ما ان هدأت العاصفة في افغانستان وخف دوي المدافع وازيز الطائرات حتى برز إلى واجهة الاحداث النزاع الهندي الباكستاني ليشد اهتمام العالم لما يجرى من تصعيد بين دولتين نوويتين تعيشان حالة عداء منذ نصف قرن. والواقع ان هذه الازمة ليست الاولى في تاريخ البلدين ولكن مؤشراتها تدل انها الاقوى، حيث الحشود العسكرية الكبيرة وحالة الاستنفار القصوى، والاصبع على الزناد، فيما يراهن بعض المراقبين على ان التصعيد يهدف إلى ممارسة ضغوط وتحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات، مشيرين إلى ان انفجار الموقف عسكرياً ونشوب حرب شاملة سيفضي إلى نتائج كارثية على البلدين وعلى دول الجوار اذا استخدم السلاح النووي. ويؤكد بعض الخبراء الاستراتيجيين أن الولايات المتحدة الامريكية باتت تمسك بأوراق اللعبة في شبه القارة الهندية ومنطقة وسط آسيا، لذا فإن ترمومتر الاحداث يتوقف على توجهات واشنطن ومصالحها، فإذا كانت ترى أن اشعال حرب محدودة او شاملة بين نيودلهي واسلام اباد سيحقق مصالحها ويخدم اغراضها بشكل او بآخر فإن ذلك سيتم تحت دعاوى ومبررات شتى، اما اذا كانت استراتيجيتها الحالية تقتضي التركيز على الساحة الافغانية والحفاظ على هدوء شبه القارة الهندية وكذا ابقاء حالة توازن الرعب النووي بين الهند وباكستان فلن ينفجر الموقف العسكري وستبقى الامور تحت السيطرة لأن واشنطن تحتفظ بعلاقات جيدة مع الطرفين ولديها مصالح متباينة مع كل منهما. والشاهد أن الخطاب السياسي والاعلامي الباكستاني يبدو متعقلاً، ويدعو إلى المفاوضات وتخفيف اجواء التوتر بينما تصر الهند على ممارسة المزيد من الضغوط وتطالب بالمزيد من التنازلات من باكستان. امام ذلك المشهد تبدو اجواء شبه القارة الهندية ملبدة بالغيوم مع استمرار حالة التعبئة الشعبية في البلدين. والواضح ان التحرك الدولي لاحتواء التوتر بين البلدين مازال خجولاً ومثيراً للاستغراب في الوقت ذاته، وكأن القوى الدولية تنتظر اشارة بدء التحرك من عاصمة النظام العالمي الجديد التي غدت تتحكم بمسار العلاقات الدولية وفي لعبة الامم، لذا جاءت الوساطة البريطانية التي قادها توني بلير ضعيفة وغير مؤثرة بل ان تصريحاته في ختام الجولة التي قام بها بين البلدين بدت اميل للموقف الهندي حيث طالبت باكستان بالتجاوب مع غايات نيودلهي بالقضاء على بؤر الارهاب! العملاق الصيني مازال ساكناً ويراقب الموقف بحذر في منطقة باتت اليوم من المناطق الساخنة في العالم، بكين ترصد التطورات والتحركات الامريكية الغربية في افغانستان وشبه القارة الهندية في الوقت الذي أضحت فيه واشنطن ـ كما يقال ـ داخل بطن آسيا الوسطى على مقربة من روسيا والصين، وهو الامر الذي يزيد من حدة الاستقطاب السياسي وصراع المصالح والنفوذ. ان تصاعد النزاع الهندي الباكستاني يمكن ان يقود إلى حل مشكلة كشمير المزمنة اذا ما تم التعامل مع القضية بعقلانية ومسئولية من الطرفين وقدم كل منهما تنازلات تضمن استقرار المنطقة واحتواء الازمة والحروب العبثية التي لا طائل منها سيما وانهما قد خاضتا ثلاث حروب اسفرت عن خسائر بشرية ومادية فادحة، وبالتالي فإن قرارات الامم المتحدة ذات الشأن بكشمير يمكن ان تكون المرجعية لتجاوز المرحلة العدائية، وفتح صفحة جديدة من الوئام. ومع ذلك فإن الصراع الهندي الباكستاني ليس محصوراً في قضية كشمير فقط بل ان مساحات العداء بين البلدين تشمل جوانب ايديولوجية وتاريخية وسياسية ولها ابعاد اقليمية ودولية، وهي تخضع للمتغيرات والمناخ الدولي واستحقاقاته، فهل تستمر حالة التصعيد السياسي والعسكري ويحدث الانفجار الشامل ام ان الامور ستصل إلى مستوى مرسوم له من بعض القوى والمحاور الدولية؟ وما هي سيناريوهات المستقبل في ظل المعطيات الحالية؟ بكل المقاييس يبدو ان كل الخيارات مفتوحة.
