أكد الخبير العسكري المصري اللواء متقاعد دكتور ممدوح عطية ان التخوف من استخدام الهند وباكستان للسلاح النووي في الأزمة المتصاعدة بينهما حالياً، ليس له ما يبرره، معبراً ان الدولتين لا تنويان المخاطرة بمصائر شعوبهما أو بقائهما احياء. وقال عطية الذي يعد أحد المتخصصين في مجال أسلحة الدمار الشامل في حديث لـ «البيان»: ان البرنامج النووي الباكستاني كان عرضة دائماً للمؤامرات الخارجية، لا سيما من جانب إسرائيل والغرب وروسيا والهند، مشيراً إلى ان تعاون اسلام اباد مع التحالف الذي شكلته أمريكا لضرب ومحاربة الإرهاب، كان بسبب الحفاظ على القدرات النووية الباكستانية.. وفيما يلي نص الحوار: ـ هل كان لتخوف العالم من استخدام السلاح النووي في الأزمة الباكستانية الهندية الراهنة له مايبرره؟ ـ في اعتقادي انه لم يكن هناك مبرر لكل هذا الحجم من التخوفات التي ظهرت في العديد من دول العالم، لانه عندما تم الاعلان من جانب الدولتين عن امتلاكهما للقدرات النووية اعتبر ذلك بمثابة اتفاق ضمني على عدم استخدام هذه القدرات في أي أزمات طارئة بينهما، وقد يكون التهديد الضمني غير الصريح وارد، لكن اعتقد ان الفعل والتنفيذ غير وارد.. واذا نظرنا الى الازمة الراهنة بعين فاحصة سنجد أن الهند لم توح بشكل قاطع بأنها لن تستخدم القوة العسكرية ـ بما فيها النووية ـ ضد باكستان اذا دعت الضرورة لذلك.. كما سنجد ان باكستان هي الاخرى لم تدع مجالا للشك في انها سوف ترد عسكريا اذا ماهوجمت من قبل الهند.. وعلى الرغم من ذلك الا أن الدولتين قامتا مؤخرا بتجديد اتفاق 1991 المبرم بينهما، وهو الاتفاق الذي يلتزم فيه كل طرف بعدم مهاجمة المنشآت النووية للطرف الآخر، ولا شك أن تجديد تلك الاتفاقية ـ في الظروف الراهنة ـ يعطي مؤشرا قويا على أن الاسلحة النووية ومنشآتها خارج التفكير، وان الدولتين لا تنويان المخاطرة بمصائر شعوبهما أو بقائهما أحياء، فهناك بالفعل أزمة حادة، لكن هناك ايضا حدود للتعامل معها عسكريا. ـ هل معنى ذلك أنه لا خطر، ولا ضرورة للتخوف من هذا الخطر في تلك المنطقة من العالم؟! ـ الأمر ليس كذلك ايضا، فكما قلت سابقا ان التخوف لم يكن له مايبرره، لكن بالنسبة للمخاطر فهي قائمة. لأن جنوب اسيا يوجد بها ثلاث دول تتصارع فيما بينها، ولديها قدرات نووية، وهذه الدول هي الهند وباكستان والصين، واذا ظل الصراع والنزاع بين هذه الدول الثلاث سيظل الخطر قائماً، وقد عبر عن ذلك خبراء الاسلحة النووية في العالم عندما قال أحدهم بان هذه المنطقة ـ جنوب اسيا ـ هي من أخطر مناطق العالم نوويا.. وعلى الرغم من اعتراف كل من الهند وباكستان بامتلاكهما لقدرات نووية الا انهما لم يعترفا حتى الوقت الراهن بامتلاكهما لرؤوس نووية جاهزة للاستعمال، الا انه يمكن القول والتأكيد بأن هناك نظام ردع نووي قد تم بناؤه عند الدولتين.. ومن المعروف أن الصين لديها ترسانة ضخمة من الرؤوس النووية الجاهزة للاستخدام، وطالما ان الثلاثة لديهم هذا السلاح، فإن الخطر قائم. فمن ناحية الهند فهي تعتقد ان باكستان لديها مخزون من القنابل النووية الجاهزة، أو على الاقل لديها القدرة على التركيب السريع للرؤوس النووية التي تم تصنيعها، وتعتقد باكستان أن الهند لديها قدرات تسليحية نووية متطورة، وان حجز الزاوية الاستراتيجية النووية الباكستانية يأتي من خلال تطوير قدراتها في هذا المجال بما يمكنها من ضرب كل من نيودلهي.. وبومباي.. والهدف الاستراتيجي للهند هو بناء قوة ردع نووي فعال ضد الصين في البداية، ثم رأت بعد ذلك أن باكستان تأتي في استراتيجية متقدمة في مجال التهديد العسكري قبل الصين، لذا أصبح التحدي الكبير امام العالم الآن هو منع مثل هذه الصراعات ونزع فتيل الازمات والسيطرة على درجة ومعدل التسلح النووي، أي ضبط التسلح في تلك المنطقة. المؤامرات الخارجية ـ هل كان لتواجد القوات الأمريكية بالقرب من المنطقة دور في نزع فتيل اللغم النووي بين الدولتين؟ ـ سواء كانت القوات الأمريكية موجودة في المنطقة أو غير موجودة فانه كان ومازال من الصعب اللجوء الى الخيار النووي، مع التأكيد بأن تواجد القوات الأمريكية بالقرب من المنطقة، بل وداخل باكستان ذاتها قد ساعد على ذلك بشكل كبير.. فهل كان يمكن للولايات المتحدة ان تقف مكتوفة الايدي امام احتمالات ضرب باكستان بصواريخ نووية؟! بالطبع، لا ولذلك تحركت أمريكا سريعا، وحركت بريطانيا وغيرها من دول العالم لنزع فتيل الخطر النووي عن المنطقة. ـ رغم ذلك، هناك من يرى خطرا على باكستان تحديدا من الاضرار بقدراتها النووية نتيجة مؤامرات خارجية؟ ـ هذا صحيح الى حد كبير، وقد كانت باكستان في فترات كثيرة وحتى قبل الاعلان عن امتلاكها قدرات نووية معرضة لمثل هذه المخاطر والمؤامرات فمن ناحية تنظر اسرائيل الى البرنامج النووي الباكستاني على انه (برنامج اسلامي) وأيضا (عربي) وقد قامت اسرائيل بتحذير باكستان من انها قد تضطر للتدخل وتقوم بتدمير المنشآت النووية الباكستانية حال التأكد من اعتزام باكستان انتاج أسلحة نووية، ولا شك أن الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى وكذلك روسيا والصين والهند واسرائيل ينظرون بعين الترقب الى قول الرئيس الراحل بوتو الذي مفاده: ان الحضارات المسيحية واليهودية والهندية وكذلك القوى العظمى تمتلك القنبلة النووية، ولكن الأمة الاسلامية لا تمتلك هذا السلاح، ولابد أن يتغير هذا الوضع.. ورغم ان ذلك ليس صحيحا تماما، فقد أعلنت باكستان بعد ذلك ان قدراتها النووية مصنوعة فقط من أجل التوازن في القوى مع الهند وانها لن تستخدم اطلاقا ضد اسرائيل. وكانت تلك التصريحات بمثابة الحد من مخاوف أمريكا على حليفتها الصغرى اسرائيل ولكن هذا لم يمنع من وجود واستمرار المخاطر والمؤامرات الخارجية على باكستان، ونعلم ان انضمام باكستان للتحالف مع الولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب كان نتيجة لتخوف القيادة الباكستانية من الاضرار بقدراتها النووية. وكانت اسرائيل ترقب عن كثب جهود باكستان من أجل امتلاك القدرة النووية، كما تابع جهاز مخابراتها (الموساد) نشاط باكستان في أوروبا بالتعاون مع ليبيا ثم السعودية لتوفير مكونات المعمل الحار اللازم لتخصيب اليورانيوم بطريقة قوة الطرد المركزية. وفي عام 1975 قام الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكية في ذلك الوقت بزيارة لباكستان وناقش ذوالفقار علي بوتو حول النشاط النووي الباكستاني، وكانت جهود اسرائيل وضغوطها السياسية خلف هذه المناقشة وماتبعها من ضغط أمريكي ضد باكستان. وفي ربيع عام 1979 وعندما تسربت انباء هروب الدكتور عبدالقار خان من هولندا، ارسل مناحم بيجين رئيس وزراء اسرائيل في ذلك الوقت رسالة شخصية الى رئيس وزراء هولندا أعرب فيها عن قلقه ازاء المساعدات الفنية التي تقدمها احدى الشركات الهولندية لباكستان من اجل تنمية وتطوير قدرتها النووية. وقالت صحيفة (يديعوت احرونوت) الاسرائيلية التي نشرت هذا الخبر ان مناحم بيجين قد اشار في رسالته الى الخطر الكامن بالنسبة لكل المنطقة والمصالح الغربية بها والناجم عن نشاط باكستان النووي. ومنذ عام 1974 استشعرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كثافة النشاط النووي الباكستاني خاصة عقب التفجير النووي الهندي، وحاولت الحكومة الأمريكية اقناع فرنسا بتقديم اعتذار رسمي بعدم قدرتها على استكمال بناء احدى المحطات النووية أو الامداد بالمعدات اللازمة لها. وفشلت القيادة الباكستانية في تعديل القرار الفرنسي بايقاف هذا التعاون. وفيما يتعلق ببريطانيا فقد كانت الدولة الاسبق في تكوين المجموعة الاوروبية للاشراف على حظر تصدير التكنولوجيا النووية المتقدمة الى دول العالم الثالث وخاصة باكستان وذلك اعتبارا من النصف الثاني من عام 1974 وقد نفذت بريطانيا عملية الحظر عدا ما أعلن عن قيام شركة بريطانية ببيع 31 عاكساً كهربائياً الى باكستان وهذه العواكس تستخدم في خلايا تخصيب اليورانيوم بطريقة قوة الطرد المركزية، البدايات الأولى ـ كيف بدأت باكستان في بناء قدراتها النووية رغم هذه المحاولات التي وقفت ضدها؟ ـ في عام 1958 عين ذوالفقار علي بوتو رئيسا لما يسمى بلجنة الطاقة الذرية في باكستان، وكان ذلك بمثابة قرار اصدره رئيس الوزراء في ذلك الوقت، ايمانا بقيمة التقدم النووي الذي ظهر مع استخدام الولايات المتحدة الأمريكية، لأول قنبلة نووية في التاريخ البشري عام 1945 وبفضل ذوالفقار علي بوتو وقليل من مساعديه من الشباب، أمكن انشاء لجنة الطاقة الذرية الباكستانية وتم وضع هيكلها التنظيمي وأهدافها القومية كما تم البدء في تنفيذ تلك الأهداف وتم ارسال المئات من الشباب الباكستاني الى بلاد أوروبا والولايات المتحدة وكندا لدراسة العلوم النووية المختلفة والتطبيقات الممكنة لها. كما أصدر ذوالفقار علي بوتو قراره التاريخي ببناء معهد باكستان التكنولوجي (بنيتش) وكلف (ادوارستون) بتنفيذ هذا القرار بل قام بوضع حجر الاساس له في احدى ضواحي اسلام اباد العاصمة وذلك بعد اتمام الدراسات الخاصة بذلك المعهد. ومن المعروف ان ذوالفقار علي بوتو، ومجموعة مستشاريه، قرروا الاسراع في تنفيذ البرنامج النووي الباكستاني، حيث كلف بوتو جهاز المخابرات الباكستاني التنسيق مع مؤسسة الطاقة النووية من أجل تحقيق هذا الهدف، وقد تم اختيار الدكتور عبدالقادر خان ليكون هو وسيلة تحقيق هذا الهدف، علميا وكان مازال يدرس في هولندا للحصول على درجة الدكتوراة. وفي منتصف عام 1975 كان الدكتور عبدالقادر قد حصل على كافة الرسوم والدراسات التفصيلية عن المفاعل السري الخاص بتنشيط اليورانيوم بطريقة القوة الطاردة المركزية، وكذلك كشوف تفصيلية باسماء مكونات المفاعل والشركات المنتجة لها. أب القنبلة الباكستانية ويقول عطية: في نهاية صيف عام 1975 تمكن الدكتور عبدالقادر من وضع تصميم كامل لمفاعل متوسط القدرة لتنشيط اليورانيوم يقام في باكستان وقام بتسليم كل الأوراق والرسومات والبيانات التي لديه لرجال المخابرات الباكستانية الذين كانوا يزورونه في منزله. وأقامت باكستان عدة شركات وهمية في عدة دول في أوروبا من أجل شراء مكونات المفاعل النووي المقترح من الشركات المنتجة لها تحت دعاوى خاصة باقامة مصنع نسيج حديث ومتطور في باكستان. وفي شهر نوفمبر 1975 غادر الدكتور عبدالقادر خان هولندا مع زوجته وأولاده الى باكستان حيث تم تعيينه مشرفا عاما على المشروع السري رقم 706 وهو اقامة مفاعل نووي خاص لتخصيب اليورانيوم من أجل صناعة الأسلحة النووية في باكستان. حقا لقد كانت عملية تجسس ناجحة للغاية التي قامت بها وادارتها حكومة باكستان الاسلامية حيث تمكنت دولة ذات قاعدة صناعية محدودة جدا من اقامة تكنولوجيا نووية متقدمة جدا عن طريق سرقة اسرارها التفصيلية من مجموعة دول أوروبية عكفت على العمل المتواصل اليها سنوات طويلة وتكلفت ملايين الدولارات. وللهند قصة أخرى ـ وماهي الخطوات التي اتخذتها الهند لبناء قدراتها النووية؟! ـ حققت الهند تقدما سريعا لبرنامجها النووي للاغراض السلمية الذي يرجع تاريخه الى عام 1948، عندما تأسست وكالة الطاقة الذرية لعمل برنامج نووي يمكن الهند من انتاج كل المواد الاساسية المطلوبة لاكتفاء الطاقة الذرية، وقد أدى هذا التقدم السريع الى التمكن من خلق قدرة تسليح نووية. وقد عين مستر (هومي بها) كرئيس لوكالة الطاقة الذرية الهندية، والتي ضمت ايضا في عضويتها عالم الفيزياء الشهير (س. ف رامات) الحاصل على جائزة نوبل عام 1930. قامت الهند في منتصف الخمسينيات ببناء مفاعل نووي في بومباي، وكان بمثابة أول مفاعل نووي في آسيا خارج الاتحاد السوفييتي. وفي عام 1960 تم بناء مفاعل نووي للبحوث بقوة 40 ميجا وات أطلق عليه اسم ْى في منطقة (زومباي) بمساعدة من كندا بهدف استخدامه في اجراء البحوث، وذلك بناء على الاتفاقية الهندية ـ الكندية التي وقعت بينهما عام 1956 وذلك قبل تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لذا لم يوضع تحت المراقبة الدولية. وفي عام 1964 ـ وهو العام الذي اجرت فيه الصين تجربتها النووية الأولى اتمت الهند انشاء أول مفاعل لها للتخصيب في (ترومباي) ونتيجة لذلك تمكنت من انتاج نوع من البلوتونيوم الذي استخدم في التجربة النووية التي اجرتها الهند عام 1974. وتمتلك الهند الآن برنامجا نوويا ذو قاعدة عريضة، ولديها العديد من البحوث، وقد تم نشر العناصر المكونة للترسانة النووية الهندية في انحاء متفرقة من الدولة حتى لا تتمركز في منطقة واحدة. ويوجد لدى الهند برنامج طموح لبناء مفاعلات طاقة، على الرغم من انه في الفترة الراهنة تتيح لها مفاعلات الطاقة المتيسرة مايعادل 2.2% من اجمالي الكهرباء المنتجة في الهند. ويوجد في الهند الآن تسع مفاعلات طاقة عاملة وجاري انشاء مفاعلات اضافية، ولم يوضع 4 من تلك المفاعلات ولا مفاعلات الابحاث تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية الدولية. وبالرغم مما يجابه الهند من مشاكل فنية ومادية تتعلق بارتفاع تكفة انشاء المفاعلات، الا انها اعلنت عن عزمها بناء مفاعل قدرته 500 ميجا وات بالقرب من (مادراس). وبالاضافة لذلك فانه من المعروف ان الهند تعتبر من الدول التي تفتقر الى مصادر الطاقة، وتمتلك أيضا مخزوناً ضئيلاً من اليورانيوم، مع عدم وجود وسيلة للحصول على تلك المادة من الخارج بسبب برنامج التسليح النووي. غير أن الخطة الطموحة التي وضعتها الهند لاقامة وتطوير مصدر غير محدود للطاقة تحت سيطرة قومية، ادت الى الاهتمام بتطوير التقنية الخاصة بذلك، ويوجد لدى الهند مفاعل نووي للابحاث تم رفع قدرته عام 1993 من 400 كيلو وات الى 4 ميجاووات. وفيما يتعلق بالخيار النووي العسكري فان المفاعل (hruva) والمفاعل Cirus)) واللذين يمكنهما انتاج 88 رطلاً من البلوتوينيوم عالي الجودة في العام، فهما من أهم المنشآت النووية التي تعتمد عليها الهند في التسليح النووي للأغراض العسكرية حيث يمكن انتاج ثماني قنابل نووية من هذا اليورانيوم في العام. ويعتمد مفاعل (دهروفا) والذي يبلغ قدرته 100 ميجا وات والذي بني في منتصف الثمانينيات في مدينة ترومباي، يعتبر أكبر مفاعل ابحاث يستخدم اليورانيوم الطبيعي والماء الثقيل مقاما في دولة مصنفة انها غير نووية. والخلاصة أنه يتوفر لدى الهند مخزونا كبيرا ومتزايدا من البلوتونيوم الصالح لانتاج أسلحة نووية وغير خاضع للتفتيش الدولي، ولديها ايضا مشروع لتخصيب اليورانيوم خاص ببرنامج الطاقة النووية لغواصاتها. ومن المنتظر أن ينتج البرنامج النووي الهندي آلاف الارطال من المادة القابلة للانشطار خلال السنوات العشر المقبلة، مما يتيح للهند مزايا من التقدم في برنامجها النووي العسكري بالمقارنة ببرنامج باكستان. القاهرة ـ أحمد فؤاد: