من الطبيعي والمنطقي ان تضيق الحكومة ذرعاً بالديمقراطية وبسط الحريات لأنها ترى في ذلك تهديداً لحكمها وانتقاصاً لسلطتها، خاصة اذا ما كانت تلك الحكومة عسكرية شمولية في مبتدأ عمرها واضطرتها تطورات الأحداث وكثافة الضغوط إلى تغيير منهجها الى التسليم بمبدأ الديمقراطية واتاحة قدر منها في واقع الحياة السياسية. ومن الطبيعي والمنطقي ان «تكنكش» الحكومة في كل مؤسسات السلطة، الرسمية منها والشعبية، خوفاً من ان يعني انتقال تلك المؤسسات إلى ايدي المعارضة تقوية الخصوم مما يعني ايذانا بزوال السلطة في وقت قريب. ومن الطبيعي والمنطقي ان تضيق الحكومة بالنقد حتى من عشيرتها الاقربين لأن ذلك يهدي حججا سائغة لخصومها ليقولوا عنها شهد عليها شاهد من أهلها. ان تفهم ذلك المسلك من الحكومة من باب التوضيح والتفسير لا من باب التبرير والقبول، ولكن كيف يفهم سلوك مماثل من القوى الديمقراطية المعارضة التي تقوم حجتها الدامغة ضد الحكومة على دعوى الديمقراطية وبسط الحريات والتبادل السلمي للسلطة وفقاً للتفويض الشعبي الانتخابي ورعاية حقوق الإنسان؟ ان حجة المعارضة الرئيسية في هذه المرحلة هي التمسك بالنهج الديمقراطي في الحياة السياسية، وينبغي ان يكون سلوك المعارضة الفعلي سندا لدعواها حتى تكتسب حجتها مصداقية عند الشعب فيقف مؤيداً لشعاراتها في المطالبة بالديمقراطية واشاعة الحريات وحفظ حقوق الإنسان. لقد كان سلوك القوى السياسية المعارضة في انتخابات نقابة المحامين مجافياً للديمقراطية وللجدية، كما كان سلوك قيادة حزب الأمة في معاقبتها لمبارك الفاضل مجانباً للديمقراطية والعدالة. كانت انتخابات نقابة المحامين التي تنعقد مرة كل اربع سنوات فرصة للاحزاب المعارضة ان تثبت جديتها في كسب الفئة المستنيرة إلى جانبها، وفي تقديم اطروحاتها السياسية إلى الشعب السوداني عبر منبر المحامين، وفي ترسيخ السلوك الديمقراطي بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات فالعبرة الديمقراطية أقوى حين يتحمل الطرف الخاسر النتيجة برضى كامل لارادة الناخبين. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فان أحزاب المعارضة لم تثبت جديتها في خوض معركة نقابة المحامين لأنها ظلت منقسمة إلى اللحظة الأخيرة وهي تعلم يقينا ان لا أمل لها في زحزحة النقابة «الحكومية» دون تحالف يضم كل القوى المعارضة بل استشرى الانقسام إلى داخل كل كيان وحزب معارض. ودار الخلاف الرئيسي حول ترشيح النقيب وكيفية تمثيل كل حزب في القائمة الموحدة، وطمعت بعض الشرائح الحزبية في الانضمام إلى قائمة الحكومة لأنها الاوفر حظا في كسب الجولة! وماذا كان داء الديمقراطية الحزبية سوى التكالب في دخول الحكومة ثم التشاجر على مقاعد الوزارة حتى أصبح لكل حزب «طابور خامس» في الحزب الآخر؟ ولم يسمع الشعب السوداني بأطروحات المعارضة في هذه الانتخابات، ولم تبذل قوى المعارضة جهدا لتنظيم نفسها وتسجيل عضويتها والتحرك لكسب قاعدة المحامين التي يفترض فيها الاستنارة وتقدير الحرية والديمقراطية. قد تعتذر أحزاب المعارضة بأن امكاناتها المادية ضعيفة مقارنة بالحكومة التي استطاعت ان تجلب مئات المحامين من الاقاليم لشهود الجمعية العمومية وهي حجة صحيحة، ولكن اين حركة المعارضة داخل العاصمة التي تضم اكثر من 75% من أعضاء النقابة؟ وأكبر وجود اقليمي للمحامين هو في ولاية الجزيرة التي هي على مرمى حجر من الخرطوم، وعندما اتضح لأحزاب المعارضة في اجتماع الجمعية العمومية، التي شهدها حوالي 2200 عضو من مجموع الأعضاء المسجلين البالغ 6148، ان كفة النقابة الحكومية هي الراجحة لجأت إلى التكتيكات المعهودة في اثارة نقاط النظام بلا محتوى ومحاولة التشويش على سير الاجتماع وأخيراً الانسحاب من العملية الانتخابية خوفاً من هزيمة لا يريدون الاعتراف بها. ورغم انسحاب أحزاب المعارضة اشترك في عملية التصويت أكثر من 1500 عضو مما يدل على أن عدد المنسحبين لم يزد على 700 عضو، ولا شك ان القضاء العاجل للمحكمة الدستورية في ذات اليوم بالنسبة لطعن مجموعة المحامين المعارضين بوقف اجراءات الانتخابات، وفي اليوم الثاني بالنسبة لمذكرتي النقابة والهيئة القضائية والتي رفض بموجبهما الطعن الأول يثير تساؤلات في ذهن المراقب للأحداث. لماذا تعجلت المحكمة الموقرة في اتخاذ قرار ايقاف الانتخابات إلى درجة تبليغه بالتليفون لرئيس القضاء في نفس يوم الطعن، ثم حكمت برفض ذات الطعن بحجة ان ليس هناك حقاً دستورياً للطاعنين قد انتهك حين يشرف القضاء على الانتخابات؟ ان مثل هذه العجلة معيبة في حق الجهاز القضائي الأعلى بالبلاد ويفتح الباب لشبهات التأثير الخارجي. ولكن مهما كان قضاء المحكمة الدستورية فلن يغير نتيجة المنافسة الانتخابية التي لم تعد لها أحزاب المعارضة العدة الكافية. لقد كشفت انتخابات نقابة المحامين الضعف المزري لمؤسسات المجتمع المدني في رعاية الديمقراطية والدفاع عنها دعك من محاولة استردادها من نظام شمولي يتمتع بالذكاء والقدرة التنظيمية والموارد المالية. والتحية لشريحة البعثيين بقيادة محمود الشعراني ووجدي صالح التي أكملت شوط الانتخابات الخاسرة إلى نهايته، فهذا في حد ذاته سلوك ديمقراطي سليم. القصة الثانية في اهتزاز القيم الديمقراطية جاءت من فصيل غير متوقع وهو حزب الأمة المرشح لأكبر كسب في النظام الديمقراطي، فقد قررت قيادة الحزب تعليق عضوية مبارك الفاضل لمدة عام كامل لأنه دعا إلى تجديد قيادات الحزب وتفعيل أجهزته في صحيفة سيارة. هل تشكل هذه الدعوة في نظر قيادة الحزب جريمة كبيرة تستحق هذه العقوبة القاسية التي تعني في واقع الأمر طرد مبارك الفاضل من الحزب؟ فالمزاج السوداني غير مهيأ لقبول مثل هذه المعاملة التي يراها نوعاً من المهانة والاذلال وبالتالي يتمرد عليها بصورة أو أخرى كما حدث في حالة بكري عديل من قبل والتي اضطر رئيس الحزب للتدخل والغاء العقوبة رغم رفض عديل تقديم استئناف ضدها. ان الانضباط في الأحزاب السودانية لم يصل إلى درجة عالية حتى توصف دعوة مبارك الفاضل بأنها خروج على نظام الحزب، لقد شهدنا طيلة الفترات الديمقراطية تعدد المرشحين للحزب في الدائرة الواحدة مما يفقد الحزب تلك الدائرة دون ان يعاقب أحداً لممارسة ذلك العمل التخريبي، بل غالباً ما يعتمد المرشح غير الرسمي اذا ما استطاع كسب الدائرة وقد فعلها جار النبي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة ومع ذلك أصبح رئيس الهيئة البرلمانية للحزب الحاكم! لذلك تبدو معاقبة مبارك الفاضل غير ديمقراطية وغير عادلة وكأنها تصفية حساب قديم بين التيارات والشلليات داخل الحزب ولا صلة لها بدعوة التجديد والتفعيل التي نادى بها. لست من المحبين لمنهج مبارك الفاضل في السياسة السودانية لأني أجد فيه ميكافيلية لا تخلو من انتهازية، ومع ذلك أسلم للرجل بفاعلية وديناميكية في العمل السياسي ووضوح رؤية ومقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة مما يجعله يتميز على كثير من القيادات السياسية داخل حزب الأمة وخارجه. واحسب ان حزب الأمة سيخسر بفقدانه حتى لو لم يؤد ذلك إلى انشقاق في الحزب، ونأمل ان يكرر الصادق المهدي ما فعله في حالة بكري عديل وان لا يطمع في انضباط عسكري داخل حزب سياسي سوداني فالأحزاب وليدة المجتمع ومجتمعنا غارق في الفوضى الاجتماعية والسلوكية. بقلم: د. الطيب زين العابدين