عادت مجددا الازمة التاريخية بين الهند وباكستان حول اقليم جامو وكشمير تتصدر اهتمامات السياسة الدولية، ولم تنجح ازمة افغانستان او التلويحات بضرب الصومال في سرقة الاضواء من اهتمامات السياسة حول هذا الملف الساخن بين الدولتين، ليس فقط لان هذه المنطقة الآسيوية اصبحت بعد الحرب الافغانية محل اهتمام وبؤرة خطر، ويجب العمل على اخماد اي شرر لنيران حرب محتملة لاعادة الاستقرار للمنطقة، بل لان كلاً من الدولتين تمتلكان اسلحة نووية تلوحان بها مع تصاعد الاحتقان السياسي والعسكري على الحدود بين وقت وآخر، ولان قيام الحرب في اي وقت بين البلدين من شأنه ان يخل بالتوازن المأمول في وسط آسيا، والذي يرغب فيه الغرب لتحقيق مصالحه وعلى رأسهم امريكا. وحول امكانيات نشوب حرب وطموحات الوساطة الدولية التي يقوم بها توني بلير، وتطورات الموقف الآتي وسيناريوهات المستقبل حاور «الملف السياسي» الدكتور باول سخرايفر خبير ومستشار الشئون الاسيوية للاتحاد الاوروبي، ونبادره بالسؤال حول قراءته للاسباب الحقيقية التي قفزت مجددا ببؤرة النزاع الى السطح بين الهند وباكستان فيقول: ـ لا يمكن تجاهل ان هناك عدة معطيات بديهية افرزتها الحرب الامريكية على افغانستان للقضاء على بؤر التنظيمات الاسلامية بها، فهذه الحرب الامريكية اعطت الهند سلاحا قوياً يمكنها ان تستخدمه هي الاخرى للقضاء على مراكز المقاومة الاسلامية في كشمير التي تقود الكفاح ضدها والمتزعمة حركة الاستقلال، وهي مراكز تدعمها باكستان سياسة وتمويلا، وعلى رأسها جيش محمد، وعسكر طيبة، وتعتمد الهند في موقفها الذي يبدو اقوى نسبيا من باكستان الآن على: ـ فقدان باكستان داعماً قوياً لها وهو حركة طالبان التي سقطت، وكانت تعد عنصرا امنيا استراتيجيا لباكستان. ـ ثقة الهند ان امريكا تساندها في مطالبتها بالقضاء على التنظيمات الاسلامية المهددة لها. ـ الحرب الامريكية على افغانستان طرحت مبدأ دولياً جديداً في اطار السياسة وهو امكانية القيام بحرب منفردة دون الرجوع للامم المتحدة، او عمل تحالف دولي في هذه الحرب دون حاجة ايضا لقرارات من المنظمة الدولية، وهو يشجع الهند في حالة اتخاذها لقرار منفرد للحرب على باكستان. وباكستان الآن في تصديها للهند تحاول ايضا الاعتماد على الدعم الامريكي لها والذي تنتظره كثمن لوقوفها مع امريكا ضد طالبان، ولكن يبدو ان الموقف الامريكي اميل للهند، لان التنظيمات الكشميرية ادرجت من قبل تصاعد الازمة ضمن قائمتها للتنظيمات الارهابية، لذلك فهذه التنظيمات ستكون هدفا قريبا لامريكا بعد ان تفرغ يدها من افغانستان والصومال. وهنا يجب الكشف بأن وزير الخارجية الامريكي في زيارته للهند التي أعقبت الضربات الاولى على افغانستان في 7 اكتوبر قد اكد للهند ان كشمير ستكون هدفا لامريكا للقضاء على اوكار الارهاب الاسلامي بها، ولعل هذه الزيارة كانت الضوء الاخضر للهند لتشجيعها للقضاء على جماعات ارقت مضجعها، ويدفع هذا الآن ما تعرضت له من مجزرة ارهابية في برلمانها على ايدي عناصر من هذه التنظيمات. ـ وما هي اهم مطالب الهند من باكستان؟ تتركز المطالب كما هو مطروح الآن في: ـ اغلاق باكستان لملف كشمير. ـ الغاء اي استفتاءات حول كشمير مستقبلا. ـ محاصرة العناصر الاسلامية من التنظيمات المسلحة والتي تقود الكفاح للاستقلال الكشميري. ـ القضاء على نشاط هذه التنظيمات عبر حدود باكستان وتسليم المتهمين منهم في حادث البرلمان الهندي الدامي يوم 13 ديسمبر. ـ وهل من الممكن ان توافق الباكستان على هذه المطالب؟ ـ ليس كلها، بل معظمها، وهي مضطرة لذلك خاصة فيما يتصل بالقضاء على التنظيمات الاسلامية الكشميرية وبرويز مشرف من الذكاء الذي سيجعله يتم هذا على مراحل وليس بصورة قاطعة مرة واحدة، لانه لايريد ان يخسر مزيدا من شعبيته الداخلية التي اهتزت بسبب وقوفه مع امريكا ضد طالبان، وهو قد يرجيء ايضا عملية الاستفتاء على استقلال كشمير، ومن مصلحة الهند ان تقبل التهدئة لانها تعاني داخليا من ازمات اقتصادية وفساد. ويعتقد البعض ان محاولتها اشعال حرب قد يساعدها في التغطية على امورها الداخلية وتصاعد الخلافات بين الائتلاف الحكومي، لكن الواقع يؤكد ان اي حرب سوف تستنزفها اقتصاديا، وهي الآن ليس لديها القدرة على مواجهة الاستنزاف، لذلك ستبقى الازمة محصورة في تصوري في طور المناوشات والتهديدات والمصادمات الصغيرة عسكريا على الحدود والقذف بالمدفعية، وهي المصادمات التي حدثت على مدى 20 عاماً من الخلافات، وليس من المحتمل ان تنشب حرب، خاصة من منطلق الموقف الامريكي الذي لن يسمح بقيام الهند بأي حرب على باكستان لعدة اسباب تتمثل في: ـ امريكا تريد ان تضمن استمرار وقوف باكستان بجانبها في الحرب الدائرة. ـ قيام حرب سيفسد على امريكا قيادتها لحملتها العسكرية في العالم للحرب على الارهاب وسيسرق منها الراية. ـ امريكا لا ترغب في صدام بين دولتين تمتلكان قوة نووية. ـ امريكا تريد الاحتفاظ بالقوة الهندية غير منهكة لانها تراهن بها مستقبلا لمواجهة القوة الصينية. ـ وهي ايضا لا تريد اضعاف قوة باكستان اكثر من ذلك لابقاء نوع من التوازن في هذه المنطقة الاسيوية، فليس من مصلحتها غياب قوة وظهور اخرى، وتوازن القوة وان كان نسبيا سوف يحافظ لامريكا على مصالحها في المنطقة. ـ وما هي الطموحات المعلقة على الوساطة الدولية المرتقبة من توني بلير وسيناريوهات مستقبل الازمة؟ ـ لقد شاهدنا ما حدث في قمة دول جنوب آسيا بكاتمندو النيبالية بمصافحة الرئيس الباكستاني برويز مشرف لرئيس الوزراء الهندي آتال بيهاري فاجبايي، كنوع من ابداء الرغبة في مد جسور سلام او تفاهم وان الاخير ابدى ارتباكا واضطر لتغيير كلمته بالقمة والتي كانت اكثر هجومية على باكستان قبل هذه المصافحة، رغم ذلك انتهت القمة دون اي تقدم يذكر في اجواء التصالح والتفاهم، لذلك لا اعلق كثيرا من التفاؤل على جهود وساطة بلير وان كنت اعتقد انها ستهديء من الازمة لكنها لن تنزع فتيلها للأبد. بل ستهدأ نارها وتصبح مؤجلة للتأجج مرة اخرى طالما ان ملف كشمير لم يحسم للنهاية. واعتقد ان وساطة بلير سوف تعتمد على تقديم الوعود الاقتصادية الغربية لكلا الجانبين مدفوعا من امريكا لمساعدة اعمار باكستان بسرعة، واعانة الهند للخروج من ازمتها، وذلك في مقابل تهدئة احتقان الحادث، وسحب القوات المرابضة على الحدود او التخفيف منها، ووقف التهديدات. وستحقق الوساطة بعض النجاح لكن أؤكد في النهاية انه لن تنشب حرب بين الجانبين او تستخدم القوة النووية إلا اذا مست التهديدات وجود اي من الجانبين، فباكستان الآن حليف لامريكا لذلك فهي في موقف قوي لا يمكن للهند ان تهدد وجودها ومن مصلحة امريكا دعم باكستان لاحكام سيطرتها على الحدود وتوفير الحماية للجنود الامريكان المتواجدين هناك، لذلك فضغوطها على باكستان ستكون محدودة، وفي المقابل الهند مأرب امريكي للتوازن مع الصين لذلك فهي ايضا في موقف قوي. هولندا حوار ـ د. سعيد السبكي