أدخلت هجمات 11 سبتمبر العلاقات اليمنية ـ الأمريكية في منعطف جديد، إذ تصاعدت التكهنات حول احتمالات توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لليمن في سياق حملة مكافحة الارهاب. واستندت هذه التوقعات الى وجود جيوب للمتطرفين في أماكن قصية داخل الأراضي اليمنية استعصت على حكومة الرئيس علي عبدالله صالح مهمة تصفيتها بالاضافة إلى انتماء شريحة واسعة من اليمنيين الى تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن الذي ينحدر من أصول يمنية. غير ان العديد من المراقبين يستبعد احتمال توجيه مثل هذه الضربة من منطلق فهم أكثر عمقاً للعلاقات الأمريكية ـ اليمنية وهي علاقات تتسم بالود في مجملها وان اعترتها منعطفات حادة، فاليمن بموقعه الجغرافي ظل يمثل نقطة حيوية على الخارطة الاستراتيجية الأمريكية، لكن طرفي المعادلة المتمثلة في التكهنات واستبعادها لايزالان يطرحان سؤالاً ملحاً حول ضربة عسكرية أمريكية لليمن دون اجابة حاسمة للسؤال. بيد أن الإجابة عن هذا التساؤل المطروح بكثافة لا يعد أمراً سهلاً، إذ تتطلب الإجابة النظر في ثلاثة سياقات أساسية أولها: العلاقات اليمنية ـ الأمريكية، وثانيها: الخبرة اليمنية مع الإرهاب، وثالثها: الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية مؤخراً لتصفية قواعد الإرهاب في اليمن. وفيما يلي عرض لهذه السياقات الثلاثة. ـ أولاً: العلاقات اليمنية ـ الأمريكية تعتبر العلاقات اليمنية ـ الأمريكية من أكثر العلاقات إثارة للجدل كونها شهدت فترات من المد والجزر. وعلى الرغم من أهمية اليمن الاستراتيجية إلا أن هذا لم يمنع أن تشهد العلاقات بين الدولتين توتراً في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام1990، حيث يبني اليمن موقفاً ثابتاً من الحرب وترافق ذلك مع وجود اليمن كعضو في مجلس الأمن الدولي ممثلاً للمجموعة العربية، حيث أكد رفضه للعنف واستخدام القوة العسكرية ووقف موقف المتبني للتسوية السياسية للأزمة. ولعل هذا الموقف اليمني المناقض تماماً للموقف الأمريكي، كان هو السبب الرئيسي في توتر العلاقات بين الطرفين. وقد كانت النتيجة الطبيعية لهذا التوتر هي قطع المساعدات الأمريكية لليمن الأمر الذي كان له أثر سلبي ملموس على الاقتصاد اليمني، وهو الأمر الذي غذى بدوره أجواء التوتر بين الدولتين. ويرى المراقبون لمسيرة العلاقات اليمنية الأمريكية أن هذه العلاقات بدأت مرحلة جديدة في الفترة الممتدة من ديسمبر 1997 إلى مايو 1998 وذلك بعد أن اتخذ اليمن قراراً بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام بأن يشارك في مؤتمرات اللجان المتعددة عبر سفاراته في الدول التي تنعقد فيها. وتكللت خطوات التقارب الأمريكي اليمني بخروج اليمن على مواقف كبرى العواصم العربية المؤثرة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي وعملية السلام من خلال مشاركته في المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي انعقد في الدوحة 1997، وإعلان اليمن بأن مشاركته جاءت بناء على «رغبة أمريكية». ويرى المراقبون أنه وبرغم التحسن السابق الإشارة إليه إلا أن النقطة الفاصلة التي شكلت ذروة العلاقات الإيجابية بين البلدين جاءت مع زيارة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح للولايات المتحدة الأمريكية في أبريل 2000، وقد أدت تلك الزيارة ـ والتي تعتبر الأولى التي يقوم بها صالح للولايات المتحدة بعد الوحدة ـ إلى بداية شراكة فعلية بين البلدين نظراً إلى أنها فتحت مجالاً للتعاون بينهما على غير صعيد، يأتي على رأسها الصعيد العسكري، وكذلك الاقتصادي الذي توج بعلاقة مثمرة في مجال استغلال حقول النفط والغاز اليمنية. إلا أنه وبعد نحو ستة أشهر من هذه الزيارة، وقعت أحداث تفجير المدمرة الأمريكية «يو.اس اس.كول» قبالة ميناء عدن في أكتوبر 2000، وهو الأمر الذي أدى إلى تجميد الانفراج الذي ساد علاقة البلدين مع نهاية التسعينيات وأدى إلى تدهور واضح ملموس فيها. مستقبل العلاقات الثنائية الجدير بالذكر أن ثمة تكهنات كثيرة ثارت بشأن مستقبل العلاقات اليمنية الأمريكية في أعقاب تفجيرات 11سبتمبر في واشنطن ونيويورك، وفي هذا الإطار يشير المراقبون إلى أن الزيارة التي قام بها علي عبدالله صالح مؤخراً إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي تثبت شيئاً أكيداً وهو أن الشراكة الأمريكية ـ اليمنية مستمرة، وأن الهزات التي تعرضت لها العلاقات بين البلدين خاصة بعد تفجيرات المدمرة كول أمكن تجاوزها. كما تثبت أيضاً أن البلدين في طريقهما لإعادة النظر في علاقتيهما في اتجاه إيجابي أى في اتجاه تعميق علاقة الشراكة بين البلدين وتطويرها. ولعل ما يعزز هذا الاتجاه السابق، المؤشرات التالية: ما تردد بشأن قرار الولايات المتحدة الأمريكية بيع اليمن طائرات من طراز «اف 16» وأباتشي في إطار صفقة كبيرة تفاوض الجانبان عليها خلال زيارة الرئيس اليمني مؤخراً إلى واشنطن. ما تردد بشأن استئناف التحقيقات في قضية تفجير المدمرة كول، حيث عاد إلى صنعاء فريق أمريكي تابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف.بي.آي) ليتولى مهمة الترتيبات الأمنية والفنية لفريق أمريكي آخر مكلف بالتحقيق في الهجوم على المدمرة إلى جانب الأجهزة الأمنية اليمنية. وقد جاءت عودة المحققين بناء على تأكيدات من الحكومة اليمنية تلقتها واشنطن أخيراً بضمان أمن الفريق والعناصر المساندة له، بالإضافة إلى إبداء التعاون الكامل لإنجاز التحقيقات في أقرب وقت ممكن. وتجدر الإشارة إلى أن أي تحليل للعلاقات اليمنية ـ الأمريكية، يتطلب بالضرورة الإشارة إلى جانب التعاون الأمني، ويمكن في هذا الإطار التمييز بين عدة أطر للتعاون الأمني بين البلدين. الإطار الأول: والذي تم من خلاله تدريب المئات من رجال الشرطة اليمنية في مجال مكافحة الإرهاب، وقد بدأ هذا النمط من التعاون الأمني في أواخر العام 1997، واستمر في الأعوام الثلاثة التالية (1998 ـ 1999 ـ 2000). وقد اشتملت المساعدات الأمريكية لليمن في مجال مكافحة الإرهاب، على برامج ودورات تدريبية عقدت في كل من واشنطن وصنعاء. الإطار الثاني: وتم في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، إذ أبدى الجانب اليمني استعداداً جاداً للمساعدة في عمليات التقصي والتتبع والتي ذهبت الاحتمالات إلى إمكانية التوصل من خلالها إلى التعرف على الجهات المتورطة في الحادثين. كذلك لم تبد السلطات اليمنية تحفظاً على حضور خبراء محققين من الشرطة الفيدرالية الأمريكية لمتابعة وربما المشاركة في التحقيقات التي أجرتها السلطات اليمنية مع جماعة أبو الحسين المحضار زعيم ما يعرف ب«جيش عدن الإسلامي» عقب حادثة خطف السياح الأجانب في أواخر عام 1998 ومقتل أربعة منهم. الإطار الثالث: وتم في أعقاب تدمير المدمرة كول في أكتوبر 2000. حيث وصل إلى اليمن نحو 100فرد من فريق الدعم الخارجي من مكتب التحقيقات الفيدرالي. وقد تواكب مع وجود فريق التحقيق الأمريكي قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتعزير قواتها في اليمن بألفين من مشاة البحرية الأمريكية لتأمين الدفاع عن المحققين وحمايتهم وذلك في أسطول صغير يضم المروحيات (تاراوا) والسفينتين الحربيتين (دولوت) و(الكوريج). بيد أن هذا التعاون المكثف لم يخل من مشاكل فنية وقانونية منها حدود مشاركة الجهات الأمريكية في التحقيق مع المشتبه بهم، وطريقة التحقيق، والحد الذي يمكن معه استدعاء شخصيات يمنية ذات مستوى قيادي رفيع للتحقيق معها بواسطة الجهات الأمنية الأمريكية مباشرة أو عبر الجهات اليمنية وحدها. خلافات جديدة قديمة ويشير الخبراء إلى أن الخلاف يطال أيضًا مسألة مدى كفاية التحقيقات التي قامت بها الجهات اليمنية حيث يسود اتجاه يمني رسمي بأن التحقيقات كافية وأن الأمر يجب أن يحول إلى القضاء ليحسم المسألة ويغلق ملفها وهو ما لا توافق عليه الجهات الأمريكية والتي تطالب بمزيد من التحقيقات تطال أشخاصا آخرين بعضهم يمثل رموزًا سياسية وأمنية. الإطار الرابع : وهو الذي ظهر في أعقاب هجوم 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث طلبت الولايات المتحدة تعاونًا يمنيًا في التحقيقات على أن يكون هذا التعاون واضحًا وصريحًا. ووفقًا للمباحثات التي جرت في واشنطن أثناء زيارة صالح تم بحث توقيع اتفاق للتعاون الأمني لتجاوز الخلاف سواء بشأن حادث المدمرة كول أو غيرها من القضايا، ويشير المراقبون إلى أن الموقف اليمني وإن كان مرحبًا بمثل هذه الاتفاقية من حيث المبدأ، إلا أنه لم يصل بعد إلى حد القبول بكل المقترحات والمطالب الأمريكية، والتي يرى فيها الجانب اليمني تجاوزًا لبعض مظاهر السيادة وتجاوزًا لدور السلطات اليمنية ومن ثم فقد اتفق الطرفان على مزيد من الاتصالات لتنقيح بنود الاتفاق المزمع توقيعه. وكانت مصادر سياسية في صنعاء قد صرحت بأن الولايات المتحدة أصرت على إدخال نصوص وتعديلات جديدة على الاتفاقية الأمر الذي أغضب الجانب اليمني ورفض التوقيع على الاتفاقية رغم الاتفاق المسبق بين العاصمتين على توقيعها أثناء وجود الرئيس صالح في واشنطن. ـ ثانيًا: الخبرة اليمنية مع الإرهاب وتعد الخبرة اليمنية مع الإرهاب هي السياق الثاني المهم والضروري لفهم إمكانية تعرض اليمن لضربة أمريكية من عدمه، ولعل معاناة اليمن من الإرهاب تتضح في كل مرة تنشر فيها قوائم الإرهاب على مستوى العالم، حيث لا يفتأ اسم اليمن أن يتكرر، وكذا في كل مرة تنفذ فيها عمليات إرهابية، يقترن فيها اسم اليمن بهوية المنفذين كما كان الحال في قصف السفارتين الأمريكيتين بشرق أفريقيا، حيث كان المتهمون يحملون جوازات سفر يمنية مزورة، فضلاً عن أن أحدهم كان يمني الجنسية. ولعل آخر ما ظهر في هذا السياق، البيان الذي أعلنته مؤخرًا الإدارة الأمريكية، والذي تضمن أسماء 27 من المنظمات والجمعيات والشخصيات التي تشتبه واشنطن بضلوعها في أعمال إرهابية، وقد شملت هذه القائمة شخصيات ومنظمات يمنية أو تتخذ من اليمن مقرًا لأنشطتها كما ورد في البيان. ويأتي على رأس ما تضمنته القائمة الأخيرة ما يُعرف باسم «جيش عدن أبين الإسلامي»، وهو ما قد أثار موضوع هذا الجيش مجددًا على رغم نفي المسئولين اليمنيين بمختلف مستوياتهم وجود مثل هذا الجيش على أرض الواقع داخل الأراضي اليمنية. والجدير بالذكر أن موضوع جيش عدن ـ أبين الإسلامي كان قد برز إلى الأضواء في أواخر شهر ديسمبر 1998 على إثر قيام مجموعة من العناصر الإسلامية المتشددة يقودها شخص يدعى زين العابدين المحضار باختطاف 16 سائحًا أجنبيًا واحتجازهم في إحدى مناطق محافظة أبين إلى الجنوب من العاصمة صنعاء وقد أطلقت هذه العناصر على نفسها اسم جماعة جيش عدن ـ أبين الإسلامي. نقطة عبور وتمويل كما يقدر البعض نسبة المجاهدين المنحدرين من أصول يمنية نحو ثلث عدد المجاهدين. وكما كان اليمن محطة أساسية في استقطاب وإعادة بث العناصر العربية التي ذهبت لتشارك في حملة الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي، فقد كان أيضًا محطة أساسية في استقطاب هؤلاء بعد تحرر أفغانستان، وهو ما شكل صعوبات لليمن في علاقاته مع دول عربية عدة، خاصة وأن بعض العائدين الذين وصفوا بالأفغان العرب واصلوا ما اعتبروه جهادًا ضد حكومات بلدانهم الأصلية انطلاقًا من الأراضي اليمنية لاسيما في النصف الأول من التسعينيات. إلا أن ثمة حقيقة مهمة يجب الإشارة إليها، وهي أنه إذا كان اليمن قد شهد بعض الأعمال الإرهابية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن ثمة تنظيمات إرهابية قائمة بحد ذاتها داخل الأراضي اليمنية.. حيث كشفت تحقيقات عدة أن التخطيط لمثل هذه الأعمال تم من الخارج ولم يكن اليمن سوى ساحة للتنفيذ، كما اتضح أيضًا ان المجموعة المسماة بجيش عدن أبين الإسلامي هي في واقع الأمر مرتبطة بجهات وشخصيات خارجية، وينطبق هذا على حادث المدمرة كول، إذ بات من المؤكد وفقًا لبعض الخبراء أن التخطيط والإعداد لهذه العملية كان وبصورة شبه كاملة خارج أراضي الجمهورية اليمنية وإن كانت عناصر يمنية قد تورطت في عملية التنفيذ. محاربة الارهاب ونتيجة لهذه المعاناة من الإرهاب، فقد كان الموقف اليمني حاسمًا بشأن ضرورة محاربة الإرهاب وقطع دابره، وهو الأمر الذي اتضح من خلال سلسلة من الإجراءات منها ـ مطالبة الرئيس اليمني عام 1993 بتسليم أسامة بن لادن إلى اليمن بعدما اعتبر بن لادن مسئولاً عن تفجيرات استهدفت فندقين هما «عدن» و«جولد مور» في العاصمة الاقتصادية للبلاد. ـ شن حملة غير مسبوقة على الإرهاب والإرهابيين عام 1998، أسفرت عن طرد آلاف من الإرهابيين إلى خارج البلاد. ـ إنشاء القوات الخاصة عام 1999، التي كانت من أولى مهماتها «مكافحة الإرهاب بكل أشكاله». ثالثًا: الإجراءات الحكومية الأخيرة لتصفية قواعد الإرهاب في اليمن: فيما اعتبر أول مرة تلجأ فيها اليمن إلى خوض عمل عسكري ضد أنصار أسامة بن لادن أو ضد الأفغان العرب في اليمن، شنت الحكومة اليمنية حملة عسكرية قامت بها القوات الخاصة اليمنية في محافظتي مأرب وشبوة استهدفت تعقب مجموعة يشتبه في انتمائها إلى تنظيم القاعدة، وذلك بهدف تنظيف البلاد من عناصر هذا التنظيم كما صرح مسئولون يمنيون. وقد أسفرت هذه المواجهات التي امتدت إلى مناطق الجوف وحضرموت عن 35 قتيلاً و40 جريحًا منهم أطفال ونساء.. ونتج عنها أيضًا ضبط عدد من المشايخ الذين يؤوون العناصر المطلوبة في إطار اتفاق مع واشنطن لمطاردة المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة. ويشير المراقبون إلى أن حجم وطبيعة القوات اليمنية التي قامت بالمهمة دليل على رغبة اليمن في إبراز أمرين، أولهما-: إبراز عنصر الحسم وعدم التراجع. وثانيهما-: إبراز عنصر الجدية وعدم الاعتداد بالثمن أيا كان والذي يمكن دفعه إذا جاءت التحركات محلية بحتة مقابل الثمن المحتمل دفعه في حال حدوث تدخل خارجي لا يأخذ في اعتباره مصالح اليمن أو سيادة الدولة اليمنية. بعبارات أخرى، فقد رأى محللون للشأن اليمني أن إقدام اليمن على ملاحقة العناصر المشتبه في انتمائها إلى تنظيم القاعدة خطوة ذكية من الرئيس اليمني، يهدف من ورائها الوفاء بوعوده التي قطعها للإدارة الأمريكية أثناء الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة في نهاية شهر نوفمبر الماضي، والقاضية بتنظيف ما تبقى من الجيوب لأسامة بن لادن في اليمن وبالتالي تجنيب اليمن ضربة عسكرية أمريكية محتملة. وذلك جنبًا إلى جنب مع هدف آخر هو إظهار حزم ضد الخصوم القبليين والإسلاميين معًا الذين لا يزالون يشكلون خطرًا على نظام الحكم. ويرى هؤلاء أن إظهار الحسم اليمني تجاه المتشددين الإسلاميين والتحرك الأخير الذي استهدف أنصار ابن لادن في اليمن كان ضروريًا لا سيما وأن أي تأخير أو تراخ سوف يترتب عليه الكثير من المتاعب للسلطات اليمنية التي تريد أن يكون الحسم محققًا لمطالب خارجية أمريكية وأخرى داخلية من خلال الحفاظ على السيادة الوطنية، إذ تريد صنعاء التأكيد على قدراتها على معالجة الملفات الحساسة والخطيرة من دون تدخل من الآخرين في شئونها الداخلية. وهو الأمر الذي يمكن أن يحدث في حال طلبت واشنطن تسليمها أعضاء تنظيم القاعدة لمحاكمتهم في الولايات المتحدة، حيث تصر صنعاء على أن أي محاكمة لعناصر القاعدة لابد وأن تتم في اليمن وليس خارجه، وهو ما أكده أكثر من مرة الرئيس صالح عندما قال ان بلاده «ستتكفل بمحاكمة من يتم إلقاء القبض عليهم داخل اليمن وليس خارجه». ويتطلب تحليل هذه المواجهات تحليل عنصر توقيت هذه العمليات العسكرية، حيث جاءت مع ثالث أيام العيد وذلك بعد المعلومات والأنباء التي ترددت في اليمن بشأن وجود عناصر منتمية لتنظم القاعدة في اليمن، ثم تأكيد مصادر رسمية يمنية لهذه المعلومات، وما ترافق مع هذا التأكيد من زيادة وتيرة أعمال البحث والتحري من قبل أجهزة الأمن اليمنية عن أولئك المطلوبين. وفي هذا الإطار أيضًا، فقد أتت هذه الحملات عقب تصاعد حدة الخطاب التي اتسمت بها كلمات وأحاديث وخطابات الرئيس علي عبدالله صالح في كل المناسبات واللقاءات مع الفعاليات الدينية والسياسية والاجتماعية اليمنية التي حضرها وخاصة بعد عودته من جولته الأمريكية ـ الأوروبية والتي تردد خلالها أن الإدارة الأمريكية سلمته معلومات وأسماء لعناصر تنتمي إلى تنظيم القاعدة موجودة في اليمن، وقد أشارت هذه المعلومات إلى أن المسئولين في الولايات المتحدة حثوا الرئيس اليمني على ضرورة متابعة هذه العناصر والقبض عليها وتشديد عمليات الحصار والمراقبة للمنافذ البحرية والبرية والجوية في اليمن للحيلولة دون تسرب أي عناصر من تنظيم القاعدة قد تنجح في الهروب من أفغانستان. بيد أن السلطة اليمنية تريد من جانبها التأكيد على أن هذه الإجراءات جاءت بقرار رسمي وبآليات ووسائل وإمكانيات يمنية، وفي هذا الإطار كتبت صحيفة الثورة اليومية في إحدى افتتاحياتها «أن ما قامت به قوات الأمن بمساندة وحدات من القوات المسلحة من ملاحقة للعناصر المشتبه بانتمائها إلى تنظيم القاعدة ـ الذي يتزعمه أسامة بن لادن، ومن يؤويهم يمثل فعلاً من أفعال السيادة والدفاع عن المصالح الوطنية».. وأضافت الصحيفة «أنه بات من المعروف والمؤكد لدى الجميع أن عدم اضطلاع القرار اليمني والإمكانات والوسائل الداخلية بمسئولية ملاحقة ومكافحة مصادر الإرهاب يترك منافذ الوطن مشرعة أمام التدخلات ويعرض بلادنا وشعبنا للاستهداف الذي يتجاوز النطاق السياسي إلى ما هو أخطر وأكثر تدميرًا وبذلك يتوفر فعل السيادة في ملاحقة المشتبه بهم، طالما أن العواقب تمس تلك السيادة وتنال منها في الصميم». حليف جديد.. أعداء جدد وأخيرًا، وبعد عرض السياقات الثلاثة وثيقة الصلة بالتساؤل الرئيسي، يتضح أن اليمن ربما كان هدفًا محتملاً للضربات الأمريكية لا سيما وأن الإدارة الأمريكية اعتبرت اليمن أحد أهم الدول التي تضم مواقع لتنظيم القاعدة جنبًا إلى جنب مع السودان والصومال. إلا أن الخطوات التي قامت بها الحكومة اليمنية أخرجت اليمن من لائحة الدول المستهدفة، وجنبتها ضربة محتملة كان سيكون لها تداعياتها داخليًا وإقليميًا. وهو ما أكده الرئيس اليمني بقوله انه طار إلى واشنطن في الأسابيع الماضية والتقى بالرئيس الأمريكي حتى «يتجنب اليمن أي ضربات عسكرية شبيهة بالضربات التي تعرضت لها أفغانستان قد تؤثر على أوضاعه الاقتصادية وتهز مكانة بلاده أمام العالم». بيد أن قراءة الموقف في السياقات السابقة، يؤكد أن اليمن بات حليفًا جديداً للولايات المتحدة الأمريكية، يمكنها أن تنسق معه على عدة محاور يأتي على رأسها المحور الأمني وهو الأمر الذي تؤكده الخبرة السابقة في العلاقة بين الدولتين. كذلك فإن الإجراءات الفورية والجادة التي اتخذتها الحكومة اليمنية تجعل ضرب اليمن واستهدافه أمرًا مستبعدًا، وخاصة أن هذه الإجراءات حازت قبول الأطراف الأمريكية، حيث أشاد كولن باول وزير الخارجية الأمريكي بالجهود اليمنية في مجال مكافحة الإرهاب، كما أكد دعم واشنطن لليمن في مجال مكافحة الإرهاب واستعدادها لتقديم الإمكانات اللازمة لدعم قدراته في هذا المجال. كما أشاد ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بالحزم الذي أبداه الرئيس اليمني في هذا الصدد وقال ان اليمن عازم على مكافحة الإرهاب وتعقب الإرهابيين ونحن نرحب بذلك ونعرض مساعدتنا لهم في هذا الكفاح. وإذا كان اليمن قد تجنب بذلك تهديدات خارجية، فإنه لا ينبغي عليه تجاهل تداعيات إجراءاته الأخيرة على الداخل اليمني، حيث يرى الخبراء أن من شأن هذه الحملات أن تفتح ملفًا شائكًا هو علاقة الدولة مع القبائل اليمنية، فالقبائل التي استهدفتها الحملة هي قبائل اعتادت التمرد على الدولة كما أنها لا تشعر أصلاً بالحاجة إليها، وفي المقابل فإن الدولة بدورها لا تذهب إليهم من أجل معالجة مشاكلهم التنموية والاجتماعية المتصاعدة بل على العكس لا تتواصل معهم إلا من أجل حاجة سياسية أو أمنية مقابل «وعود» لا ينفذ منها شيء. وفي هذا الإطار فإن المواجهات الأخيرة جاءت لتفتح ملفاً مليئاً بالخبرة التاريخية السيئة بين الطرفين، وهو ما يتطلب منهما حسن معالجته لحماية المصالح اليمنية. وبعبارة أخرى فإن البعض يبدون مخاوف من أن يكون أسلوب السلطة في تعقب أنصار ابن لادن طريقًا لبروز عداء جديد بين الدولة والقبائل وهو ما قد يترك أثارًا سلبية على الساحة السياسية اليمنية. الكويت: المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية