عاد التوتر من جديد للعلاقات بين باكستان والهند بعد اتهام الأخيرة لبعض الجماعات الكشميرية التي تتخذ من باكستان مقرا لها بالضلوع في الهجوم الذي تعرض له البرلمان الهندي في 13 ديسمبر 2001 والذي أدى الى مقتل 13 شخصا منهم المهاجمون الستة، وطالبت بتفكيك بعض جماعات المقاومة الكشميرية التي تعتبرها الهند ارهابية، خاصة جماعتي «عسكر طيبة» و«جيش محمد»، ثم تطورت الأحداث وحشدت الدولتان قواتهما العسكرية على الحدود واتخذت كل منهما اجراءات عقابية ضد الاخرى. ويمتد الصراع بين الهند وباكستان حول كشمير على مدى أكثر من نصف قرن، حيث شكلت القضية الكشميرية بؤرة للتوتر الاقليمي في جنوبي آسيا، خاصة بعد امتلاك كل من الهند وباكستان للسلاح النووي، في منطقة تضم تكتلا بشريا تجاوز تعداده خمس سكان العالم. الموقع والمساحة تحتل كشمير موقعا جغرافيا استراتيجيا بين وسط وجنوب آسيا، حيث تشترك في الحدود مع أربع دول هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين.= وتبلغ مساحتها الكلية 86023 ميلا مربعا، يقسمها خط وقف اطلاق النار منذ عام 1949، ويعرف منذ اتفاقية شملا الموقع عليها عام 1972 بخط الهدنة.وتبلغ مساحة الجزء الهندي 53665 ميلا مربعا ويسمى جامو وكشمير، في حين تسيطر باكستان بطريقة غير مباشرة على 32358 ميلا مربعا يعرف باسم ولاية كشمير الحرة (آزاد كشمير)، وهناك مساحة صغيرة خاضعة للصين منذ عام 1962 تسمى أكساي تشين. خلفيات تاريخية شهدت كشمير فترات تاريخية متعددة كانت مليئة بالصراعات السياسية والفتن الطائفية خاصة بين البوذيين والبراهمة، وتعددت عوامل اشتعال هذه الصراعات ما بين دينية واجتماعية وسياسية، ثم حل هدوء نسبي من القرن التاسع الى الثاني عشر الميلادي وازدهرت الثقافة الهندوسية بها. حكمها الاسلام قرابة خمسة قرون من 1320 الى 1819 على ثلاث فترات هي: فترة حكم السلاطين المستقلين (1320 ـ 1586)، فترة حكم المغول (1586 ـ 1753)، فترة حكم الأفغان (1753 ـ 1819)، وبدءا من القرن الرابع عشر الميلادي حدثت فيها تغيرات جوهرية، فقد أسلم حاكمها البوذي رينشان وأسلم معه عدد غفير من الكشميريين، وعلى مدى خمسة قرون (1320 ـ 1819) انتشر الاسلام حتى أصبح أغلب سكان الولاية مسلمون. ونعمت البلاد بنوع من الاستقرار، وأثر مفهوم المساواة في الاسلام في خلق نوع من التعايش بين جميع الأقليات الدينية والعرقية. وازدهر خلال هذه القرون العديد من الصناعات والحرف اليدوية كصناعة الغزل والنسيج. حكم عائلة الدوغرا الهندوسية (1846 ـ 1947): باع البريطانيون عام 1846 ولاية جامو وكشمير الى عائلة الدوغرا التي كان يتزعمها غلاب سينج بمبلغ 7.5 ملايين روبية بموجب اتفاقيتي لاهور وأمرتسار، واستطاع غلاب سينج الاحتفاظ بسيطرته على الولاية وبقيت عائلته من بعده في الحكم حتى عام 1947. التقسيم الاداري كانت كشمير وقت تقسيم شبه القارة الهندية تتكون من خمس مناطق هي: وادي كشمير، جامو، لاداخ، بونش، وبلتستان وجلجت.وبعد عام 1947 سيطرت الهند على جامو ومنطقة لاداخ، وبعض الأجزاء من مقاطعتي بونش وميربور ووادي كشمير أخصب المناطق وأغناها، في حين بسطت باكستان سيطرتها على مناطق بونش الغربية ومظفر آباد وأجزاء من ميربور وبلتستان.واتخذت الهند من مدينة سرينجار عاصمة صيفية للاقليم ومن مدينة جامو عاصمة شتوية له، اما المناطق التي تسيطر عليها باكستان فعاصمتها هي مظفر آباد. عدد السكان اختلفت المصادر التي تتحدث عن تعداد السكان في كشمير ما بين المصادر الباكستانية والهندية.فطبقا لاحصائية هندية أجريت عام 1981 بلغ عدد سكان الولاية 6 ملايين نسمة تقريبا، شكل المسلمون منهم 64.2% والهندوس 32.25% والسيخ 2.23% والبقية ما بين بوذيين ومسيحيين وأقليات أخرى.وتذكر بعض المصادر أن تعداد السكان قبل السيطرة الهندية كان 4 ملايين نسمة تقريبا، بلغت نسبة المسلمين فيهم 77% والهندوس 20% والسيخ والأقليات الأخرى 3%.أما المصادر الكشميرية شبه المستقلة فتقدر تعداد الكشميريين في الجانبين الهندي والباكستاني وفي الدول الأخرى ب13.5 مليون نسمة، بواقع 8.5 ملايين نسمة في جامو وكشمير، و2.5 مليون نسمة في كشمير الحرة، ومليون نسمة في جلجت وبلتستان و1.5 مليون نسمة موزعين في الهند وباكستان ودول الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. غير أن الحقيقة المتفق عليها هي وجود أغلبية مسلمة في الاقليم. التكوين العرقي يتكون الشعب الكشميري من أجناس مختلفة أهمها الآريون والمغول والأتراك والأفغان، وينقسمون الى أعراق متعددة أهمها كوشر ودوجري وباهاري، ويتحدثون عدة لغات أهمها الكشميرية والهندية والأوردو، ويستخدمون الحروف العربية في كتابتهم. الوضع السياسي يعتبر اقليم جامو وكشمير من الناحية السياسية منطقة متنازعاً عليها بتعريف القانون الدولي، وقد قامت الهند بضم الاقليم لها في 27 أكتوبر عام 1947 وفرضت عليه حماية مؤقتة بعد أن تعهدت للشعب الكشميري وللأمم المتحدة بمنح الكشميريين حق تقرير المصير. وقد تضمن قرارين صادرين من مجلس الأمن الدولي في عامي 1948 و1949 النص على اعطاء الشعب الكشميري الحق في تقرير المصير عبر استفتاء عام حر ونزيه يتم اجراؤه تحت اشراف الأمم المتحدة، وهو ما لم يتم حتى الآن. بداية الصراع أصدر البرلمان البريطاني في 17 يوليو 1947 قانون استقلال الهند الذي أنهى الحكم البريطاني لها، وتم تنفيذ القرار في 15 أغسطس من العام نفسه.وأوعزت بريطانيا بعد انسحابها الى تلك الامارات التي كانت تحكمها في الهند بأن تنضم اما الى الهند أو باكستان وفقا لرغبة سكانها، مع الأخذ بعين الاعتبار التقسيمات الجغرافية في كل امارة، وتكونت تبعا لذلك دولتا الهند وباكستان. أما كشمير فقد كان وضعها مختلفا عن الامارتين السابقتين، فقد قرر حاكمها الهندوسي هاري سينج ـ بعد أن فشل في أن يظل مستقلا ـ الانضمام الى الهند، متجاهلا رغبة الأغلبية المسلمة بالانضمام الى باكستان ومتجاهلا القواعد البريطانية السابقة في التقسيم.وخاف من رد فعل الأغلبية المسلمة في امارته فعرض معاهدتين على كل من الهند وباكستان لابقاء الأوضاع كما كانت عليه وللمحافظة على الاتصالات والامدادات، فقبلت باكستان بالمعاهدة في حين رفضتها الهند، ومن ثم راحت الأمور تتطور سريعا باتجاه الحرب. الحروب خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب بشأن كشمير منذ انفصال البلدين واستقلال كل منهما. 1 ـ حرب 47 ـ 1948: اندلع قتال مسلح بين الكشميريين والقوات الهندية عام 1947 أسفر عن احتلال الهند لثلثي الولاية، ثم تدخلت الأمم المتحدة في النزاع وأصدر مجلس الأمن قراره رقم 726 في 13/8/1948 الذي ينص على وقف اطلاق النار واجراء استفتاء لتقرير مصير الاقليم.وبدأ يسود المجتمع الدولي منذ ذلك الحين اقتناع بأن حل القضية الكشميرية يأتي عن طريق اقتسام الأرض بين الهند وباكستان، فاقترحت الأمم المتحدة أن تنضم الأجزاء التي بها أغلبية مسلمة وتشترك مع باكستان في حدود واحدة (تقدر بحوالي 1000 كم) لباكستان، وأن تنضم الأجزاء الأخرى ذات الغالبية الهندوسية ولها حدود مشتركة مع الهند (300 كم) للسيادة الهندية، لكن هذا القرار لم يجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع حتى الآن. 2 ـ حرب 1965: عاد التوتر بين الجانبين، وحاول الرئيس الباكستاني دعم المقاتلين الكشميريين، لكن الأحداث خرجت عن نطاق السيطرة وتتابعت بصورة درامية لتأخذ شكل قتال مسلح بين الجيشين النظاميين الهندي والباكستاني في سبتمبر 1965 على طول الحدود بينهما في لاهور وسيالكوت وكشمير وراجستان، واستمر الصراع العسكري 17 يوما لم يتحقق فيها نصر حاسم لأي من الدولتين، وانتهت الجهود الدولية بعقد معاهدة وقف اطلاق النار بين الجانبين في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. 3 ـ حرب 1971: عاد القتال بين الجارتين ليتجدد مع مطلع السبعينيات اثر اتهامات باكستان للهند بدعم باكستان الشرقية (بنجلاديش) في محاولتها الانفصالية، وكان الميزان العسكري هذه المرة لصالح الهند الأمر الذي مكنها من تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض غيرت من التفكير الاستراتيجي العسكري الباكستاني وأدخلت البلدين في دوامة من سباق التسلح كان الاعلان عن امتلاك كل منهما للسلاح النووي أهم محطاته.وأسفر قتال 1971 عن انفصال باكستان الشرقية عن باكستان لتشكل جمهورية بنجلاديش. الأهمية الاستراتيجية تشكل المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة في نظر البلدين. أولا ـ بالنسبة للهند: تمثل كشمير أهمية استراتيجية تتلخص فيما يلي: أ ـ تعتبرها الهند عمقا أمنيا استراتيجيا لها أمام الصين وباكستان. ب ـ تنظر اليها على أنها امتداد جغرافي وحاجز طبيعي مهم أمام فلسفة الحكم الباكستاني التي تعتبرها قائمة على أسس دينية مما يهدد الأوضاع الداخلية في الهند ذات الأقلية المسلمة الكبيرة العدد. ج ـ تخشى الهند اذا سمحت لكشمير بالاستقلال على أسس دينية أو عرقية أن تفتح بابا لا تستطيع أن تغلقه أمام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب فيها عرقية معينة أو يكثر فيها معتنقو ديانة معينة. ثانيا ـ بالنسبة لباكستان: تعتبر الاقليم خطا أحمر لا يمكن تجاوزه أو التفريط فيه لعدة أسباب أهمها: أـ تعتبره باكستان منطقة حيوية لأمنها لوجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرخد وشمالي شرقي البنجاب تجري بمحاذاة كشمير. ب ـ تنبع من الأراضي الكشميرية ثلاثة أنهار رئيسية تمثل أهمية كبيرة للزراعة في باكستان، مما يجعل احتلال الهند لها تهديدا مباشرا للأمن المائي الباكستاني. حركات المقاومة الكشميرية 1 ـ حزب اتحاد الشباب المسلم في جامو الذي أسسه شودري غلام عباس عام 1922، وكان يرفض فكرة التعايش بين المسلمين والهندوس، ونجح زعيمه شودري غلام عباس في تمرير قرار من المؤتمر في 19يوليو 1947 يقضي بانضمام كشمير الى باكستان. 2 ـ مؤتمر مسلمي جامو وكشمير بقيادة الشيخ محمد عبد الله عام 1932، وقد تبنى النظرة العلمانية القومية الهندية وامكانية التعايش بين مختلف الطوائف كشعب واحد، وغير اسمه الى المؤتمر الوطني. 3 ـ في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد انتخابات عام 1987 التي قالت عدة فصائل للمقاومة الكشميرية انها مزورة، ظهر عدد من التنظيمات السياسية والعسكرية، أبرزها على الصعيد السياسي تنظيم الحركة من أجل حرية كشمير ووريثها الآن هو المؤتمر العام لأحزاب كشمير، اضافة الى تنظيمات أخرى عسكرية وسياسية ودينية وعلمانية تتوزعها خريطة حزبية معقدة ومتشابكة. جهود التسوية السلمية شهدت القضية الكشميرية محاولات للتسوية بالوسائل السلمية بعد أن فشلت المحاولات العسكرية في تحقيق ذلك.وأبرز هذه المحاولات في بداية الأزمة من الأمم المتحدة التي عرض مجلس الأمن الدولي فيها عبر القرارات التي صدرت عنه في 12أبريل 1948 و13 أغسطس 1948 و5 يناير 1949 توصيات حاول من خلالها أن يتخذ موقفا سياسيا وسطا للتقريب بين الفرقاء، فعرض خطته للحل والتي اشتملت على ثلاث نقاط: انسحاب القوات العسكرية من كشمير، اجراء استفتاء شعبي، تنصيب حكومة انتقالية في كشمير للاشراف على الوضع.وقد رفضت الدولتان العديد من بنود خطة المجلس.وبسبب هذه الخلافات أصبحت معظم جهود التسوية السلمية، سواء داخل أروقة الأمم المتحدة أو عبر الوساطات الدولية، غير ذات جدوى كما كان الحال في المفاوضات الثنائية التي جرت بين البلدين في الأعوام 1953 و1955 و1960 و1962 و1962/1963 و1972 الخ. اعداد: مركز المعلومات للدراسات والبحوث