أخذت قضية العنصرية وقتاً طويلاً من العالم حتى أقرت كجريمة في الأمم المتحدة قبل توقيع اتفاقات أوسلو، ثم عادت هذه المنظمة الدولية فأسقطتها عن اسرائيل وأمريكا وأوروبا، وابقتها في دول العالم الثالث ـ افريقيا بالذات ـ ولم يعد الأوروبيون والأمريكيون يواجهون مخاطر الاتهام بالعنصرية بعد قوانين المساواة المزيفة. ورغم ذلك نجد ان هناك تمييزاً عنصرياً في الدين والعرق وحقوق الانسان مازال يسود العالم.. وربما من أجله انعقد مؤتمر دوربان الدولي. فما هي الأهداف التي انعقد من أجلها المؤتمر والأساس المرجعي له، وما هي القضايا الأساسية التي تداعى المؤتمرون لمعالجتها؟ ما طبيعة الأعمال التحضيرية التي سبقت المؤتمر، فتلك التحضيرات لها قيمتها في كشف الهموم الكبرى التي اعتلجت في نفوس المؤتمرين وبوجه خاص قضايا الرق والاستعمار والتعصب العرقي وجذورها التاريخية؟ وكيف كان الموقف العربي الرسمي والأهلي من تلك القضايا والذي تنتابه موجة نفاق، فمع الاشادة المفرطة بقرارات المنتدى الأهلي حول فلسطين لاذ أكثر المؤتمرين العرب بالصمت عن لا ونعم عن القضايا الأخرى ذات الصلة بحقوق الانسان في الوطن العربي والتي تناولها المنتدى نفسه؟ ولماذا كان هذا الصمت العربي الغريب ازاء بعض القضايا الساخنة والتي تناولها المؤتمر وكان ينبغي أن يكون للعرب فيها رأي؟ لم يجئ مؤتمر دوربان من فراغ وإنما كان امتداداً لجهد بدأته الأمم المتحدة منذ الستينيات انعكس في عدد من الاتفاقيات والاعلانات التي صدرت من الجمعية العامة والوكالات المتخصصة منذ الستينيات أيضاً، بل منذ قيام المنظمة إن أضفنا إليها الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، والذي يعتبر الالتزام به شرط لزوم لعضوية الأمم المتحدة. على رأس تلك الاتفاقيات والإعلانات إعلان منح الاستقلال للأقطار والشعوب المستعمرة (القرار 1514 الصادر في ديسمبر 1960)، إعلان الأمم المتحدة لإزالة كل أنواع التمييز العنصري القرار ( 1904 XVII الصادر في نوفمبر 1963)، قرار منظمة العمل الدولي حول التمييز في التخديم والوظائف (الصادر في عام 1958)، قرار منظمة اليونسكو حول منع التمييز في التعليم (الصادر في إديس أبابا 1960)، الاتفاقان الدوليان حول الحقوق المدنية والسياسية وحول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الصادران في ديسمبر 1966)، الاتفاق الدولي حول الغاء كل أنواع التمييز ضد المرأة (ديسمبر 1952)، الاتفاق الدولي ضد التعذيب والمعاملة والأحكام القاسية، وغير الإنسانية والمهدرة للكرامة، الاتفاق الدولي حول حقوق الطفل ديسمبر 1966، اتفاقية منظمة العمل الدولية 149( حول حقوق العمل بالنسبة للشعوب الأصلية (Indigenous People) إعلانا نفس المنظمة: (96 و143) حول حقوق العمال اللاجئين وإعلانها بشأن الحقوق والمبادئ الأساسية التي تحكم العمل (1998) كل هذه العهود والإعلانات والاتفاقيات الدولية تمثل المرجعية الأساسية للمؤتمر كما توحي بذلك ديباجات كل القرارات التي صدرت عنه بشقيه الرسمي وغير الحكومي. وبطبيعتها لا تقتصر هذه القضايا على اقليم دون غيره، كما لا ينبغي أن يواظب الحادبون الصادقون على حقوق الإنسان على إدانة انتهاك حق واحد من هذه الحقوق دون سواه، أي أن يصمتوا عن انتهاك ما عداه من حقوق. ولكن نكون أكثر وضوحاً ما هي أمهات القضايا التي تناولها المؤتمر وقرر بشأنها، لا سيما ما قرره المنتدى الأهلي. نخص المنتدى بالذكر، أولاً لأن قراراته كانت محل إشادة عربية جماعية، وثانياً لأنه كان في مواقفه أكثر اتساقا مع المنطق، وموضوعية في الاقبال على القضايا المطروحة، وأمانة في الأحكام القيمية إذ توافقت جميع أحكامه مع قواعد السلوك والمعايير القيمية التي نصت عليها الوثائق المرجعية للمؤتمر. على رأس هذه القضايا في برنامج العمل الذي اقترحه المنتدى قضيتا الرق والاستعمار وتعويض المنحدرين من أصول الرقيق على ما عاناه أسلافهم، اللاسامية، التمييز بين الآسيويين مثل المنبوذين في الهند، التمييز بين المجموعات العرقية أمام القضاء، التجريم الدولي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضرورة ملاحقة مرتكبيها دولياً، حق التعليم وضرورة تضمين المناهج التعليمية في كل العالم قراءة جديدة للرق والاستعمار بحسبانهما جرائم ضد الإنسانية، حق الحصول على المعلومات واحترام حقوق الفكر والتعبير والنشر، حماية البيئة الطبيعية والاعتراف بوحدتها العضوية رغم الفوارق السياسية واعتبار تلك الحماية مسئولية دولية مشتركة تفرض على كل الدول الالتزام بالقرارات الدولية بشأنها خروج الولايات المتحدة من اتفاقية كويتو حول الانحباس الحراري نموذجاً، يضاف إليها الاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للاقليات العرقية، الاعتراف بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل كأقلية لها ذاتيتها المستقلة حسب منطوق المادة 27 من الاتفاقية الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية، الاعتراف بحق الاكراد في الحفاظ على هويتهم المستقلة وإدانة العدوان على قراهم وممارسات التطهير العرقي ضدهم، صيانة حقوق الأقوام الأصلية Indigenous People وحث الحكومات على إعادة النظر في دساتيرها وقوانينها وأنظمتها القانونية لإزالة أي تمييز ضد هذه الشعوب ورعاية حقوقها السياسية والمدنية ومنع التمييز بين العاملين من أهلها في العمل والوظيفة، حقوق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه وإقامة دولته مع الاعتراف له بحق تقرير المصير وعودة مُهجريه، كفالة حقوق أهل التبت، كفالة حقوق الروما Roma وهو الاسم الذي يطلق على من يسمون الغجر والتذكير بما عانوه في المحرقة الالمانية فاليهود ليسوا وحدهم الذين اكتووا بنيران المحرقة، تحريم الممارسات التي تحض على الكراهية ضد أي شعب أو مجموعة ووضع الضوابط للحيلولة دون تلك الممارسات وإلى ذلك أيضاً حماية حقوق المرأة والحث على عدم استغلال الدين أو المواريث الثقافية كذريعة لانتهاك تلك الحقوق، الحض على عدم استغلال الدين للتمييز بين المواطنين والكف عن تسييس جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية على أساس الدين مع السماح للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالتحقيق في كل مظاهر الاضطهاد الديني، العولمة وآثارها السلبية والاعتراف بأن للفوارق الاقتصادية الراهنة بين الشعوب بُعداً ضمنياً من التمييز ذي الأصل العرقي، تطبيق المادة العاشرة من الاتفاق الدولي ضد التعذيب والتي تجعل منه جريمة ضد الإنسانية، حماية اللاجئين السياسيين وحث دول الاستقبال على الكف عن اصطناع القوانين لحرمانهم من حقوقهم المعترف بها دولياً، دعمّ الجهد الدولي خاصة الصندوق الدولي لمكافحة الايدز، تطبيق البروتوكول الاختياري الأول First Optional Protocol الذي يؤكد حقوق الأفراد لمقاضاة حكوماتهم أمام لجنة حقوق الإنسان بشأن أي انتهاكات لحقوقهم المعترف بها دولياً. لبلورة رؤية مشتركة حول كل هذه القضايا بعثت الأمم المتحدة، بادئ ذي بدء، باستبيان لكل الدول الأعضاء حول التقدم الذي احرزته تلك الدول في مكافحة العنصرية والتمييز العنصري وتحقيق التسامح منذ الاعلان الدولي لحقوق الإنسان. احتوى ذلك الاستبيان على أسئلة محددة مثل: كيف تُقوم الدولة جهودها لمحاربة العنصرية وتحقيق التسامح؟ ما هي الإجراءات التي توسلت بها الدول لتحقيق المساواة أمام القانون بين كل المواطنين؟ ما هي الضمانات القانونية التي اعتمدتها الدولة لتمكين المتضررين من أي تمييز من رد حقوقهم؟ ما هي الخطوات العملية التي اتخذت لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة؟ وهل اعتمدت الدولة الميثاق الأممي حول حقوق المرأة؟ وإن لم تكن قد فعلت فما هي الأسباب التي حالت دون ذلك؟ ومن المدهش حقاً أن لا يكون من بين الدول التي أخذت هذا الاستبيان مأخذ جد وردت عليه ـ بصرف النظر عما جاء في ردها ـ غير ثلاث دول عربية لبنان، العراق، دولة الامارات العربية المتحدة ودولتين أفريقيتين جنوب أفريقيا ومدغشقر. وقد يكون السبب لهذا التجاهل في بعض الدول هو ضعف الأدوات البيروقراطية لرصد هذه الظواهر وتحليلها. وقد يكون في دول أخرى هو الحرج من الإجابة على أسئلة حول ممارسات لا تقر الدولة بشأنها المواضعات التي استقر عليها رأي أغلب الأمم. وقد يكون لأن أغلب هذه الدول لا ترى في الأمم المتحدة غير منبر خطابي أو منتدى دولي لاستصدار القرارات السياسية دون أدنى اعتبار لدور المنظومة الدولية في قضايا تمس جوهر الحكم مثل حقوق الشعوب والمواطن، التنمية، رعاية البيئة، وعلى كل، فأي واحد من تلك الأسباب المفترضة، أو كلها مجتمعة، تضع الدول التي استهانت بذلك الاستبيان في موضع لا تحسد عليه. ومع اتفاق جميع الأطراف على أن المحاور المقترحة للنقاش في المؤتمر تعين على الاقتراب العملي من القضايا المطروحة عليه إلا أن الآراء تضادت في موضوعين اثنين: الأول هو الاصرار الأفريقي على اعتبار الرق والاستعمار هما عرق مشكلة العنصرية والتمييز العنصري ولهذا فلا بد من إدانتهما تأريخياً واعتبارهما جريمة ضد حقوق الإنسان تستوجب الاعتذار، كما تستوجب تعويض الذين أصيبوا من جرائها تعويضاً مجزياً. الموضوع الثاني: هو موضوع مساواة الصهيونية بالعنصرية وتطبيق جميع المعايير التي تفرضها مواثيق مكافحة العنصرية والابارتهايد على إسرائيل. حول هذين الموضوعين وقفت منظمات المجتمع المدني مع الاطروحات الأفريقية والأمريكية في حين اتخذت الحكومات الغربية موقفاً نقيضاً وكأنها قصدت إلى ما نهت عنه وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. بواعث ذلك الموقف النقيض لم تكن تمت للاخلاقية بسبب، خاصة وقد صحبها في نفس المؤتمر إزدواج فاضح في المعايير إزاء قضايا أخرى كما سنبين. إلا أننا سنبين أيضاً إزدواج المعايير عند العرب والأفارقة معاً في الاقتراب من قضايا أخرى ذات صلة وثيقة بما تداول المؤتمر بشأنه. الرق والعنصرية والاستعمار الرق ظاهرة تأريخية عرفتها المجتمعات منذ القدم بل كان في مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي مرحلة الاقطاع أحدى وسائل الانتاج المعترف بها. بيد أن الرق الافريقي يختلف في طبيعته لأسباب كثيرة عن الرق التأريخي القديم. في تناوله التأريخي لظاهرة الرق الأفريقي، تعرض المنتدى في الفقرة (65) إلى نوعين منه هما الرق عبر الأطلسي إلى أمريكا والبحر الكاريبي والبرازيل، والرق عبر الصحراء إلى الدول الإسلامية في المشرق والمغرب. ذلك أمر ينبغي أن لايغرب عن البال حتى لا يعدلنا الهوى عن الصواب أو تنحرف بنا المكابرة عن الاستيقان. وعلى أي فقد أولى المنتدى اهتماماً خاصاً للنوع الأول بسبب من حجمه، والعنف الذي صحبه، والآثار التي خلفها، دون أن يعني هذا أن هناك تمايزاً بين رق ورق، فالاختلاف بينهما اختلاف في المقدار. والرق عبر الأطلسي ترك جرحاً غائراً في نفوس الأفارقة ونفوس المنحدرين من أصول أفريقية، خاصة في الأمريكتين. وكان من الممكن لهؤلاء أن يتناسوا تلك الصفحة الدامية من التأريخ كما تناست أقوام أخرى تجارب الاسترقاق في الماضي كالسلافيين في أوروبا، والايرلنديين في إنجلترا والتركمان في البلاد العربية الرقيق الحربي والاماء، لولا الايديولوجيات التي اصطنعت لتبريره. تقول الاحصاءات الموثقة أن عدد المسترقين من غرب أفريقيا الذين نقلوا عبر الأطلسي قد بلغ خمسة عشر مليوناً في الفترة ما بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر. هذه الأرقام، كما يقول بيزل ديفيدسون في مؤلفه تجارة الرقيق الأفريقي، لا تعبر عن الحقيقة لأن أربعة من الأفارقة كانوا يهلكون لقاء اقتناص رقيق واحد أما في المطاردة أو الاحتراب أو الأعمال الشاقة المتعلقة بنقل المقتنصين إلى المرافئ. هذا يجعل من عدد الأفارقة الذين كانوا ضحية للاسترقاق أو هلكوا خلال تلك الممارسة المذمومة ستين مليوناً. بيد أن المعاناة لم تقف عند ذلك الحد إذ أن ما يقارب 13% من الذين حملوا قسراً عبر الأطلسي ماتوا خلال الرحلة. ذلك الرقم استنبطه ديفيدسون مما وقع للباخرة أمستاد (Amistad) والتي كانت تحمل (733) رقيقاً إلى هافانا هلك منهم (188) بعد رحلة دامت (52) يوماً. ومن المفارقات أن كلمة أمستاد بالأسبانية تعني الصداقة، ويا لها من صداقة. إن أخطر ما صحب الرق الأفريقي، كما سلف، هو اصطناع ايديولوجية تبرره بل أصبحت فيما بعد تبريراً رسمياً للاستعمار. وأن كان من الصعب تحديد الزمان الذي بدأت فيه هذه الأدلجة العرقية إلا أن أغلب المؤرخين يعود بها للدبلوماسي والمفكر الفرنسي الكونت جوزيف آرثر دي جوبينو Joseph - Arthur Comte de Gobineau)) . ألف دي جوبينو أربع كتب حول التمايز العرقي بين الشعوب أهمها مبحث في التفاوت بين الأجناس البشرية. وتعتبر أفكار الكاتب الفرنسي التي وضع فيها الجنس الآري على رأس كل الأجناس البشرية الأساس الفلسفي للفكر النازي. المفكر الفرنسي ابتنى أفكاره المتقيحة على نظرة عرقية ترد التمايز بين الأجناس إلى عوامل بيولوجية موروثة لا كسبية، وتُعقلن بهذا علو مرتبة الرجل الأبيض على غيره من الأقوام. والعرق (Race) حسب الانسيكلوبيديا البريطانية تعبير يشير إلى مجموعة بيولوجية معينة من الجنس البشري تمتلك خصائص جينية محددة تكفي لتمييزها عن غيرها. ولا خلاف في أن هناك تبايناً بين الأجناس البشرية تتوارثها جينياً genetically)) مثل لون البشرة ونسيج الشعر إلا أن هذه الظواهر الخَلقْية لا تفرض بالضرورة تمايزاً خُلقياً. بعض هذه الظواهر ردها العلماء مثل كارل بيرقمان العالم البيولوجي الألماني من القرن التاسع عشر إلى اعتبارات مناخية مثل التناسب بين درجة الحرارة الخارجية والأوزان في الحيوانات ذات الدم الدافيء فالاوزان تقل في المناطق الحارة ثم تاخذ بالارتفاع في المناطق المعتدلة لتعاود انخفاضها في مناطق الصقيع البارد وهذه النظرية تعرف بمعيار بيرجمان . بالرغم من ان ابن خلدون سبق بيرجمان لهذا الرأي في المقدمة الثالثة حول تأثير الهواء في الوان البشر. على أن الزلة الكبرى للمؤرخ الإسلامي العظيم كانت في اعتباره أن للهواء أثراً أيضاً في المكتسب من العادات وليس فقط في الصفات الموروثة (المقدمة الرابعة في أثر الهواء في أخلاق البشر). وإلى هذا الأمر نعود. تلك النظرة الأوروبية العنصرية الضيقة، والتي وضعت الأسود في أسفل سلم التدرج البشري لالسبب إلا للونه، أصبحت عقيدة بُرر بها الاستعمار، إذ أصبح هذا التمييز العرقي الناجم عن أفكار تخالف البدائة تبريراً أيديولوجياً للاستعمار. فالبريطانيون، مثلاً، لم يبرروا استعمارهم للهند، كما لم يبرر الفرنسيون استعمارهم للهند الصينية على أساس عرقي، إلا أن الدولتين استباحتا استعمار أفريقيا ارتكازاً على نظرة استعلائية عرقية تبدت في فكرتي عبء الرجل الأبيض عند البريطانيين، والرسالة التحضيرية عند الفرنسيين. وبالطبع فإن كل هذه الفلسفات التبريرية التي ظلت سائدة حتى بعد الالغاء الرسمي لتجارة الرقيق فرنسا 1694، بريطانيا 1807 وأمريكا 1865 هي ذرائع لتكريس الهيمنة الاقتصادية. ولهذا أحسن الأفارقة فعلاً عندما أعلنوا بأن الرق والاستعمار وجهان لعملة واحدة. فأفريقيا لم تكن تهدد مصالح تلك الدول أو الكيانات العرقية البيضاء في أوروبا بأي وجه من الوجوه بل كانت هي ضحيتها. هذا الاعتبار وحده يجعل من الابارتهايد في جنوب أفريقيا نمطاً من العنصرية يختلف عن الاستعلاء الغربي الاستعماري لأنه يمثل ظاهرة خوف تكاد تكون ذات بعد باثولوجي. فالابارتهايد ـ مع عنصريته البغيضة ـ كان تعبيراً عن القلق وعدم الاستقرار الذي أحست به مجموعة ظنت بانها مهددة داخلياً ولهذا سعت لحماية نفسها، أو بالحري حماية هيمنتها الاقتصادية والسياسية، بأسلوب قمعي غير رشيد. لهذا أصدرت قانونها الغبي الذي يقرر عدم المساواة بين البيض والسود حتى في الكنيسة (1915)، وقانون الأراضي (1913) الذي وضع ثمانين بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في يد عشرة بالمئة من السكان، وقانون العلاقات الاجتماعية (1934) الذي حرم الزواج بين البيض والسود. وكان للرئيس مانديلا رأي حكيم صائب في خطابه الذي نقل متلفزاً من منتجعه الى المؤتمر. قال الزعيم الاسطوري: «العنصرية مرض قتال يضني الروح والجسد أكثر من أي وباء آخر. أن انتصارنا على التمييز العرقي لا يكفي لأن التمييز العرقي عَرَض من أعراض ذلك الداء الوبيل». لهذا يفيد كثيراً أن يذهب الباحثون لتقصي الفيروس الحقيقي الذي يتولد منه الداء. ظاهرة الاستعمار الاستعمار، قبل كل اعتبار ورغم كل ذريعة، ظاهرة اقتصادية تأريخية. وبالرغم من أنه لعب دوراً هاماً في تحديث الدول المُستَعمَرة بإنشاء الدولة العنصرية وتشييد بُناها الفوقية إلا أنه في ذات الوقت أعاق النمو الطبيعي لكياناتها التأريخية بتحديث لم يخل في بعض جوانبه من الاصطناع، كما حدد وقع خطى التحديث نفسه بالصورة التي تحمي مصالحه وترتهن أرادة الشعوب والدول لمتطلبات أسواقه الرأسمالية. من هنا جاء الحديث عن التعويض المادي أولاً من جانب المنحدرين من أصول الأرقاء في أمريكا وثانياً من جانب أفريقيا. للمجموعة الأولى قضية خاصة بها زاد من حدتها حماس الأمريكيين البيض لتعويض اليهود عما لحق بهم في العهد النازي بما في ذلك التعويض عن آثار السخرة والعمل الإجباري الذي فرضته عليهم النازية. أما من جانب أفريقيا فقد عبر الرئيسان عبد الله واد (السنغال) وأوباسنجو (نيجيريا) عن رفض أفريقيا لأي تعويض مادي عن الرق بحسبانه عملاً غير إخلاقي، إذ كيف لأي مجتمع يحترم نفسه أن يتاجر بدماء أسلافه. بيد أنهما ـ مع جنوب أفريقيا ـ طالبا أولاً رد الاعتبار الأدبي لأفريقيا بالاعتذار عن تجارة الرق والاستعمار، وثانياً إنقاذ أفريقيا من الهوة السحيقة التي أودى بها الاستعمار إليها. ذلك يتمثل في إلغاء الديون، وحماية المنتجات الأفريقية من القوانين الصارمة التي تحاول فرضها منظمة التجارة الدولية، وإعادة التوازن للتبادل التجاري لكيما يتزن العِدل، ومضاعفة الاستثمار الاجنبي في التنمية، وتوفير قدر أكبر من التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير الموارد الإنسانية عبر التعليم والتدريب، وبصورة عامة إقامة صندوق دولي تغذيه هذه الدول لدعم اصلاحات هيكلية للبنية الأساسية في أفريقيا. كل هذا لا ينفي بالطبع أن كثيراً من الحكومات الأفريقية لعبت دوراً كبيراً في صنع مآسيها الراهنة، إما بتكريسها لمناهج التنمية الموروثة من الاستعمار، أو لممارستها لسياسات تُعمّق من التبعات التي خلفها الاستعمار، أو للفساد الإجرامي الذي مارسه بعض حكامها. كان موقف المنتدى الأهلي متطابقاً مع الموقف الأفريقي ومع موقف الأمريكيين الأفارقة في كل قراراته (الفقرات من 230 إلى 264) من برنامج العمل بما في ذلك حق التعويض. أما الحكومات فكان أمرها أمر، اعترضت على مبدأ الاعتذار عن الرق والاستعمار بدعوى أنها لا تريد نكأ الجراح كما لا تريد للأجيال الراهنة من أبنائها أن تتحمل أوزار أجيال سبقت. عن هذا الرأي شذت دولة واحدة ألمانيا أعلن وزير خارجيتها يوشكا فيشر اعتذار حكومته عن الاستعمار وتعهدها بالعمل على تطوير معوناتها الفنية والمادية لأفريقيا. هذا بالرغم من أن ألمانيا حديثة عهد بالاستعمار إذ لم تنشط فيه إلا على عهد بسمارك بعد خمسين عاماً من إلغاء تجارة الرقيق. أما الدول الغربية التي كان ينبغي عليها التخلص من عبء تأريخي فادح استنكفت الاعتذار عنه، وتجاهلت مطالب التعويض بشأنه حتى بالصورة الحضارية التي عرضها الرئيسان واد وأوباسنجو، لم تستذكر ان تراكم الثروات فيها يعود بالدرجة الأولى للإنتاج الزراعي الذي قام على أكتاف الارقاء في مزارع السكر والقطن والتبغ في أمريكا والبحر الكاريبي، وعلى ارتهان المنتجات الأولية الزراعية والمعدنية مثل القطن والتبغ والمطاط والنحاس والكروم والقصدير في الدول المُستَعِمرة. هذا بالإضافة إلى حرمان أفريقيا من قواها العاملة المقتدرة والتي يقُدر عددها ـ على أحسن الاعتبارات ـ بخمسة عشر مليوناً، وعلى أسوئها بستين مليوناً. ولم يكن موقف الغائب الأكبر عن المؤتمر ـ الولايات المتحدة ـ أحسن حالاً من موقف الدول الاستعمارية إذ أعلنت قبل انسحابها رفضها لموضوعي الاعتذار عن الرق والتعويض عنه. لم يجاف السفير أندرو ينق سفير الولايات المتحدة بالأمم المتحدة على عهد كارتر الصواب عندما قال في حديث لـ (CNN) أن ذلك الانسحاب غير مبرر، خاصة ولأمريكا ما تقول حول سياساتها الرسمية ضد العنصرية وما أصدرته من قوانين منذ حركة الحقوق المدنية في الستينات التي قادها مارتن لوثر كنج وكان ينق واحداً من اتباعه المقربين. موقف حكومة الولايات المتحدة، بلا شك، يمثل تحولاً حاداً عن موقف الإدارة السابقة، إذ كانت أول بقعة يطأها الرئيس كلينتون في أولى زياراته لأفريقيا هي المرفأ السنغالي الذي كان ينقل منه الرقيق عبر الأطلسي. في تلك البقعة أعلن كلينتون: «جئت الى هنا لأعتذر لكم عما صنعه أسلافنا». ولعل خشية النظام الرئيسية لم تكن من الاعتذار الأدبي بقدر ما هي من تبعات التعويضات التي قد تصل إلى بلايين الدولارات كما تشير إلى ذلك التقارير التي أعدها القانوني الأمريكي الأفريقي الأصل شارلس أوجلنتري وهو قانوني مرموق يعمل بالتدريس في جامعة هارفارد. كم كان بريئاً المتحدث السويسري عندما قال: «نحن نفهم ما يطالب به الأفارقة من تعويضات لأننا نفهم ما يطالب به اليهود كتعويض عن معاناة أسلافهم في المحرقة، إذ ما زلنا، رغم أن بلادنا لم تشارك في الحرب، نطالب بدفع التعويضات لضحايا تلك الحرب» موقف الدول الأوروبية ذات التأريخ الاستعماري وموقف الولايات المتحدة في الحالتين يعكسان ازدواجية غريبة في المعايير. فعلى سبيل المثال دعت هذه الدول منذ الاجتماع التمهيدي للمؤتمر في جنيف لإبراز نص في القرارات يدين المحرقة وهو أمر سليم لا يرفضه عقل راشد. ولكنها أضافت لذلك النص كلمات لها دلالاتها هي: «ويجب أن لا تنسى». يوحي هذا التعبير بأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يجب أن لا تمحى من الذاكرة. بيد أن نفس الدول سعت لاسقاط كل تأريخ الرق والاستعمار من الذاكرة، بل اصطنعت لها ذريعة تبرير لهذا الاسقاط هي عدم تحميل الأجيال الراهنة مسئولية أسلافهم. كم ستكون سعيدة بهذا التبرير الأجيال المعاصرة من الألمان والتي لم تعش في فترة النازية. ومع هذا ظلت تدفع حتى وقتنا هذا دية المحرقة وكأن بها محرقة كجهنم لا تنيء تقول هل من مزيد من المال. وفيما يبدو فإن في عُرف سادات العالم الاستعماري القديم أرادوا القول بأن من انتهاكات حقوق الإنسان ما يسقط بالتقادم ومنها ما لا يسقط. يبلغ التناقض أقصى درجاته عندما ننظر إلى كيف سارعت الإدارة والكونجرس الأمريكي بمنح شركات الطيران الأمريكي تعويضاً يبلغ خمسة بلايين من الدولارات بالإضافة إلى عشرة أخرى كقروض مضمونة بسبب ما عانته بعد حادث الثلاثاء المشئوم 11 سبتمبر 2001، في الوقت الذي ما فتئت فيه هذه المؤسسات تبحث عن مهرب من تعويض أخلاف خمسة عشر مليوناً من أبنائها على ما لحق بأسلافهم. د. منصور خالد