ترافقت التحولات التي شهدها العالم في العقد الاخير من القرن العشرين مع ظهور مفهوم العولمة الكاسح، واتخذ الموقف منه ابعادا متناقضة، ساهمت في احتدام الجدل الدائر حول التعاطي معها، واستقبالها كمفهوم يرى الكثيرون انه لم يتبلور بعد وقد استندت اغلب المواقف منها إلى التأثيرات السلبية القوية للعولمة على مجتمعاتنا التي ستكون الحلقة الاضعف في هذا النظام، مما سيجعلها تفقد هويتها، ومنظومات قيمها لصالح سيطرة نزعة الاستهلاك والاندماج بالقيم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لنظام العولمة. من هنا فان الحوار مع المفكر العربي الدكتور طيب تيزيني يمثل محاولة للتعرف إلى رأيه، وفهمه للعولمة كنظام سياسي واقتصادي، وتأثيراتها القوية على مجتمعنا ومشروعنا الحضاري العربي. ـ كيف تنظر إلى نظام العولمة من خلال اثارها السياسية والاقتصادية الكبيرة على المجتمع العربي، وهل يمكن الاندماج معها تدريجيا؟ ـ في السؤال وجهان اساسيان يحددان الامكانات الكبرى للموقف من العولمة كما تتبدى راهنا؟ ـ الوجه الأول يتمثل في امكانية تقبل العولمة والاستجابة لها وربما التماهي معها، أما الوجه الثاني، فيتحدد في وجود امكانية اخرى قد تكتسب طابع التكيف، ولكن في كل الاحوال نلاحظ على صعيد هذا الوجه الثاني ضرورة وجود موقف نقدي من الظاهرة المذكورة، اعني بهذا الوجه النقدي الاقرار اولا بأن ظاهرة العولمة تمثل حالة موضوعية نشأت في صلب التحولات الاخيرة التي طرأت على النظام الرأسمالي الامبريالي المعاصر، كما تعني ثانيا البحث عن امكانية مواجهة هذه الظاهرة نقديا بحيث يغدو ممكنا اخذ موقف منها يقوم على التمييز فيها بين لحظات متعددة، وهذه المسألة غالبا ما خفيت على رهط كبير من مفكري الفكر العربي المعاصر حيث يرون في الغرب غربا ذا نسيج واحد، وذا بنية واحدة ومن ثم كان ينتصب امام هؤلاء سؤال زائف يفضي إلى نتيجة زائفة. ذلك السؤال هو: هل نأخذ بالغرب أم نرفضه؟ هل يمثل حالة مرفوضة من حيث الأساس أو مقبولة من حيث الأساس؟ ان هذا السؤال كما يتضح ذو شخصية ميتافيزيقية أي لا تاريخية ولا نقدية، ومن ثم فإن الاجابة عنه من شأنها ان تقود إلى حالتين كلتاهما تفضي إلى الاخرى، اي القبول او الرفض وفي هذا كما يتضح قصور في الرؤية المنهجية كما تكون فيه احتمالات الوقوع في مخاطر عملية سواء كانت ذات طبيعة سياسية أو ايديولوجية، أو ثقافية، ولعنا في هذا السياق نستذكر بحق المقولة الشائعة منذ اكثر من قرن والتي تنحدر من الشاعر الانجليزي كيبلينج الذي صاغها على النحو التالي: «الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان«. تأسيسا على ذلك يمكن الوصول إلى فكرة ذات اهمية خاصة على صعيد موقفي من العولمة المعاصرة، هذه النتيجة تقوم على الاقرار الموضوعي بما هو قائم فعلا، ولكنها من طرف آخر تعمل على صوغ موقف نقدي منها يسمح بتلقف ما قد يكون ايجابيا منها، وباقصاء ما هو سلبي في نطاقها، ولكن الاشكالية تفصح عن نفسها حتى نواجه المسألة في صيغتها الواقعية المشخصة أي في الصيغة التالية: «ان العولمة تمثل نظاما سياسيا واقتصاديا عالميا يعمل بكل القوى المتاحة له على ابتلاع الاشياء والناس وعلى تقيئها سلعا، ومن شأن هذا ان يطرح سؤالا معقدا هو: هل بامكاننا نحن العرب ان نفكر بامكانية مواجهة هذا النظام العولمي في الحين الذي نعرف فيه ان عالمنا العربي يمثل حطاما«. اذن المسألة في بعدها الواقعي المشخص تفصح عن مسائل او اسئلة جديدة يمكن الاجابة عنها على نحو أو اخر عبر ضبط الامكانات العربية المتاحة باتجاه تحقيق حد اساسي من مواجهة العولمة في بعدها الايجابي، بتعبير آخر اكثر دقة ينتصب السؤال التالي امامنا: هل بامكاننا ان نبتعد عن تأثير النظام المعلوماتي القائم بكل ثقله وقدرته على الاختراق؟ ـ ولا اظن الاجابة ذات بعد واحد بحيث يمكن القول باننا يمكن ان نختبيء في صومعة غير قابلة للاختراق من النظام المعني وعلى هذا فاننا نعتز بالعولمة نظاما اقتصاديا وسياسيا جديدا في نطاق الرأسمالية الغربية العالمية. ولكننا ننطلق في الوقت نفسه من شرعية التأكيد على ضرورة ان يكون موقفنا تقدميا منها، نأخذ منها ما نأخذه ونقصي منها ما نقصي بحسب احتياجات مجتمعنا العربي ولهذا قد نقول ان الغرب المعاصر قد يكون غريبا أو أكثر: غرب العولمة الذي ينضوي على قوى اجتماعية وثقافية وسياسية تستطيع ان تجد فيها حليفا لنا ضد ذلك النظام بيد ان الكلمة الاخيرة تبقى مؤسسة على الامكانيات التي علينا ان نبلورها خصوصا باتجاه الحفاظ على هويتنا الوطنية والقومية. هذه الهوية التي تشكل واحدا من أهداف النظام العولمي الامبريالي المدعو إلى اسقاطها، واستبدالها بهوية سلعية سوية. اثار العولمة ـ ما هي آثار العولمة على المشروع النهضوي العربي حاضرا ومستقبلا؟ ـ هناك مبدأ علمي يسود ويهيمن في كل العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية واللغوية وهو انه لا توجد بنية أو وضعية غير قابل للاختراق بحيث تتأبى على ذلك تحت اسم كونها حالة ذات طابع شمولي ومطلق. ان كل بنية اذن قابلة للاختراق ويبقى ان نحدد شخصية من يقوم بهذه العملية وبالامكانات التي يمتلكها في نطاق ذلك. من هنا نصل إلى نتيجة حاسمة بالمعنى المنهجي، وعلى صعيد التفكير بمشروع نهوض عربي جديد. تلك النتيجة تتمثل في اننا نحن كعرب وان كنا نعيش الآن ما اطلقت عليه حطاما الا اننا قادرون على ان نكتشف هذا الحطام بوصفه حالة مفتوحة. من هنا، لا حديث عن دار مغلقة باطلاق وعلى هذا الاساس نضع يدنا على أهم مسوغ منهجي للتفكير باحتمال الشروع بمشروع نهوض عربي جديد، ومن الطريف هنا ان نتذكر ما أشار اليه الفيلسوف الالماني هيجل حيث تحدث عما أسماه التاريخ المراوغ أو «مراوغة التاريخ« وقد عنى به ان التاريخ الانساني لا يمكن ان يكون ذا بعد واحد، أو ذا بنية واحدة، ولا يمكن ان يسير على نحو مستقيم باطلاق وضمن حتمية تاريخية وميكانيكية. لقد رأى ان التاريخ ينطوي على كثير من المفاجآت التي تجعل من يواجهها يفقد صوابه أو يقف مدهوشا أو يعلن عجزه. ان التاريخ المعاصر اذن لن يكون تاريخ العلومة الامبريالية المعاصرة باطلاق ذلك لانه توجد في المجتمع العربي كما في المجتمعات الثالثية قوى خفية قد لا تظهر حاليا، ولكنها في لحظة ما من لحظات ذلك التاريخ «المراوغ« قد تتحول إلى قوة هائلة، أو إلى قوة تفرض نفسها على من كان يعتقد انها غائبة أو مغيبة. ها هنا قد نستخدم نظرية النص او التناص. لانها تقدم خدمة جلية وذلك حيث تتحدث عن النص الغائب النص المغيب.. النص الاحتمالي، النص الذي في طور الفعل وغيره، وتاريخنا العربي المعاصر لن يملى من موقع ما تطمح اليه آليات العولمة المعاصرة فحسب. ـ على هذا الأساس نواجه سؤالا كبيرا ذلك هو اذن من اين ننطلق في التفكير بمشروع نهضوي عربي جديد؟ ـ يمكن القول من طرف أول بأن القوة الخفية المعنية هنا هي تلك التي قد نسميها القوة الصامتة من موقع علم الاجتماع السياسي، وهذا يجعلنا نرى في هذه القوة الخفية الصامتة «العامل الاجتماعي» للمشروع المذكور. ولعلي احدد بصيغة اولية هوى هذه القوى الصامتة بكونها تلك التي تمثلت في القاع العربي «الطبقات الدنيا» يدا بيد مع تلك الفئات الوسطى التي اخذت تتحلل وتتشظى باتجاه هذا القاع وذلك تحت قبضة العضلات الاقتصادية الطاحنة، ولابد من الاقرار بأن هذا الحامل الاجتماعي لم يحقق بعد اندماجا اجتماعيا وثقافيا واخلاقيا قديما قيميا فيما بين طرفيه واطرافه وكذلك في تعاظم تبعية النظام الاقتصادي العربي للغرب إلى درجة تكاد ان تكون قد غدت مطلقة بحسب المفكر الاقتصادي المصري سمير امين، فهذا وذلك وثالث من العوامل تنتصب الآن بجبروت امام ولادة مثل هذا البديل الوطني الديمقراطي العربي، واضيف إلى هذه العوامل عاملا آخر اخذ يحاصر بامكانية النهوض العربي الجديد وهو ذلك الذي يتعامل بـ «الاصولية السياسية الراهنة». ان هذه الظاهرة الاخيرة التي اتت تعبيرا عن التحولات التي لحقت بالمجتمع العربي خصوصا على الصعيد الاقتصادي تكشف الآن من قبل معظم النظم العربية، ومن ثم فاننا هنا نضع يدنا على اشكالية النهوض الذي اصبح محتملا بحامل اجتماعي فاعل في وقت برزت فيه عملية اختراق هائلة لهذا الأمر من موقع ذلك العوامل المشار إليها. مطلوب مشروع نهضوي ـ أمام هذا التهديد العربي بنظام العولمة، ما هو المطلوب لمواجهتها؟ ـ اقول ان الأمر يبقى قابلا للاختراق ولكن بصيغة من يستذكر الفكرة الشعبية التالية ـ بصيغة تساؤل مأساوي هو: هل تستطيع العين ان تواجه المخرز؟ انها اذن صيغة اشكالية قابلة للتحقيق وان بأشكال لم تعهد لها مثيلا: من هذه الاشكال اذكر على سبيل المثال بروز ظاهرات يراد لها ان تسد الافق في وجه ذلك البديل الوطني القومي الديمقراطي. انها اذن لوحة معقدة شائكة يعمل على نشرها وتعميمها في اوساط الناس خصوصاً وان ذلك اصبح محتملا من موقع الاقرار بوجود عاملين جديدين يسهمان بشكل هائل في تحقيق شعار الدولة الامنية: ـ الأمر الأول يتمثل بالسيولة المالية الضخمة التي تتصرف بها معظم النظم العربية . ثانيا: الامكانية المتنامية باستجلاب التكنولوجيا المتقدمة ونتائج المعلوماتية وما بعدها فهذان كلاهما يعملان على تدعيم شعار الفساد والافساد، وتحويل الجميع إلى مدانين تحت الطلب. هذا أولا ومن ناحية اخرى، يستدعى التفكير بمشروع نهوض عربي جديد القيام بخطوتين اثنتين كبيرتين تتمثل الأولى في التأسيس المعرفي لهذا المشروع من موقع التاريخ العربي الحديث في حين ان الخطوة الثانية تقوم على التأسيس الفكري الفلسفي النقدي له، فمن الموقع الاول يطرح السؤال التالي: هل ولدت في التاريخ العربي عامة والحديث منه خاصة تجارب نهضوية ما يدل على ان فكرة النهضة ليست غريبة على هذا التاريخ أو مستجلبة اليه من خارجه؟ هنا يمكن القول ان مثل هذه التجربة وجدت حقا، خصوصا في القرن التاسع عشر وذلك عبر صيغ متعددة قد تكون في طليعتها تجربة محمد علي في مصر وخير الدين التونسي في تونس، وداود باشا في العراق وبعض العائلات الارستقراطية البرجوازية في بلاد الشام. ان هذه التجارب كانت قد بدأت في المجتمع العربي بتأثيرات وفواعل داخلية، أي في مرحلة لم يكن الغرب قد اخذ في عملية التدفق الاستعمارية باتجاه الوطن العربي وغيره من البلدان التي لم تصل بعد حتى حينه إلى مرحلة التطور الرأسمالي المتقدم ولعله من المهم جدا ان نلاحظ ان ما يعلنه بعض الباحثين العرب والمستشرقين الغربيين من ان ما يسمى النهضة العربية الحديثة لم يكن الا صدى للتدخل الغربي الذي قاده خصوصا نابليون بونابرت في اواخر القرن الثامن عشر وهؤلاء يرون ان الصداقة التي حدثت بين الوطن العربي والغرب التي قادت إلى وجود اطياف من النهوض لكن نهضة نشأت في صلب الوضعية العربية أمر يشكك فيه هؤلاء من موقع ان العرب لم يكونوا ولن يكونوا جديرين بالارتقاء إلى مصاف النهوض من نمط ما حدث في أوروبا، بل ان هؤلاء كذلك يحيلون المسألة إلى ما يعتبرونه مصدرا أساسيا للوجود العربي، فهم في انطلاقهم من تقسيم العالم إلى قسم آري، وآخر سامي يصلون إلى ان العرق السامي اقل من ان يكون قادرا على تحقيق تقدم يتسم بالعقلانية والحداثة والديمقراطية والعلمانية، اذن هؤلاء المستشرقون واولئك الباحثون يصيغون فكرة التأسيس لمشروع نهضوي عربي موضع الشك من حيث الأساس. ان نقدا تاريخيا معمقا لهذه الفكرة الاستشراقية التي تجد مصدرها فيما يسمى بـ «المركزية الأوروبية« أو «الأوروبية ـ الأمريكية« امر ذو اهمية منهجية على صعيد وضع اليد على احتمالات انجاز مثل هذا المشروع اما النقطة الثانية والتي تتمثل بالنقد المعرفي الفكري، فتقوم على ضبط اللوحة الثقافية والايديولوجية المهيمنة في الفكر العربي المعاصر، والتي تتصل بطرف، أو بآخر بمسألة النهضة، أو النهوض والتقدم والتأخر في الوضع العربي الراهن. هنا نواجه قلة من النظريات والمنظومات الفكرية والايديولوجية التي قد تكثف النظر اليها على النحو التالي: 1 ـ التيار السلفي الاصلي 2 ـ نظرية نهاية التاريخ 3 ـ نظرية التطور الالحاقي 4 ـ نظرية نهاية صراع الايديولوجيات، وبداية صراع الثقافات الحضاري أما ما يتصل بالنظرية الاولى فنلاحظ انها ربما تشغل الحيز الاكبر في البنية الثقافية العربية الراهنة والتي تقوم على المبدأ التالي: الاسلاف لم يتركوا شيئا للاخلاف فمن شأن هذا المبدأ الانطلاق من ان البشرية اذا ما ارادت ان تجيب عن مشكلاتها فما عليها الا ان تعود إلى ماضيها كي تستمد منه اسئلة مشكلاتها والاجوبة عنها. ومن ثم فان النظرية السلفية الاصولية تمثل موقفا فكريا ماضويا هذا أولا، ومن جهة أخرى نلاحظ ان هذه النظرية تشغل حيز «نظرية أزمة« أي نظرية لا تثمر بل تكاد لا توجد بقوة الا حيث توجد أزمة اجتماعية، أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها، ولهذا الاعتبار فهي اتت تعبيرا مقلوبا عن الحطام العربي المهيمن في الوطن العربي على النحو المذكور آنفا، ذلك لانها تحيل الناس إلى ماضيهم حين يعملون على الكشف عن اسئلة عصرهم واجوبتها في نتيجة الأمر. تدعو هذه النظرية للعودة إلى الماضي العربي الإسلامي أو المسيحي بهدف استنباط ما ينبغي ان ننجزه من مهمات في المرحلة الراهنة. وأخيرا فإن هذه النظرية المذكورة بوصفها كذلك لا تتآخى مع مفهوم النهضة والنهوض، كما انها لا تقر بالتاريخ بوصفه سياقا مفتوحا ومنطويا على مراحل، ومستويات متعددة، وهي بهذا تشكل عائقا نظريا وعمليا أمام مشروع نهوض عربي جديد. هذا بغض النظر عن ان فرقا من ممثلي هذه النظرية، يمكن ان يكونوا مناضلين كبارا خصوصا في فلسطين، كما في دول عربية اخرى. لكن على الصعيد النظري المعرفي نرى انها نظرية زائفة، غير قادرة على المؤاخاة مع العصر. اما النظرية الثانية التي يقف على رأسها الأمريكي الياباني فوكوياما وغيره، فتنطلق من انه من تفكك المنظومة الاشتراكية، وحرب الخليج الثانية ان التاريخ انتهى إلى حلقته الاخيرة ممثلة بالنظام الأمريكي الرأسمالي العولمي الراهن، وهو يرى ان التاريخ ثار لنفسه حين اسقط العقود السبعة التي عاشتها البشرية تحت اسم هو الاشتراكية، ويعود الآن إلى حظيرته الممثلة بالإنسان الذئبي. أما الدلالة الاساسية لهذا الأمر فتقوم حسب فوكوياما على ان «جوهر الإنسان« ذو طبيعة انانية ذئبية تلح على الملكية الخاصة، وترفض كل ما لا يستجيب لها. من هنا يدعونا فوكوياما إلى قبول هذه النتيجة ملحا في الوقت نفسه على ان فرصة تاريخية ما قد تكون سانحة أمامنا «نحن شعوب العالم الثالث« للاندماج في النظام العولمي الجديد على نحو أو آخر. الانصياع للعولمة ولعلي اذكر هنا ثلاثة اسماء لمفكرين عرب يدعون الآن جهارا إلى الانصياع لمتطلبات العصر العولمي الجديد وهم: محمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي وبرهان غليون، وهؤلاء يطالبوننا بالاسراع في الاندماج بالنظام المذكور قبل ان يفوت الآوان. ومن ثم فإن النظرية المذكورة هي بدورها ترفض الاقرار بمفهوم النهضة وبمفهوم التاريخ وترى انه من الزيف ان يعلن شعب ما عن مشروع نهوض قومي خاص به من خارج النظام العالمي. النظرية الثالثة تعلن ان أي تطور لدى أي شعب معاصر لم يعد ممكنا ومحتملا الا ضمن المنظومة العولمية المعاصرة، وبالتالي فان من يرفض ذلك، فهو كمن يرفض الانصياع للتاريخ العالمي. وهنا تبرز متطلبات مثيرة من نمط ما يؤكد عليه في الإعلام العربي الراهن من ضرورة ان يمتلك العربي مفاتيح المعلوماتية، وما بعد المعلوماتية في نطاق القرن الواحد والعشرين الوشيك فكأننا نحن العرب نواجه المسائل ذاتها التي يواجهها الغرب العولمي بحيث تبدو مهمات القرن الجديد متماثلة امامنا وامام الآخرين. وفي هذا ولا شك مواقف زائفة منهجيا معرفيا وموقف خط سياسيا عمليا. ان نقد هذه النظرية «التطور الالحاقي« لابد من ان يأخذ بعين الاعتبار جدلية الخصوصية والعمومية مما تؤكد على اننا جزء من هذا العصر لكن بقدر ما نؤكد على هويتنا الثقافية العربية. وهنا نواجه نظرية التطور الالحاقي وقد نفت مفاهيم الخصوصية والهوية الذاتية والتطور الخاص، ومن ثم نفت مفهومي النهضة والتاريخ كمدخلين إلى البدء بمشروع نهوض عربي جديد. النظرية الأخيرة التي تبشر بنهاية الصراع الايديولوجي، وببداية صراع حضاري ثقافي محض. ان تفكيرا أوليا لهذه النظرية يضع يدها على نقطة حاسمة تشغل فيها حيزا أساسيا وهي: لقد انتهى صراع المصالح الاقتصادية، وبدأ صراع يحتل البنية القومية من التاريخ البشري. أي بنية الثقافة والحضارة «بالمعنى الثقافي« وهم في هذا ينطلقون من ان نهاية الحرب الباردة مع تفكك المنظومة الاشتراكية برزت مرحلة جديدة امام البشرية، وهي ان يواجهوا المشكلات العالقة فيما بينهم من موقع ثقافي حضاري وحسب. واذا طبقنا هذه الفكرة على واقع الحال الراهن فاننا نواجه نتيجتين اثنتين كبيرتين كلاهما ترى ان صراعنا مع النظام الرأسمالي الامبريالي العولمي لم يعد صراعا تاريخيا مطلقا من المصالح التاريخية، وانما من نظريات وسيكولوجيات يمكن تجاوزها إذا حاولنا تفكيكها، ووضعها في اطارها الممكن. أما النتيجة الثانية فتتركز في التأكيد على ان ما نسميه صراعا عربيا صهيونيا ليس هو في حقيقة الأمر الا صراعا برز على انقاض التباسات سيكولوجية وثقافية وقيمية، وهو من ثم ليس صراع وجود. ومعروف ان السادات قبل ان يذهب إلى القدس في عام 1979م اعلن ان صراعنا مع إسرائيل الصهيونية ليس الا شكلا من اشكال الالتباس الثقافي ادى إلى حاجز نفسي بيننا، وبينها، ومن ثم فإن السهل ان يجري تجاوز هذا الحاجز النفسي اذا ما اقترنت الارادة العربية بالارادة الإسرائيلية الصهيونية. وكما يظهر فان النظرية المذكورة اذن نظرية تبشر بانتهاء الصراع المصلحي في وقت «هنا تبدو المفارقة وردية« يبدو فيه الصراع قد اكتسب طابعا مصلحيا لا مثيل له في تاريخ البشرية، فهو في العمق صراع مصالح اقتصادية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، اضافة إلى صراعات اخرى مهيمن عليها، ونستطيع ان نرى ان كل ما هو خارج المصالح الاقتصادية ينظر إليه من موقعاً لنظام العالمي على انه عقبة في وجه المصالح ذاتها. وهذا ما جعلنا نكتشف تعريفا للعولمة هو انها «النظام الاقتصادي السياسي الذي يبتلع الناس والاشياء أي كل شيء بدءا بالهويات الثقافية وانتهاء بالمنظومات الاخلاقية القيمية من اجل ان يجري تقيؤها سلعاً اذن ما ينفي من هدف النظرية، يبرز بوصفه الاكثر حضورا النظام الراهن. ان نظرية صراع المصالح والايديولوجيات هي نظرية تكرس عملية تسويغ التبعية ما بين العالم، والولايات المتحدة، وبالتالي تكرس اخضاعا لعالم برمته تحت قبضة واحدة. وهناك كذلك نرى ان هذه النظرية تفرط بمفهوم النهضة وغيرها من مفاهيم التاريخ والتقدم والخصوصية. من هذا وذلك كله إلى فكرة حاسمة تقوم على ان نقد الفكر العربي المعاصر بنظرياته المذكورة آنفا، يمثل واحدا من شروط العمل على مشروع نهوض عربي جديد، لكن ذلك يشترط التأكيد على انجاز ما اتينا عليه يجد مدخله الأساسي في الديمقراطية وتعميمها في المجتمع العربي، اضافة إلى تعميق توجيه التنوير الثقافي مع الاشارة إلى ان هذا وذاك كليهما لابد ان يقترن كذلك بخطوتين حاسمتين: أولاهما تتمثل في اعادة توزيع الثروة العربية على نحو يسمح باعادة الثقة لجمهور هذا الوطن، أما ثانيهما فيقوم على ضرورة التأكيد على تحقيق تضامن عربي لعله يجد مدخلا أوليا إلى وحدة الوطن. ان حديثنا عن مشروع نهوض عربي جديد في مرحلة الهيمنة العولمية الراهنة هو أمر مسوغ ومحتمل ضمن شرائط الوضعية المتاحة عربيا ودوليا. دمشق ـ يوسف البجيرمي: