اثارت التوقيفات التي جرت مؤخراً في لبنان، وطالت انصار القوات اللبنانية المنحلة والتيار العوني العديد من التساؤلات والاستفهامات، وسيطرت على الحياة السياسية والإعلامية اللبنانية، واعتبرها البعض بمثابة اعتداء على حرية الافراد وعودة لنظام القمع البوليسي. لكن بشارة مرهج وزير الدولة اللبناني اعتبر في حديث لـ «البيان» ان هذه التوقيفات طبيعية طالما تتم في اطار الدستور، مشيراً إلى وجود جهات 5 شغلها الشاغل تعكير اجواء التفاهم بلبنان من أجل تهميش النظام أو اسقاط المشروع الاقتصادي أو افشال الرئيس اميل لحود. وفيما يلي نص الحديث: ـ ما هو تعليقك على موجة التوقيفات الأخيرة؟ ـ هذه التوقيفات تبدو طبيعية وعادية «طالما انها تتم في اطار الدستور والقوانين مرعية الاجراء»، «ضرب المواطنين هو اكبر مخالفة للقوانين»، وكنت احلت عدداً من ضباط قوى الأمن الداخلي إلى المحاكمة الجزائية عندما كنت وزيراً للداخلية. ـ لكن ماذا عن حرية الاعلام في لبنان؟ ـ حرية الاعلام في لبنان مستمرة كمسألة مقدسة و واجبة، ولك ان تلاحظ انه في الفترة الأخيرة، تتحدث وسائل اعلام واقلام كثيرة عن اتجاه الرئيس الحريري للاعتكاف او الاستقالة أو ما شابه، في وقت كان يؤكد هو فيه انه يقضي فترة استراحة لا أكثر ولا أقل. وجاءت الأيام والتطورات لتكشف ان تأكيده كان في محله، بعودة عجلة الحكم إلى الدوران والعمل. ويستدرك مرهج: «لذلك هناك ضرورة احياناً لتصحيح بعض الافكار وبعض التحليلات التي تطرح وتؤثر على الحياة الاقتصادية وهنا من واجب المسئولية التصدي لطروحات من هذا النوع. التفاهم اعمق ـ هل المقصود «بواجب التصدي» ضرورة طمس الحقائق؟ ـ ليس هذا هو المطلوب على الاطلاق، ويكفي ان نلقي نظرة إلى واقع الامور لنتبين ان القضايا المتفاهم عليها بين المسئولين، خاصة الكبار منهم، هي اكثر واعمق من النقاط التي تثير خلافات فيما بين بعضهم البعض. هناك كثير من المشاريع ظهرت بالتفاهم بين اركان الحكومة، ورئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء. كان هناك بعض خلافات حول تقييم بعض الأمور الفرعية، وليس حول القضايا الاساسية، لكن جرى تصوير هذا الأمر وكأن هناك خندقان «لحود ـ الحريري»، هذا غير صحيح. يمكن لرئيس مجلس الوزراء ان يتفاهم على كثير من الامور مع رئيس الجمهورية. لا عقبة أو عقبات في هذا المجال». تهميش النظام ـ لا أحد يستطيع ان ينكر ان هناك خلافات قد حصلت وربما تحصل ثانياً في أي لحظة؟ ـ لا ينكر مرهج ذلك ويقول هناك احياناً بعض المواقع في أي جانب من الجوانب القائمة في البلاد، وليس ضرورياً ان نقسم البلد إلى جانب من هنا وآخر من هناك فقط لا غير، وهي لا تؤيد بالضرورة لا للرئيس لحود ولا الرئيس الحريري، انما شغلها الشاغل هو انها لا تريد لاجواء التفاهم ان تتكرر ولا ان تنصرف الحكومة للاعمال الاقتصادية والسياسية. تريد تلك المواقع ان يبقى الوضع القائم عبارة عن اشتباكات مستمرة ومتواصلة. يمكن ان يكون من مصلحتها تهميش النظام، أو اسقاط المشروع الاقتصادي، أو افشال الرئيس لحود، أو تدخل الناس بعضها ببعض، إلى ما هنالك، يعني يتعرض لبنان حالياً لامتحان كبير على صعيد وجوده، أو بالنسبة لدوره في المنطقة. هناك معركة ضارية تشهدها المنطقة. ولبنان ليس بعيداً عنها اطلاقاً». ويتابع قائلاً: «ان هذا العقل موجود في كل زمان ومكان، ويظهر بأشكال مختلفة. وهو عقل يصعب عليه ان يرى الوفاق بين اللبنانيين، أو ان يكتشف ان النظام اللبناني يسير بخطوات ناجحة في هذه المرحلة، أو ان يتوافق الجميع أكثر فأكثر على ان اتفاق الطائف هو الدستور الانجح للبنان في هذه المرحلة. كما قد يصعب على ذلك العقل القبول بالقرارات الكبيرة التي اتخذناها في الحكومة والحكم تأميناً للمصلحة العليا للبنان، سواء على صعيد تطوير العلاقات مع سوريا، أو دعم المقاومة أو مواجهة إسرائيل، واحترام الذات. وطالما ان الأمر كذلك، فان ثمة توجهات لدى بعض الاوساط لافشال هذا المنحى وهذا المناخ بطرق مختلفة. انا اقول ان هؤلاء أحرار في التعبير عما يريدونه طالما ان ما يبدونه يظل من حيث الشكل في اطار احترام القوانين والدستور. ومن واجبنا نحن ان نتصدى فكرياً وسياسياً واعلامياً أيضاً، لذلك نكشف كل تلك المحاولات، وما شابهها. فهناك اناس تأتي محاولاتهم انطلاقاً من نوايا سليمة، وأخرى بعكس ذلك من نوايا غير سليمة اطلاقاً». امتحان كبير ـ البعض ينعي المؤسسات الدستورية خاصة مجلس النواب والحكومة التي تقول دائماً انه ليس لديها علم بالتوقيفات التي حدثت أخيراً وربما تحدث مستقبلاً ما هو ردكم؟ ـ مثل تلك الأمور حصلت فعلاً، لذا اقول انه لابد في النهاية من فهم ما الذي حصل. لقد تعرضت المؤسسات لامتحان كبير حتى لاهتزازات كبيرة، وبعضها لحق به الضرر البالغ. لكن لا يجوز اعلان اليأس مقابل تلك الوقائع. مطلوب ان ندعو إلى الصمود وتصحيح الاوضاع، والنهوض بها، وخصوصاً بالنسبة للمؤسسات فمجلس الوزراء عالج الأمور، ولم يتركها تمرّ مرور الكرام، على قاعدة مواجهة أي شيء حصل بعبارة: «بسيطة، ماشي الحال». الذي حصل كان عكس ذلك، فقد توقف مجلس الوزراء عند دقائق الأمور وناقش المواضيع بمسئولية، وبحدة احياناً في احدى الجلسات التي دامت لحوالي خمس ساعات أجرى خلالها تقويماً لكل ما جرى، ثم خرج بمواقف متوازنة. نحن في الحكومة حريصون على المؤسسات ولكننا نحرص أيضاً، ودائماً، ان تمارس هذه المؤسسات صلاحياتها ودورها واجراءاتها في اطار الدستور والقانون. عملية تصحيحية ـ لماذا تجنبت الحكومة تطبيق مبدأ المحاسبة أو حتى التحقيق مع العناصر الأمنية التي تعرضت لعشرات المواطنين بصورة عشوائية توقيفاً وضرباً وقمعاً؟ ـ المحاسبة هي عملية ولا يجب ان تعنى موقفاً انتقامياً أي انها عملية تصحيحية تتناول الجميع، مثل عمل المؤسسات كلها. وعلى أساس ذلك توقف مجلس الوزراء عند ما جرى في البلاد، وكيف تعمل المؤسسات التي هي مسئولة أمام السلطة التنفيذية التي تبقى في موقع المسئول دائماً امام مجلس النواب والشعب والرأي العام والدول والعالم. لذا نقول ان الصلاحية والمسئولية يترافقان. لا يجوز ان يتصرف أي كان بصلاحية كاملة دون ان يكون مسئولاً عنها أمام مرجع أعلى أو مواز له. من هنا أكدنا على ان تلك المؤسسات جميعها. يجب ان تكون خاضعة لسلطة مجلس الوزراء. وهذا المجلس هو امام الامتحان: كيف يمارس هذه الصلاح من دون روحية الانتقام، وبدون املاء، أي اننا نريد لهذه المؤسسات ان تتفاعل وتشتغل وتضبط الأمن الذي هو بدوره عملية ليست سهلة، بل مسئولية كبيرة جداً في هذه اللحظة السياسية التي يبدو فيها التكالب على لبنان، وتظهر فيه محاولات اجهاض المسيرة الأمنية والوفاقية فيه. هناك محاولة لفك تحالفنا التاريخي بيننا وبين سوريا، ولاعادة عقارب الساعة إلى الوراء. كلنا نعرف حجم المأزق الكبير الذي تعيشه الحكومة الإسرائيلية، وتحديداً رئيسها ارييل شارون ـ ونحن نشكل حصناً متجدداً في وجه تلك المحاولات. وهذا ما يحتم ضرورة ان ندع مؤسساتنا تعمل بطريقة ديمقراطية، فاذا أردنا المحافظة على الأمن وضبطه، فان هذا يجب ان يتم بواسطة القانون ومن ضمنه وضمن المؤسسات وليس من خارجها. غير صحيح ـ هل حقاً رئيس الجمهورية مستبعد عن القرارات الاقتصادية التي يتخذها مجلس الوزراء؟ ـ هذا غير صحيح ولا يستطيع أحد ان يسمي قراراً اقتصادياً واحداً صدر عن الحكومة اللبنانية من دون ان يجري بحثه واقراره في مجلس الوزراء. فرئيس الجمهورية لم يتغيب أساساً عن اجتماعات مجلس الوزراء أكثر من مرات محدودة جداً، وتكاد تعد على اصابع اليد الواحدة. وهو عندما يحضر جلسة مجلس الوزراء يترأسها، وفق ما هو وارد في الدستور «الطائف». وكل القرارات والتدابير ومشاريع القوانين تأتي مجلس الوزراء، فيبحثها ويقرها. واذا كان هناك مشاركة فالأمر طبيعي واذا لم تكن هذه المشاركة موجودة فيكون الخطأ منا نحن كوزراء. ثم قبل ان تبحث تلك الأمور كيف يعد جدول اعمال مجلس الوزراء؟ رئيس الحكومة يعده بناء على طلبات من الوزراء أو رئاسة مجلس الوزراء ثم يطلع عليه رئيس الجمهورية ويحصل نوع من التفاهم حول ذلك الجدول وبعد ذلك يبحث في جلسة رسمية. هذا يعني ان عملية اعداد القرار لا تقبل الشك بالنسبة لمشاركة الجميع فيها يتحدثون عن حجم الصلاحيات وما شابه. اين هي الصلاحيات؟ فمجلس الوزراء يتخذ القرارات والوزراء ينفذون. وهذا ينطبق تماماً على الموازنة التي تعتبر اكبر عملية تقوم بها الدولة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية وحتى السياسية، مثل السياسة الانمائية والاعمارية وكل تلك النواحي تشكل مجموعها «سياسة» إلى حد كبير.. كيف نعمل الموازنة؟ أيضاً تبدأ العملية بالادارات ثم المدير العام، المدير فرئاسة مجلس الوزراء ومنها إلى هذا المجلس حيث يدرسها على مدى أسابيع، ثم تتحول إلى اللجان النيابية، وأخيراً الهيئة العامة لمجلس النواب فالقرار هو باختصار عملية مخاض كبير يشارك فيه الجميع، وفق الاصول الدقيقة المتبعة في النظام الديمقراطي وهو ملحوظ في دستور الطائف، خاصة لجهة اناطة السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، واشدد على كلمة «مجتمعاً» هذه.