على الرغم مما حدث من زلزال في العالم بعد الـ 11 من سبتمبر، وبرغم قدوم الولايات المتحدة،السريع والمكثف، الى منطقة آسيا الوسطى،ووضع أقدامها على مقربة من العملاق الصيني لدعم قوات التحالف الشمالي، ثم الشروع في تنفيذ أكبر عمليات عسكرية تقوم بها في العالم منذ حرب الخليج الثانية، بقيت الصين وكأنها على الهامش مما يحدث، اذا ما استثنينا تأييدها الرسمي، والعلني للاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الارهاب. فهل ستبقى كذلك وقد تعلق الأمر اليوم بمنطقة لها أكثر من تأثير على حدودها الجنوبية؟ وبمسألة لها ضلع كبير فيها؟ وبصراع بين جارتين تهمها التوازنات الاستراتيجية بينهما؟ أم أنها ستبدأ في التأثير في معادلة الصراع الاقليمي والعالمي من خلالها؟ بمعنى آخر هل ستكون «كشمير» الآن هي بوابة دخول الصين الى معترك الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين؟وما تداعيات ذلك محليا ودوليا؟ يبدو أنه اذا كان هناك طرف في معادلة الصراع بين الهند وباكستان حول كشمير ما فتئ يمنع الدولتين من الدخول في حرب طويلة بينهما لا شك أنه الصين. وحتى اليوم اذا ما كانت الحرب تتردد في الاندلاع بين الجارتين فان ذلك يعود الى وجود هذا العملاق الذي بقدر ما تخشاه احداهما تسعى للاحتماء به الأخرى، وبقدر ما تسعى لأن تكون نداً له واحدة تسعى الى أن تكون حليفا له الأخرى. وهكذا في جميع المجالات. ففي الوقت الذي بدأ فيه التعاون العسكري بين الصين وباكستان يزداد في منتصف الثمانينيات، كانت العلاقات السياسية بين الصين والهند لا تتعدى الزيارات الرسمية وسياسات الطمأنة والاتفاقيات البروتوكولية. ولم تأت زيارة الرئيس الصيني للهند في سنة 1996 الا بعد أن أخذ التعاون الاستراتيجي والعسكري كل أبعاده بين الصين وباكستان. فقد تم تزويد هذه الأخيرة بمفاعلين نوويين في سنة 1990 وباليورانيوم المخصب وبالخبراء، كما تم تزويدها بالصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى «هافت» 1 و2 وبصواريخ «أم 11» M11 وبأكثر من 80 طائرة من نوع «أف»7 F، وبمعدات عسكرية أخرى لا شك أن الهدف منها هو تحقيق نوع من التوازن الاستراتيجي بينها وجارتها الأولى. وتوجت هذه المساعدات بتمكين «باكستان» من الالتحاق بالقدرة النووية الهندية، وبالرد على تفجيرات جارتها بالمثل سنة 1998. وبالمقابل لم تبخل «باكستان» بالوقوف الى جانب الصين في مجال مطالباتها باستعادة «تايوان» و«هونج كونج»، أو في مجال علاقتها مع مسلمي اقليم «قزين يانج» الذي بدأت تظهر فيها بوادر الدعوة للانفصال والتميز الحضاري والديني عن بقية الصينيين. كما أيدت وجهة نظرها في مجال حقوق الانسان خاصة بعد أحداث ساحة (تيان آن مين)، ووضعت نفسها في موقع الضامن للاتصال مع مسلمي العالم، وفي جعل العلاقة غير عدائية بين الاسلام والكنفشيوسية على حد تعبير «هنتنجتون». وعلى العكس من هذا تماما اتسمت العلاقات الهندية الصينية بالتنافس الصامت حينا ،وبالصراع والحرب أحيانا أخرى. فقد استعادت الصين هضبة التبت الاستراتيجية بعد حرب مع الهند في سنة 1962،و مازالت تطالب باقليم مساحته 94 ألف كلم2 في ولاية «أورشنال برادش» في التراب الهندي، دون الحديث عن اقليم «أكساي ـ شين» الصيني الذي تبلغ مساحته 45 ألف كلم مربع ـ بما في ذلك الجزء الممتد في كشمير ـ في حين مازالت الهند تطالب بذات الاقليم و الى اليوم استنادا الى خرائط بريطانية موضوعة في سنة 1912. ومن ناحية أخرى فقد سعت الهند خلافا لباكستان الى أن تكون قوة قادرة على منافسة الصين في جميع المجالات أو على الأقل أن تكون ندا لها. ففي المجال العسكري تدهورت الثقة بن البلدين بعد اشتباكات سنة 1987 ،وحاولت الصين أن تدفع بالهند الى الاقتناع بتقديم تنازلات في الجبهة الشرقية(الحدود الواقعة بين اقليم آسام وجنوب اقليم التبت الصيني) مقابل الحصول على تنازلات في الجبهة الغربية (اقليم كشمير)، الا أن الهند رفضت هذا الاتجاه لاعتبارات استراتيجية ذلك أن تراجعها في منطقة كشمير يعطي كسبا تكتيكيا لصالح الصين. ومازال ميزان القوى العسكري بين البلدين والى اليوم في صالح الصين، بل ان القدرة الهندية على مجاراة الصين في سباق التسلح تبقى قدرة محدودة، فعلى سبيل المثال لا مجال للمقارنة بين 980 ألف جندي نظامي هندي و2.2 مليون صيني أو 778 طائرة حربية هندية مقابل 4970 للصين و3500 دبابة للهند مقابل 8000 للصين (احصائيات 1998)... ناهيك عن القوات الأخرى التي تتفوق فيها جميعا الصين. واذا أضفنا الى هذا العلاقات الدولية للهند المتقاربة أكثر مع الولايات المتحدة، والمترجمة اقتصاديا بتعاون ضعف حجم التعاون الصيني الأمريكي رغم أهمية الصين بالنسبة للاستثمارات الأمريكية فانه يتبين لنا أن العلاقات الصينية الهندية هي بالنقيض تماما للعلاقات الصينية الباكستانية. فحيث النزاع على الأرض هنا، تعاون في مجال استعادة الأرض هناك، وحيث سباق نحو التسلح هنا، تعاون وتكامل هناك، وحيث تخوف من الحرب هنا، سعي لتوطيد علاقات السلم هناك، وحيث تفتح على الولايات المتحدة هنا ، تفتح على الصين هناك. هذه العلاقة هي التي تلقي بظلالها اليوم على آفاق النزاع الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق اليوم بين الهند وباكستان حول كشمير،و لا يمكن فهم جميع أبعاده الا من خلالها. فاما أن يحدث النزاع وتكون الصين طرفا فيه ويصبح بذلك نصف البشرية في حرب كونية ثالثة. أو لا يحدث النزاع أصلا بصفته النظامية ويتوقف الأمر عند حدود الاستجابة لمصالح الصين الاستراتيجية و لبعض مطالب الولايات المتحدة الأمريكية الداعية الى الحد من نشاط بعض الجماعات الاسلامية في كشمير وباكستان في نطاق ما يعرف لديها بالحرب ضد الارهاب،ويتأكد بالفعل مَن صاحب القرار في المنطقة. ويبدو أن الثقل الصيني في معادلة كشمير والتوازن بين الهند وباكستان في واقع الأمر هو العامل المحدد في الصراع في المنطقة وليس الثقل الأمريكي أو السلوك الهندي ناهيك عن الدور الباكستاني. ومن ثم فان الصين حتى وان لم تدخل الصراع الدائر حاليا في منطقة آسيا الوسطى بطريقة مباشرة ، تكون بمثل هذا الدور المؤثر في التوازن الاستراتيجي قد دخلته بطريقة مباشرة، ومن ثم فانه يحق لنا القول ان العملاق يكون قد تحرك ولكن ببطء وبصمت هذه المرة، وان مفاتيح الحل والعقد هي لديه. فماذا ستكون تداعيات هذا التحرك على ضوء الخلفيات السابقة؟ لاشك أن العلاقات الهندية الصينية ليست بالسوء الذي قد نتصور من جراء سباق التسلح والخلفيات التاريخية للصراع، كما أن العلاقات الباكستانية الصينية ليست بالود الذي نتصور خاصة بعد القبول اللامشروط للرئيس مشرف بالدعم المباشر للولايات المتحدة في مواجهتها لحلفائه السابقين من الطالبان وفي ملاحقتها لأسامة بن لادن في أفغانستان. ان الصين وان كانت قد أيدت التدخل الأمريكي في أفغانستان لم يكن ليرضيها أن تصبح قوات دولة قوية مثل الولايات المتحدة على مقربة منها بترسانتها العسكرية وجيوشها وبمساندة دولية واقليمية ليس فقط من حليفها التقليدي الهند انما من أقرب حلفائها هي:باكستان. ومن ثم فانها و ان سعت في الاتجاه العام الى منع الهند من استغلال فرصة اهتزاز الموقف الباكستاني الداخلي والخارجي، وملاءمة الوضع الدولي لاستعادة كشمير ـ الأمر الذي يشكل خطرا عليها ـ فانها لن تعمل على تمكين باكستان من ذلك وهو الذي فتح الباب واسعا أمام الأمريكيين ليتمكنوا من وضع أقدامهم بقلب آسيا الوسطى ليس للقضاء على تنظيم القاعدة وطالبان ثم الانصراف، انما للاستقرار طويلا بالمنطقة باعتبارها مصدر ثروات هامة في القرن الحادي والعشرين، وموقعا استراتيجيا يمكن انطلاقا منه مراقبة كافة القوى الصاعدة في آسيا و أولها الصين. ولعل هذه الزاوية للرؤية هي التي، بالتقاطع مع الخلفيات سابقة الذكر ، ستحكم في المستقبل السلوك الصيني ليس فقط في مجال النزاع الدائر اليوم في كشمير انما في أشكال الصراع المختلفة في المنطقة. ان الصين بالفعل لن تسمح للنزاع الهندي الباكستاني حول كشمير بأن يتحول الى حرب نظامية قد تجر اليها عنوة. كما أنها لن تسمح لأي من الطرفين تحقيق تقدم على حساب الآخر باعتبار أن ذلك يخدم الاستراتيجية الأمريكية في المقام الأول، وستسعى من غير ضجيج يذكر، من ناحية الى منع باكستان من أن تتحول الى دولة في خدمة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة عن طريق تمكينها من عناصر القوة العسكرية التي تبقيها قادرة على القيام بسلوك مستقل عن الولايات المتحدة خاصة في المجال العسكري. ومن ناحية أخرى لن تفوت فرصة الاستفادة من قدرات الهند في ادخالها المنتديات الاقتصادية العالمية استجابة لتطلعات الصين الاقتصادية، وفي الأخير لن تترك الولايات المتحدة الأمريكية تتخذ موقفا عدائيا منها عن طريق دعمها غير المباشر في القضاء على الجماعات والأحزاب الاسلامية المسلحة التي تعرف الصين بأن لها، أو قد تكون لها في المستقبل، امتدادات داخل الاقليم الصيني،ويمكنها أن تتحول لسبب أو لآخر الى العمل ضدها. وهكذا تكون الصين قد تمكنت عن طريق ادارة محكمة للصراع في المنطقة يميزها الهدوء من أن تتصرف بالفعل كقوة صاعدة في العلاقات الدولية تملك مفاتيح التحكم في الأزمات ومن بينها أزمة كشمير. بقلم: د. سليم قلالة ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر