مع اقتراب الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان من مرحلتها النهائية، تكثف إدارة الرئيس بوش من جهودها للكشف والقضاء على خلايا تابعة لتنظيم القاعدة والجماعات المتورطة معها في أرجاء العالم وقد حاول المسئولون الأمريكيون التقليل من أهمية التكهنات بتحفيز الولايات المتحدة لهجوم عسكري جديد في سياق حربها، على الإرهاب على رغم تصريحات الرئيس بوش مؤخرًا بأن الحملة على الإرهاب قد تتوسع لتشمل دولاً عربية مثل الصومال والسودان واليمن، بالتنسيق مع دول افريقية مجاورة. ويؤكد ذلك ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية من أنها وضعت 39جماعة وجمعية خيرية وشركة على قائمة جديدة أطلق عليها «قائمة إبعاد الإرهابيين» التي تخول السلطات الأمريكية صلاحية ترحيل أعضائها أو رفض منحهم تأشيرات دخول واشنطن. وتضم القائمة الجديدة جماعات وشركات من أفغانستان واليونان وإيطاليا ورواندا وسيراليون وجنوب أفريقيا وإسبانيا وتركيا وأوغندا واليمن. كماضمت قائمة أخرى اشتملت على السودان والصومال باعتبارهما من الدول التي تؤوي إرهابيين. وفي هذا السياق أكد أحد المحللين أن الصومال يمكن أن تكون الهدف الثاني في الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، حيث أكد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على أن الصومال تؤوي بعض أعضاء تنظيم القاعدة، ومن المحتمل أن تصبح إثيوبيا حليفة الولايات المتحدة في حملتها العسكرية ضد الصومال. ولكن مصادر بوزارة الدفاع الأمريكية تؤكد أن الأمريكيين لا يتطلعون إلى مشاركة إثيوبيا في الحرب ضد الإرهاب لأن ذلك من شأنه أن يسفر عن اندلاع حرب في المنطقة بأسرها. ولكن رغم التأكيدات على أن الصومال قد تكون ضمن أهداف المرحلة الثانية من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب إلا أن أحد المحللين السياسيين استبعد أن يكون الصومال هدفًا في الوقت الراهن لتلك الحملة لأنه إذا كان تنظيم القاعدة يمتلك شبكة في تلك الدولة الأفريقية الصحراوية فهذه الشبكة مرتبطة بالتوازنات المحلية ومتورطة فيها، كما أن طبيعة الصومال تمنعه من أن يكون ملاذًا أو قاعدة لأي حركة إرهابية سرية. وفي ضوء ما سبق يتناول التقرير بالرصد والتحليل ماهية الإجراءات الأمريكية التي اتخذت ضد الصومال؟ والموقف الصومالي من هذه الإجراءات، ثم ما هي حقيقة ما يسمى بأفغان القرن الأفريقي؟ وما هو الموقف الإثيوبي تجاه الحملة ضد الإرهاب؟ الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ضد الصومال ثمة مجموعة من الإجراءات الأمريكية التي صدرت في حق الصومال باعتباره من الدول التي تؤوي الإرهابيين وعلى صلة بتنظيم القاعدة في أفغانستان، وتتمثل هذه الإجراءات فيما يلي: ـ إدراج شركات البركات الصومالية ضمن اللائحة الجديدة التي أعلنها الرئيس بوش للإرهاب والتي تضم أسماء 62شخصية ومؤسسة يعتقد المحققون الأمريكيون بأنها مرتبطة بتنظيم القاعدة وتعتبر مؤسسة «البركات» للصرافة والاتصالات من أكبر الشركات الصومالية في مجال التحويلات المالية والاتصالات ويمتلكها ويتولى رئاستها أحمد نور جمعالي الذي ينتمي إلى قبيلة الهوية، ويعتبر أحد رواد تأسيس وتطوير العمل المالي والمصرفي في الصومال خلال السنوات التي غابت فيها الدولة وتمكن بذلك من إنشاء أول مصرف متطور ربط المهاجرين الصوماليين بذويهم وتسهيل مهمة التحويلات المالية. وأصبح لها أكثر من 130فرعًا في شتى أنحاء العالم وقد اتهمت الإدارة الأمريكية هذه المؤسسة بأنها تعمل على تحويلات مالية لمساعدة وتمويل تنظيم القاعدة وأعلن مكتب الإدعاء الأمريكي في بيان له أن هيئة محلفين عليا اتحادية وجهت إلى الشقيقين محمد حسين وليبان حسين تهم إدارة عملية تحويل مالي من دون ترخيص. ـ وفي إطار تطويق الصومال وإحكام الحصار عليه، أقرت الولايات المتحدة الأمريكية حظر نشاط شركة «صومالي إنترنت» وهي الشركة الوحيدة العاملة في مجال الإنترنت في الصومال. ـ قيام الولايات المتحدة بإرسال مسئولين عسكريين ودبلوماسيين إلى كل من آسيا وإفريقيا تمهيدًا للمرحلة المقبلة من حربها ضد الإرهاب، وفي هذا السياق جاءت زيارة وفد من المخابرات الأمريكية للصومال للوقوف على حقيقة الأوضاع هناك وباعتبار الصومال من الدول التي يوجد بها شبكات للإرهاب كما أوضحت بعض المصادر السياسية أن ضباط استخبارات من واشنطن ولندن زاروا الصومال والسودان واليمن للإطلاع على آخر المعلومات المتوافرة حول الإرهابيين وعلاقاتهم بتنظيم القاعدة وقد لعب جهاز الاستخبارات البريطاني «إم ـ 16» دورًا مهمًا في هذا الصدد، حيث قام بمؤازرة الاستخبارات الأمريكية بجمع كل المعلومات. وقد أكد مسئولون في إدارة بوش أن المرحلة المقبلة سوف ترتكز على الجانب الاستخباراتي مع المعارضين في الصومال والسودان واليمن كما سيكون هناك تعاون أمريكي مع حكومات هذه الدول على الصعيد الدبلوماسي والقانوني والاستخباراتي وستكون الجهود مشتركة بين الحكومات. ـ زيارة نائب وزير الدفاع الأمريكي لكل من إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي، وقد كشفت هذه الزيارة السرية عن وجود تنظيمات ذات صلة بتنظيم القاعدة، وقد تزامنت هذه الزيارة مع سيطرة العقيد عبد الله يوسف على مدينة جروي بعد أن هرب منها الوالي الجديد علي جامع إلى مدينة بوصاصو معقل قبيلته وسط معلومات حول توغل القوات الإثيوبية لمساندة العقيد عبد الله يوسف. ـ التنسيق المستمر مع إثيوبيا، حيث ذكرت بعض المصادر السياسية أن واشنطن أجرت اتصالات عاجلة مع إثيوبيا وأوفدت مبعوثًا خاصًا من الرئيس بوش التقى بالرئيس الإثيوبي وكبار القادة العسكريين الإثيوبيين وذلك في إطار التحضير للعمليات العسكرية ضد الصومال في المرحلة الثانية، وحسب هذه المصادر فقد حصلت واشنطن على موافقة الرئيس الإثيوبي بأن تقدم بلاده كل التسهيلات اللازمة ووعد بمشاركة قوات عسكرية إثيوبية في الحرب ضد تنظيم القاعدة بالصومال والقواعد العسكرية الأخرى. وبذلك سوف تلعب إثيوبيا دورًا مشابهًا لدور باكستان في الحملة الأمريكية ضد أفغانستان، حيث أشارت بعض المصادر أن واشنطن قد بدأت التحضير وإعداد بعض المنشآت العسكرية الإثيوبية لاستخدامها في الحرب ضد الصومال وسط توقعات عسكرية أمريكية بأن الحرب ضد الصومال لن تستغرق أكثر من أسبوع. ـ التنسيق الأمريكي البريطاني للتحضير للمرحلة الثانية من الحملة ضد الإرهاب، وفي هذا السياق ذكرت صحيفة «صنداي تليجراف» البريطانية في عددها الصادر يوم 2/12/2001 أن الولايات المتحدة طلبت من بريطانيا مساعدتها في التحضير لتدخل عسكري في الصومال وذلك في إطار المرحلة المقبلة من الحملة ضد الإرهاب، وأضافت الصحيفة أن عددًا من كبار الضباط البريطانيين الذين زاروا مركز القيادة الأمريكي في تامبا «جنوب شرق فلوريدا» تم تكليفهم بإعداد استراتيجية لهجوم قادم على الصومال وأن هؤلاء الضباط يناقشون حاليًا خططهم الهجومية مع وزارة الدفاع البريطانية. ـ تحركات أمريكية أمام السواحل الصومالية، حيث كشفت بعض المصادر عن وصول قطع بحرية حربية أمريكية إلى السواحل الصومالية على البحر الأحمر وذلك للمرة الأولى منذ بدء الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب في أفغانستان، ومن المقرر أن تنضم بعض الصواريخ إلى القطع البحرية الأمريكية وذلك في أعقاب الاتفاق مع إثيوبيا وعدد آخر من الدول الإفريقية المجاورة بتوفير قواعد عسكرية لانطلاق الطائرات الأمريكية وتشير المعلومات إلى أن الطائرات الأمريكية بدأت في القيام بطلعات جوية على ارتفاعات عالية حيث تقوم بأغراض تجسسية في مناطق محددة. وتؤكد التقديرات أن الخطة الأمريكية في الصومال سوف تتشابه إلى حد كبير مع الوضع في أفغانستان من حيث الاتصال بالقوى المناوئة والمعارضة لسلطة الرئيس الصومالي حسن صلاد وعقد اتفاقات أمنية وعسكرية مع هذه القوى وإمدادها بالأسلحة والذخيرة اللازمة للتقدم نحو العاصمة مقديشيو وأراضي السلطة الشرعية. على أن تتولى الطائرات الأمريكية حماية هذه القوى المناوئة، وقد أوضحت هذه المصادر أن البنتاجون قد أكد أن عمليات ضبط أو القضاء على عناصر تنظيم القاعدة في الصومال لن تكون سهلة مشيرة إلى ما حدث عام 1993 والتي سميت بعملية «إعادة الأمل» في الصومال. سعي الولايات المتحدة الأمريكية المتواصل لبناء وتشكيل تحالف دولي ضد الصومال من خلال إيطاليا وألمانيا وفرنسا. وفي هذا السياق أفادت مصادر إيطالية أن الولايات المتحدة طلبت من الحكومة الإيطالية مساهمة قطعها البحرية في مراقبة شواطئ الصومال خشية وصول الهاربين من أفغانستان، بينما تقوم السفن الألمانية بعمليات مراقبة وتفتيش في منطقة باب المندب وخليج عدن، في الوقت الذي تراقب فيه السفن العسكرية البريطانية منطقة بحر العرب. وفي إطار التنسيق الأمريكي الألماني لمحاصرة الصومال من خلال دول الجوار الجغرافي، قام الملحق العسكري الألماني في نيروبي عاصمة كينيا بزيارة المنطقة الصومالية المعروفة باسم «بورتلاند» التي أعلنت استقلالها عن حكومة الصومال منذ عام1991، للتأكد من استعمال ميناء باربيرا بوساسو بالإضافة إلى ميناء جيبوتي حيث ترسو القطع البحرية الفرنسية. علاوة على ذلك طلبت ألمانيا رسميًا من السلطات الجيبوتية منحها تسهيلات عسكرية غير مسبوقة لإنشاء قاعدة لخدمة القوات الألمانية والأمريكية العاملة في منطقة القرن الأفريقي. وكان وفد ألماني عسكري رفيع المستوى يضم 17عضوًا برئاسة قائد البحرية والقائم بأعمال السفارة الألمانية في صنعاء قد قام بزيارة رسمية إلى جيبوتي في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر لعام 2001. وتعد هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي يقوم فيها وفد ألماني عسكري رفيع المستوى بزيارة جيبوتي، كما أنها الأولى منذ 56عامًا التي تطلب فيها ألمانيا من إحدى الدول العربية والأفريقية منحها تسهيلات عسكرية في مياهها الإقليمية. وقد جاءت هذه التطورات في أعقاب مشاركة قوات عسكرية ألمانية في مراقبة ومسح السواحل الصومالية على المحيط الهندي والبحر الأحمر لمنع عناصر تنظيم القاعدة من دخول الصومال في حال تمكنهم من الهروب من الأراضي الأفغانية. وكانت صحيفة «صنداي أوبزرفر» قد نشرت أن سلاح الجو الأمريكي قام بطلعات استطلاعية فوق الصومال بهدف تحديد مواقع معسكرات تابعة لشبكة القاعدة قد تكون هدفًا لضربات محتملة. ونقلت الصحيفة عن مصادر في وزارة الدفاع الأمريكية أن طائرات تابعة للبحرية الأمريكية قامت بطلعات فوق معسكرين قرب الحدود الكينية وأن سفنا حربية أمريكية تمركزت قبالة مقديشيو لمراقبة الحدود الصومالية. في الوقت الذي أشارت فيه بعض المصادر السياسية إلى أن بعثة تقصي الحقائق المشتركة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة تقوم منذ أسابيع بعمليات تفتيش داخل الأراضي الصومالية عن وجود معسكرات تابعة لتنظيم القاعدة، فضلاً عن الزيارة التي قام بها مسئول أمريكي في السفارة الكينية للعاصمة الصومالية مقديشيو وذلك للتشاور مع الحكومة الانتقالية الصومالية والزعماء السياسيين الآخرين في الصومال قبل قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية ضد قوات الاتحاد الإسلامي الصومالي، وتأتي هذه التحركات الأمريكية الدبلوماسية والسياسية متزامنة في نفس الوقت مع الإجراءات الأمريكية الأخرى سواء مع قوات التحالف الغربي أو مع الدول المجاورة للصومال أو مع القوات المناوئة للحكومة الانتقالية الصومالية وذلك بهدف تقييم الأوضاع والوقوف على الحقائق في الصومال. ومن الواضح إذن أن الإدارة الأمريكية قد أصبحت على وشك تكوين قاعدة استراتيجية كبيرة في الصومال في مدينة بيداوة وذلك لموقعها الاستراتيجي حيث افتتحت معظم المنظمات التابعة للأمم المتحدة مقرات لها في المدينة خصوصًا منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية وبرنامج التنمية، وزاد من أهميتها أنها استقبلت مؤخرًا مسئولين وضباط أمريكيين لجمع المعلومات عن الوضع في الصومال وتحديد العناصر الصومالية والمنظمات المتعاونة مع تنظيم القاعدة، هذه العوامل تؤكد أن الأمريكيين ربما يفضلون اتخاذ مدينة بيداوة قاعدة لقواتهم وكذلك استخدامها لإعداد قوات صومالية من التحالف المعارض على غرار قوات تحالف الشمال الأفغانية. ويرى المراقبون أن الإدارة الأمريكية أصبحت مقتنعة بأن جنوب الصومال قد تحول إلى قاعدة ثانية بعد أفغانستان لدعم بن لادن وذلك في ضوء ما أشارت إليه بعض المصادر من أن الأوضاع الصومالية متشابهة تمامًا للأوضاع الأفغانية من حيث معاناة البلدين من فوضى وحروب أهلية طاحنة منذ عقود، فضلاً عن أن دولتين متجاورتين للصومال تناصبان بعضهما العداء هما إثيوبيا وإريتريا وتتفقان على التسابق للتعاون مع الولايات المتحدة في هذا السياق على غرار ما حدث مع باكستان والهند في الحرب الأفغانية. ومما يدعم هذه القناعات لدى الإدارة الأمريكية أن فرنسا قدمت مؤخرًا إلى الولايات المتحدة مذكرة من مراكز المراقبة التابعة لها في جيبوتي على حدود الصومال، تفيد بأن حركة غير اعتيادية حصلت بين أفغانستان وجنوب الصومال خلال وبعد أحداث 11 سبتمبر الماضي، وفضلاً عن المعلومات المتوافرة لدى واشنطن فقد أضافت تلك المعلومات الفرنسية مزيدًا من القناعة الأمريكية عن تحول جنوب الصومال إلى قاعدة ثانية بعد أفغانستان لدعم شبكة بن لادن وتنظيم القاعدة. ومما ضاعف من احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية للصومال أيضًا ما أشارت إليه بعض المصادر السياسية من تورط بعض العناصر الإسلامية في الاتحاد الإسلامي الصومالي في أحداث واشنطن ونيويورك وقيامهم بالدور الرئيسي في تنظيم وتكوين الاتحاد الإسلامي في الصومال في مطلع التسعينيات في منطقة أوجادين وما دار من صدامات مسلحة بين هذا الاتحاد وبين القوات الإثيوبية. أفغان القرن الافريقي ثمة بعض الدراسات التي تشير إلى أن عدد الأفغان في القرن الإفريقي الذين تدفقوا بعد انتهاء الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي السابق تقدر بحوالي ثمانية آلاف، انصهر أربعة آلاف منهم في مجتمعات المنطقة، وقد عقد الأفغان العرب الذين وصلوا إلى الصومال اجتماعات عدة في مقديشيو وتمخض عنها إنشاء جبهة عريضة للعمل على إقامة دولة إسلامية كبرى في القرن الإفريقي ونشط تنظيم الاتحاد الإسلامي الذي دخل في حرب مع إثيوبيا في جمع شمل «أفغان القرن الإفريقي». وذكرت هذه الدراسات أن الأفغان العرب شاركوا في القتال ضد القوات الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع قوات التحالف الصومالي الذي كان يقوده عيديد الأب فيما سمي بعملية «إعادة الأمل» في الصومال، الأمر الذي أدى إلى انسحاب القوات الأمريكية من المستنقع الصومالي، ومنذ ذلك الوقت انصهر الأفغان العرب في المجتمع الصومالي وبدأوا تنظيم قواعدهم مستفيدين من غياب الحكومة المركزية في الصومال خصوصًا العاصمة التي أضحت تحت سيطرة الإسلاميين ممثلين في ثلاث مجموعات رئيسية هي: ـ الاتحاد الإسلامي الصومالي ونشاطه محدود. ـ الإصلاح ويركز على العمل السياسي، ويمارس نشاطًا في المجالات التعليمية والإسلامية. ـ المحاكم الشرعية والتي تعتبر القوة المؤثرة في الصومال وتعتمد على القاعدة القبلية. وفي السنوات الأخيرة تقلص نشاط «الاتحاد الإسلامي الصومالي والذي كان حليفًا سابقًا لعيديد جمعتهما العداوة لإثيوبيا إلى حين انعقاد مؤتمر «عرتا» للمصالحة الصومالية الذي قلب الموازين فقد انقلب عيديد ليتحالف مع إثيوبيا والإسلاميين من مؤيدي «المحاكم الشرعية» أما الإصلاح فقد انصهر في الواقع الصومالي، غير أن المراقبين يعتقدون بأن الأفغان العرب نجحوا بمساعدة المنظمات الإسلامية الصومالية في تأسيس المحاكم الإسلامية الخاصة في الصومال التي كانت تعتبر أعلى سلطة في البلاد، وكانت تساهم بدور كبير في تسيير أعمال القضاء وسن القوانين في غياب الدولة، ووفقًا لهذه الدراسات كان للاتحاد الإسلامي الصومالي الذي اتهمته واشنطن بأنه من التنظيمات الإرهابية ـ صلة وثيقة بتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، وقد برزت حركة الاتحاد الإسلامي الصومالي مرة أخرى عندما أدرج الرئيس الأمريكي بوش هذه الحركة على قائمة المنظمات الإرهابية التي أراد تجميد أرصدتها ، وترى هذه المصادر أنه لاتزال هناك بعض القواعد للحركة في الصومال وأبرزها في رأس كامبوني على الساحل الشمالي بالقرب من الحدود مع كينيا، وإذا قررت واشنطن ضرب الصومال، فإن هذه القواعد ستكون أهدافًا منطقية، وهنا يبرز دور كل من الدول المجاورة للصومال وهي إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي. موقف دول الجوار الجغرافي للصومال «إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي» حسمت أثيوبيا موقفها من الحملة الأمريكية المزمعة ضد الإرهاب في الصومال حيث قرر رئيس الوزراء الإثيوبي مليس زيناوي تأييد بلاده الكامل لهذه الحملة واتهم صراحة الرئيس الصومالي عبد القاسم صلاد بأنه وصل إلى رأس السلطة في الصومال بدعم من الاتحاد الإسلامي الذي اعتبرته واشنطن منظمة إرهابية، وهي مؤشرات لتصعيد ومقدمة لضربات مرتقبة، كما وافق زيناوي الولايات المتحدة الرأي بأن شركة البركات التي حظرتها الولايات المتحدة أخيرًا كانت تؤمن المصادر المالية للحكومة الصومالية، مشيرًا إلى أن الشركة يمتلكها الاتحاد الإسلامي، وكشف زيناوي عن استعداد بلاده لتوجيه ضربات إلى ما وصفه بمعسكرات تنظيم القاعدة في الصومال، كما دعا زيناوي الرئيس الصومالي صلاد إلى الاختيار «إما أن يكون مع الإرهابيين، وإما أن يكون ضدهم، إما أن يختار الاتحاد وإما أن يقف مع بقية العالم غير الإرهابي». وكما أُشير إليه فإن إثيوبيا ستلعب الدور المحوري والأساسي إذ يمكنها أن تقوم بمطاردة الجماعات الإسلامية الصومالية حتى العمق الصومالي نظرًا إلى خبرتها الطويلة في هذا المنحى، وهي مؤهلة للعب هذا الدور لأنها ترتبط بعلاقات مع الأقاليم الصومالية من خلال حلفاء مثل كانتون «بنت لاند» في الشمال الشرقي، وكانتون «أرض الصومال» في الشمال، وكانتون «بابداوا» في الجنوب الغربي ولها نفوذ حتى في داخل مقديشيو، وكانت أديس أبابا قد دخلت في أربع مواجهات مع «الاتحاد الإسلامي الصومالي». أما الموقف الإريتري فقد اتضح من خلال وصول البوراح البحرية الأمريكية والبريطانية إلى الموانئ الإريترية، حيث كشف السفير الأمريكي لدى إريتريا عن تعاون بين الجانبين لمكافحة الإرهاب، في إطار سياسة الطوق التي تفرضها بريطانيا والولايات المتحدة على الممرات الحيوية في البحر الأحمر، وتوقعت بعض المصادر السياسية أن تلعب إريتريا دورًا حاسمًا في رصد تحركات الأصوليين في البحر الأحمر وتسهيل مهمة القوات الأمريكية والبريطانية، كما ستقوم إريتريا بدور كبير في تقديم المعلومات الفنية لتجربتها الطويلة في المنطقة وتداخلها مع السودان حيث كانت إريتريا الدولة الأولى في القرن الإفريقي التي بدأت مكافحة تمدد نشاط الجماعات الإسلامية في المنطقة حسب تأكيدات الرئيس أسياسي أفورقي، وكانت القوات الإريترية الخاصة تحارب تنظيم «الاتحاد الإسلامي الصومالي» الذي كان يخوض حرب عصابات في الناحية الشرقية لإثيوبيا وتعتبر القوات الإريترية أول من اخترق الأراضي الصومالية لمطاردة عناصر الاتحاد الإسلامي في أول تنسيق أمني بين أسمرة وأديس أبابا قبل تدهور العلاقات بينهما. الموقف الصومالي من هذه الإجراءات الأمريكية يمكن التمييز في الموقف الصومالي بين موقف الحكومة الانتقالية المؤقت برئاسة عبد القاسم صلاد، وبين موقف مجلس المصالحة الوطنية الصومالية، وقد اتسم موقف الحكومة المؤقتة في بداية الأمر بمطالبة رئيسها عبدالقاسم صلاد الولايات المتحدة بتقديم إثبات لتدعيم اتهاماتها لمجموعة البركات التي وضعتها واشنطن على لائحة الإرهاب، ومن ناحية أخرى أكد رئيس الوزراء الصومالي حسن أبشر فرج والذي عين في وقت قريب رئيس وزراء جديد للحكومة الصومالية المؤقتة موافقته على إمكانية نشر قوات أمريكية في الصومال بهدف قيام واشنطن بمراقبة وتعقب الأنشطة الإرهابية مشيرًا إلى أن الحكومة الصومالية المؤقتة لا تفرض سيطرتها على كامل أراضي الصومال لأنها تفتقر للموارد الرئيسية وأنها في حاجة إلى دعم دولي لمراقبة وتعقب ما يوصف بالاختراق الإرهابي. ومن ناحية ثالثة أكد السفير الصومالي في القاهرة عبدالله حسن محمود أن جماعة الاتحاد الإسلامي ما هي إلا حركة معارضة نشطت خلال فترة الحرب الأهلية في الصومال منذ عام 1991 وقويت شوكة هذه الحركة حتى عام 1994 ومع نهاية هذا العام (1994) بدأت الحركة في التشتت في جميع أرجاء الصومال وأصبح لا يوجد لها تأثير حاليًا وانتهى أمرها تمامًا ومن هنا يستبعد السفير الصومالي ضرب الصومال. وقد أكدت الحكومة الصومالية الانتقالية موقفها مجددًا من دعوة الولايات المتحدة الأمريكية لنشر قواتها على الأراضي الصومالية لتعقب عناصر القاعدة والبحث عن أي معسكر إرهابي في الصومال، وفي هذا السياق أكد رئيس الوزراء الصومالي في الحكومة المؤقتة أن بلاده على استعداد لمساعدة فرق تحقيق عسكرية أمريكية في الانتشار داخل مقديشيو وعلى الساحل لمنع دخول اتباع تنظيم القاعدة وذلك في إشارة إلى جهود حفظ السلام الأمريكية في الصومال (1992 ـ 1994) لأن الصومال بحاجة إلى عودة الأمريكيين، فصومال اليوم ليس صومال الأمس. أما موقف مجلس المصالحة الوطنية الصومالية الذي يضم أكثر من 26 فصيلة، فقد أكد حسين فارح عيديد أحد زعماء الفصائل الصومالية عن الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة ضد الإرهاب الدولي، وقد اتهم عيديد الحكومة المؤقتة بالتورط مع الاتحاد الإسلامي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وقد أوضح عيديد خلال زيارته لإثيوبيا ضرورة التنسيق مع إثيوبيا للعمل سويًا لمحاربة الإرهاب. الموقف العربي إزاء كل هذه الأحداث في الصومال، يرى المراقبون أن الموقف العربي تميز بالقصور الواضح ولعل من أوجه هذا القصور هو غياب الإعلام العربي والإسلامي الموجه إلى الغرب، فمحاولة مجلس وزراء الإعلام العرب التي بدأت قبل أشهر لوضع خطة إعلامية تتوجه إلى الرأي العام العالمي وتتناول ما يتعرض له الفلسطينيون أجهضت بفعل الخلافات العربية وغياب القرار. والحقيقة أن أي تحرك أمريكي لتوسيع نطاق الحرب لتشمل دولا أخرى عربية وإسلامية قد يهدد بانفجار الأوضاع في المنطقة ومن هنا فإن العالم العربي بات عليه ضرورة التحرك على أكثر من صعيد لمواجهة الأوضاع الخطيرة التي قد تنشب في حالة توسيع نطاق الحرب الأمريكية ضد الإرهاب. ومما يدعم الموقف العربي لمواجهة احتمالات توسيع الحملة الأمريكية ضد الإرهاب في دول عربية وإسلامية، هو الخلاف الذي بدأ يظهر في التحالف الدولي ضد الإرهاب والذي يطالب بعدم التوسع فيه، إذ ذكرت بعض المصادر أن خلافًا نشب بين واشنطن وحلفاؤها في التحالف الغربي ضد الإرهاب حول فاتورة الحرب، وكانت حرب الولايات المتحدة ضد العراق عام 1991 قد تحملت فيها الدول العربية 90% من قيمتها التي بلغت نحو 60مليار دولار، وفي الحرب ضد أفغانستان قدرت الميزانية التي تم رصدها لوزارة الدفاع الأمريكية لهذا الغرض حوالي 20مليار دولار، ولكن تقدر تكلفة اليوم الواحد من أيام الحرب في أفغانستان بحوالي 3.5 ملايين دولار. ومع احتمالات توسيع الحرب فإن فاتورة الحرب سوف تزيد الأمر الذي دعى بالنائب الديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي نورم ديكسي بطلب الدعم المادي من حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا. كما أشارت بعض المصادر الأخرى إلى معارضة أوروبية لمحاولات توسيع الحرب أو ما يسمى بالمرحلة الثانية من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب، حيث حذر المستشار الألماني شرودر من توسيع الحرب على الإرهاب لتشمل بلدانًا أخرى غير أفغانستان مؤكدًا أن الإبقاء على التحالف القائم ضد الإرهاب قد يصبح أمرًا معقدَا في حالة امتداد الحرب إلى دول أخرى في حين ألمحت بعض المصادر إلى وجود خلافات بين واشنطن وبروكسل وموسكو، فضلاً عن عواصم القرار في الشرق الأوسط فضلاً عن أن دول الاتحاد الأوروبي مازالت متحفظة على إدراج واشنطن حزب الله على قائمة الإرهاب وكذلك إدراج حزب العمال الكردستاني على القائمة نظرًا لوجود جالية كبيرة من المهاجرين الأكراد في دول الاتحاد الأوروبي، ومن هنا فإن الموقف الأوروبي من توسيع الحرب ليشمل الصومال والسودان والعراق موقف رافض لتلك الفكرة لما لذلك من تداعيات على استقرار منطقة الشرق الأوسط. الكويت: المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية