كأنما كل الفرقاء السودانيين باتوا في قناعة مطلقة بأن جميع أوراق حل أزمتهم المزمنة بيد أمريكا وحدها. الجميع في الداخل والخارج يراهنون على مهمة الموفد الأمريكي الزائر ويرون فيه المنقذ. المفارقة ان كل معسكر يأمل في الحصول على عون أمريكي لتفكيك مواقف الطرف الآخر من زاوية مغايرة لرؤية ذلك الطرف. جانب كبير من الأزمة السودانية يتمثل في ان فرقاءها يراهنون على محاور في الخارج أكثر من استنادهم إلى قواهم المحلية في تصفية الأزمة. هكذا هو حال تجمع المعارضة وهو حال النظام. رهانات التجمع بدأت على محاور اقليمية ثم انتهت به إلى واشنطن. صحيح ان التجمع تحدث عن رهان على الداخل ممثلاً في الانتفاضة غير انه اسند ظهره إلى قوى اقليمية أكثر من اعتماده على حركته في الداخل. النظام راهن بدوره على حدوث تغييرات من شأنها تفكيك المحاور التي استندت عليها المعارضة. في هذه الاثناء لم يسقط الطرفان أمريكا من حسابتهما بل بذل كل جهوده للفوز بودها ودعمها. وحين وهنت خطوط المعارضة مع محاوره الاقليمية وتشابكت دفعت رهانها الأمريكي. التجمع كان يراهن دائماً على انه اقرب إلى واشنطن من النظام من منطلقات تبدو منطقية في ظاهرها. لكنه لم ينج من المفاجأة حينما اكتشف وحملة أمريكا ضد الإرهاب في ذروتها ان النظام سبقه إلى واشنطن واحتل مكانة لدى الإدارة الأمريكية فقد فاجأت الخرطوم الجميع حينما اعترفت بأن تعاونها مع واشنطن في ملف الإرهاب يزيد عن سنة. رهان النظام على أمريكا قديم اذ ظل يأمل في حملها لوقف دعمها إلى جون قرنق وحركته أو على الأقل الضغط عليه من اجل الجلوس إلى مائدة مفاوضات. قناعة النظام كانت ولا تزال ان التجمع دون قرنق خيمة خاوية يمكن لأي ريح ان تعصف بها. قرنق يراهن هو الآخر على استمرار الدعم الأمريكي للاجهاز على النظام أو فرض طروحاته على الخرطوم. منطلق قرنق ان واشنطن لا تريد نظاماً يكتسي ثوب النظام السوداني. بعض فصائل المعارضة يراهن على ان الدعم الأمريكي لها مباشرة أو عبر قرنق للتجمع سيجبر النظام على ابتلاع اجندته المتطرفة والقبول بفصل الدين عن الدولة وافساح المجال للتعددية. كل الفصائل يمكن ان تقول ان رهانها على الداخل منحوت في ادبياتها غير ان كلها تدرك ان ايقاع حركتها في الخارج اكثر وأعلى. فالرهان على الداخل لا يكون بالاسترخاء على ضفاف النيل. مايتناساه البعض ان تحت الجسور الخارجية تمر دائماً مياه غزيرة تمخرها زوارق وبوارج متنوعة عليها آمال وأهداف مختلفة. لا أعتقد ان ليس بين الساسة السودانيين في المعسكرين من لايدرك ويستطيع ان يقنع بأن أمريكا لديها دوما رهانات خاصة ممرحلة مبنية على استراتيجية طويلة الأمد وان كل إدارة تعقب أخرى تكرس نفسها بالضرورة لخدمة تلك الاستراتيجية ولايهمها أي طرف آخر الا بقدر ما ترى فيه فرساً للرهان عليه من أجل خدمة تلك الاستراتيجية. بين الثابت والمتغير أمريكياً تمنح كل إدارة نفسها قدراً من المرونة. لا أحد في المنطقة سيصفق لأي جواد يقبل طوعاً أو قسراً ان يركض من اجل رهان أمريكا في هذا المنعطف الراهن على الأقل. عمر العمر