرر من تبعيتنا له والى ان نقيم نظامنا العربي الحر المستقل. قدم شرابي في ندوة مكتبة الاسكندرية الكاتب والشاعر مهدي بندق الذي قال ان فكر شرابي يتمحور حول مقولته الاساسية، اعني تصديه الشجاع لأكبر العوائق التاريخية الموروثة الا وهو النمط الأبوي البطريركي، ذلك النمط الجالب الينا في جلبابه القديم، لا حلوى الأب الحاني، بل عصيه الغليظة، هيمنته لا رحمته، عبوسه لا حنانه، استبداده لا حواره. والنموذج الأبوي هذا لا يضرب الأولاد في الاسرة فحسب، بل هو قادر على ان يطبع البنية الاجتماعية جميعا بطابعه، مقدما قيم استعلاء الذكر على الانثى، والغني على الفقير والجماعة على الفرد والكتاب على القارئ، فتكون النتيجة تخريج أجيال وراء اجيال تقبل التراتبية، وتعيش بالسلبية وتوافق على التهميش، تستبعد الابداع وتؤمن بالاتباع، تخشى المغامرة وتركن الى كهف المألوف السائد فتكون النتيجة الاخيرة التخلف عن موكب الزمن، التخلف عن روح العصر المتتالية، التخلف الاجتماعي، التخلف الاقتصادي، التخلف السياسي، وماجماع هذا التخلف في كلمته الاخيرة الا الوقوع تحت سيطرة القوى الخارجية الطامعة، وماأكثرها وماأشرسها! ويضيف مهدي بندق مسلطا الضوء على فكر هشام شرابي: كيف السبيل الى كسر هذا التسلسل وذلك الدور العقيم؟ يقول شرابي: بتغير اللغة، فاللغة ليست مجرد وسيلة اتصال سوسيولوجي، بل هي ايضا جهاز لخلق الافكار وتجديد الحياة وهذا ممكن ـ رغم صعوبته ـ باصرار المثقفين على غرس المصطلح العلمي في التربة المحلية، ممكن كذلك الارتكاز على أرض الواقع المعاش لا التحليق في فضاء الفكر المجرد، ممكن أيضا حين ينفض المثقف عن كاهله غبار الماضوية من ناحية ومن أخرى حين يتوقف عن استيراد المذاهب والنظريات سابقة التجهيز من خارج بيئته، بكلمة واحدة حين يتمكن من ابداع نظريته الاصيلة. وهذا لا يتأتى بالطبع الا بعد ان يكون قد هضم تماما كل النظريات في مجال تخصصه وتمكن من نقدها النقد العلمي المؤسس على قاعدة التنوع.. وهكذا يسقط هشام شرابي في مجمل اعماله المركزية الحداثة: ميشيل فوكو ورولان بارت وجاك دريدا وليفي شتراوس، وشرابي اذ يفعل ذلك فانه يفتح الباب واسعا امام حضارتنا الاسلامية ان تتقدم الى المستقبل بمرجعية المستقبل. أما شرابي فقد استمر في كلمته راصدا أزمة المجتمعات العربية منطلقا من تحليل البنية القبلية الذكورية التي تهيمن على المجتمع العربي وتعوق تقدمه. يقول شرابي: تنعكس الأزمة عند احتدامها في وعي الطبقة المثقفة والمسيسة وتعبر عن نفسها على مستويين: على مستوى خطاب تحليلي نقدي وعلى مستوى حركات اجتماعية جديدة، لا يمكن تجاوز هذه الأزمة وتحقيق التغيير الحقيقي الذي يتيحه التاريخ داخل المجتمع الا بالتقاء المستويين فمجرد النقد النظري وماندعوه بالحركات الاجتماعية: الاتحاد والجمعيات والنقابات والاحزاب وقوى المجتمع المدني كافة، عاجز كل بمفرده عن تفعيل عملية التغيير في بنية الواقع. فقط عندما يتجسد خطاب النقد الحضاري بنشاطات الحركات الاجتماعية وفي أهدافها وممارساتها يصبح تجاوز الازمة واعادة بناء الصرح الاجتماعي مشروعا سياسيا فعليا. ويضيف شرابي قائلا: حتى زمن قريب شكلت الازمات الحادة مفجر التغيير الثوري، أما اليوم فهي مفجر لا ثوري لامكانية تحقيق ترتيبات اجتماعية جديدة يتبلور مضمونها في الخطاب النقدي العلماني داخل العالم العربي وفي المهاجر العربية ويتركز حول ثلاثة محاور رئيسية: الحداثة والديمقراطية والمرأة التي تلخص عملية التغيير الحضاري اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. أريد هنا التوقف لحظة عند دور المرأة الاستراتيجي في علمية التغيير. ان المرأة العربية في المجتمع الابوي تمثل بغض النظر عن طبقتها الاجتماعية حالة القمع والاستغلال والحرمان التي يعانيها المجتمع ككل. لذا اذا كان لهذا المجتمع أن يتحرر بالفعل لابد من وضع تحرير المرأة على رأس أولويات عملية التغيير سياسيا وتنظيميا في برامج ونشاطات الحركات الاجتماعية كافة. اني بالتشديد على صفة العلمانية في خطابنا النقدي لا أرمي الى تعميق فجوة الاختلاف بين التيار العلماني والتيار الديني، بل الى الاصرار على عدم تجاهلها. ان التغاضي عن التناقضات بين الخطابين ومحاولة التسوية السطحية بين مواقفهما الفكرية والسياسية لا يفيد، بل يزيد من البلبلة، والتضارب. العلاقة بينهما يجب ان تقوم على الصراحة والاحترام المتبادل اذا كان للطرفين ان يتعاونا في عملية التحرر والتغيير في هذه المرحلة، مرحلة الصراع ضد الاستعمار الغربي والهيمنة الاستراتيجية والنظام الأبوي والتكاتف الميداني والعلمي بين التيارين لا التسوية النظرية والايديولوجية يشكل مطلبا مركزيا ملحا في عملية التحرير. وبالمنطق ذاته، فإن التركيز على المجتمع المدني ودور الحركات الاجتماعية لا يعني تقليص دور الدولة القطرية أو منافستها في سلطتها وصلاحياتها، بل التأكيد على حق المواطن في المشاركة بعملية التغيير الاجتماعي، ليس أنجع لتحقيق نجاح عملية التغيير اللاثوري من اطلاق قوى المجتمع المدني المتمثلة بحركاته الاجتماعية الجديدة، هنا أيضا الصراحة والاحترام المتبادل بين النظام والحركات الاجتماعية يشكلان شرطا ضروريا للتعاون في الحيز الوطني العام في نظام العولمة التي تحاول الولايات المتحدة الهيمنة عليه. ان عجزنا عن ايجاد صيغ التعاون والعمل الجماعي لتحقيق الحداثة والديمقراطية وتحرير المرأة فستتحكم بنا ارادات خارجية، تفرض علينا ترتيبات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تمثل مصالحنا ولا تنسجم مع واقعنا ولا تعكس ارادتنا. وينتقد شرابي ضعف الخطاب العلماني بخصوص تحرير المرأة قائلا (ربما الضعف الأكبر في خطابنا العلماني يكمن في تناولنا اشكالية الحداثة ويمكن القول اننا لم نحرز الكثير من التقدم على موقف مفكري النهضة حيال موضوع الحداثة منذ اوائل القرن الماضي. كيف نفسر موقف التذبذب والتردد الذي مازال يسود الخطاب العلماني حول هذا الموضوع، بل كيف نبرر التراجع عن بعض الأهداف المركزية التي رفعها رجال النهضة لتحديث المجتمع واصلاح مؤسساته؟ كيف نفسر صمتنا حيال المواقف الرجعية التي ترفض الحداثة والديمقراطية وتحرير المرأة. لكن ربما يكمن النقص الاخطر في الخطاب النقدي العلماني في موضوع آخر: موضوع تحرير المرأة، بعضكم يذكر المؤتمر الذي عقد في القاهرة منذ سنتين للاحتفاء بمرور مئة سنة على صدور كتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين والذي اظهر لنا بوضوح محدودية تقدمنا على موقف قاسم أمين، بعد مرور قرن من الزمن مازلنا نعالج قضية تحرير المرأة من زاوية ترفض ذكورية الاعتراف الحقيقي بمساواة المرأة وتقوم على التهرب والتمويه وانعدام الجدية، هناك حتى بين الفئات التقدمية من يقول بأن وضع المرأة العربية ليس بهذا السوء، وان هناك نصوصا وشرائع في تراثنا وتقاليدنا تمنح المرأة حقوقا وحماية لا تتمتع بها المرأة في المجتمعات المتقدمة، وهذا الموقف يتجاهل واقعنا المخزي ويعزز استمراره. وبالطبع فالمرأة العربية بذكائها وقدرتها الفائقة على التعامل مع الواقع من خلال تفهمها للعقلية الرجالية الابوية ومواطن ضعفها، تمكنت من المحافظة على كيانها والالتفاف حول أساليب الكبت والقمع الأبوي وتحقيق بعض الحريات فاستطاعت التوصل في بعض الحالات الى مراكز تكافؤ مع الرجل في العائلة والمجتمع، لكن تحرير المرأة ليس مشروعا فئويا ولا يثمر على صعيد الأفراد مادام النظام الأبوي قائما، فالمرأة تبقى محرومة من حقوقها الاساسية حتى لو نالت درجة الدكتوراة أو أصبحت وزيرة ثقافة فتحرير المرأة لا يتحقق الا بتغيير النظام الأبوي وقيمه السائدة في المجتمع وبالادراك أن العنصر الأنثوي يشكل في كل مجتمع وكل ثقافة كيانا انسانيا مستقلا يلعب دورا محوريا في عملية انتاج المجتمع واعادة انتاجه. القاهرة ـ فتحي عامر: